مهاجرون يروون تفاصيل رحلة العذاب من غزة حتى "جحيم اليونان"

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Gmnvab

آلاف المواطنين في غزة يتحيّنون الفُرَص المناسبة للهجرة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 17-03-2019 الساعة 12:47

قائمة الأحلام الوردية الطويلة التي كانت توجد في الصفحة الثانية من مذكرات الفلسطيني "أبو ناهض كفارنة" صاحب الـ29 ربيعاً، الذي كان ينوي إخراجها فور وصوله إلى "أرض الأحلام" لتحقيقها واحدة خلف الأخرى، قد تمزقت ولم يبقَ منها إلا جملة أخيرة تقول: "يا رب حقِّق أحلامي".

الشاب "كفارنة"، وهو من سكان قطاع غزة، كان أحد المهاجرين الذين فروا من "جحيم القطاع" عبر البحر المتوسط نحو "جنة أوروبا"، ليعيشوا حياة جديدة بعيداً عن ويلات وقساوة الحصار الإسرائيلي، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي يعيش تحتها سكان القطاع، كما يعتقد.

ما شاهدته عينا "كفارنة" خلال ما سماه "رحلة العذاب"، التي انطلقت من شواطئ رفح المصرية بعد خروجه من غزة، حتى شواطئ اليونان، لم يصدقها عقله حتى اللحظة، بعد نجاته من مياه البحر القاتلة التي كانت تتربص به لسرقة حياته وحياة العشرات من المهاجرين العرب والأفارقة الذين شاركوه تفاصيل مرارة رحلته على مركب الهجرة الصغير.

"كفارنة" أحد الشبان المحظوظين الذين تخطوا عقبة الموت خلال رحلة وصوله إلى جزيرة "ليروس" اليونانية، لكن معاناته قد بدأت بعد أن وصلت قدماه إلى الجزيرة نفسها، التي حولت أحلامه إلى واقع أسود وقاسٍ.

تفاصيل رحلة العذاب

ويروي لـ"الخليج أونلاين": "كنت أعتقد أنني فور وصولي إلى شواطئ اليونان، أن كل أيام الرعب التي عشتها في البحر واستمرت أكثر من 15 يوماً، من خوف وقلق وهروب من الشرطة، ستنتهي عند وصولي إلى شواطئ اليونان، لكن اتضح أن ما كان ينتظرني أصعب وأخطر بكثير".

ويقول: "رغم أنني عشت كل تفاصيل الموت خلال هجرتي من غزة حتى جزيرة ليروس، التي ستكون محطة للانتقال بعدها إلى دولة أوروبية أخرى، للعمل والزواج وعيش حياة كريمة، فإن هذه المحطة قد كسرت أحلامي وحطمت طموحي، وأصبحت حبيس الندم والألم".

ويتابع حديثه، وهو موجود بالجزيرة منذ أكثر من 5 أشهر، ووصل إليها بتاريخ (15 نوفمبر 2018)، بعد أن ألقت الشرطة اليونانية القبض عليه فور وصوله إلى الشاطئ: "أعيش بالجزيرة منذ 5 أشهر، وشاهدت بعينيَّ انتحاراً وقتلاً وسرقة واغتصاباً وحرقاً وعنصرية واعتداءات يمارسها جميعاً مواطنون يونانيون بحق المهاجرين داخل الجزيرة التي أصبحت كابوساً، فأنت هنا مسجون ولا تملك حق المغادرة ولا حتى الدفاع عن نفسك".

ويضيف: "نعيش داخل مناطق نائية عن المدن الكبرى، وداخل كرافانات صغيرة مخصصة للمهاجرين غير الشرعيين، محاطة بالسياج والبوابات الحديدية وبحراسة مشددة، لا يُسمح لك بالمغادرة، وجبات طعام سيئة، لا تحصل على الماء الكافي ولا حتى الاتصال والإنترنت، وإهمال طبي مستشرٍ كأننا بسجن!".

ويلفت "كفارنة" إلى أن المخيم الذي يعيش فيه به أكثر من 590 مهاجراً، معظمهم من دول عربية، من بينها سوريا والأردن ومصر وفلسطين والمغرب، إضافة إلى جنسيات من دول أفريقية، ومن بينهم عائلات كاملة، جميعهم محجوزون ولا يملكون الآن أي أوراق رسمية تمكّنهم من السفر أو حتى الرجوع إلى أوطانهم.

ويشير إلى أن المهاجرين يذوقون الأمَرَّين داخل تلك الجزيرة، فبدلاً من أن تكون محطة نحو الأمل والحياة الجديدة، أصبحت قبراً لنا، لا نعرف كيف سنخرج منه ومتى.

