مُجدّد تركيا وصانع المنجزات.. من هو أردوغان؟

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 24-06-2018 الساعة 13:43

أدلى نحو 60 مليون ناخب، الأحد (24 يونيو 2018)، بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا، لتظهر النتائج الأولية فوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على منافسيه الـ5، في أول انتخابات تشهدها البلاد، التي تأذن بالعمل وفق النظام الرئاسي، الذي يمنح الرئيس صلاحيات وسلطات واسعة جداً.

وأظهرت