وعبر "الخليج أونلاين"، ناشد "كفارنة" السفارة الفلسطينية في اليونان التدخل لدى السلطات، من أجل وضع حد لمعاناتهم التي تتفاقم يوماً بعد يوم، وأن تسمح لهم السلطات اليونانية بإخراجهم من تلك السجون أو إعادتهم إلى قطاع غزة، مؤكداً أنهم "يعيشون الموت بكل دقيقة".

وبمجرد دخول المهاجر الأراضي اليونانية، تقوم السلطات بتفتيشه كاملاً والتحقيق معه؛ ومن ثم تعطيه فرشة وغطاء، وتوزعه على أماكن الحجز، ويمكث فيها 25 يوماً دون الخروج، إلى حين انتهاء إجراءات التسجيل وأخذ البصمة، ليُحرم من السفر إلى أي دولة أوروبية أخرى، في حين تصرف جمعيات تابعة للأمم المتحدة راتباً شهرياً يبلغ 90 يورو لكل لاجئ، لمدة عام واحد، حتى يحصل على إقامة يونانية وتبدأ بعدها إجراءات الترحيل.

جحيم اليونان

وليس بعيداً عن جزيرة "ليروس"، هناك تفاصيل لمعاناة أخرى يعيشها آلاف المهاجرين الفلسطينيين، وتحديداً داخل ما تُعرف باسم "الكامب"، وهي جزيرة أخرى مخصصة في اليونان لاستقبال 500 مهاجر، ويسكنها الآن أكثر من 1200 شخص، وسط أوضاع إنسانية قاسية، بحسب ما قاله أحد المهاجرين الفلسطينيين المحجوزين في الجزيرة، وهو إيهاب الشعراوي، الذي وصل إليها في 2 مايو 2018.

ويقول الشعراوي لـ"الخليج أونلاين"، بعدما فشل أربع مرات في الهروب من المخيم والتوجه إلى بلجيكا: "أوضاع 1200مهاجر، معظمهم يحملون الجنسية الفلسطينية، صعبة، خاصة بعد رفض السلطات اليونانية تسهيل دخولهم لدول أوروبية وعلى رأسها بلجيكا، والسعي إلى تهجيرهم مرة أخرى من البلدان التي جاؤوا منها".

ويشير إلى أن "المخيم الذي يحتوي على غرف خشبية وخيام لاستضافة المهاجرين منعدم من مظاهر الإنسانية، خاصة في ظل البرد وحاجات المهاجرين الدائمة للمأكل والمشرب وحتى النقود"، لافتاً إلى أن "ما يتقاضاه المهاجر شهرياً من الجمعيات الإنسانية 90 يورو، وهذا لا يساعد في شيء".

ويضيف: "نعيش الآن في جحيم اليونان وليس جنتها كما كنا نعتقد في السابق، وقبل أن نتخذ خطوة الهجرة نحو أوروبا، ومستقبلنا ضاع، ولا أحد يمد يد العون إلينا، وأصبحنا مجرد أرقام لمهاجرين، تسكن في جزر بعيدة دون أي معاملة إنسانية أو أي تحرك من أي جهة لإخراجنا من هذا الجحيم والكابوس".

وذكر أن بعض المهاجرين الذين نجحوا في تجاوز "جحيم اليونان" والتوجه إلى بلجيكا أصبحوا الآن معلَّقين، فالوضع تغيَّر هناك، ولا يوجد عمل، وإجراءات الإقامة معقدة ومتوقفة، والسلطات البلجيكية تلقي القبض عليهم وتتجه إلى ترحيلهم إلى البلاد التي أتوا منها، مؤكداً أن "الهجرة إلى بلاد الأحلام ما هي إلا جحيم، ينتهي بألم ومعاناة، وفي كثير من الأحيان الموت".

يشار إلى أن ظاهرة هجرة الشباب الفلسطيني إلى الخارج اتسعت في السنوات الأخيرة، مع تفاقم الأزمات الحيوية التي أثرت تداعياتها في الأوضاع المعيشية والاقتصادية للسكان، خاصة في قطاع غزة، في ظل معدلات مخيفة للبطالة وصلت إلى 65%، وبالتزامن مع تأزم سياسي بشكل غير مسبوق، يترافق معه انعدام الأمل بإمكانية تحسُّن الأوضاع في وقت قريب.

ويقول مراقبون إن آلاف المواطنين في غزة يتحيّنون الفُرَص المناسبة للهجرة، سواء بطرق شرعية من خلال الفرص المحدودة المتاحة عبر المعابر، أو غير شرعية من خلال السفر على متن قوارب الموت الصغيرة بعد الخروج من القطاع.

وقد دفع ثمن الهجرة عبر البحر نحو بلاد أوروبا كثير من الفلسطينيين، وكان آخرهم الشاب حسام أبو سيدو، الذي غرق على أعتاب جزيرة "فارمانكونسي" الصخرية في 17 يناير 2018، ومحمد النونو الذي غرق بجزيرة "خيوس" في 5 أغسطس من العام نفسه.

مكة المكرمة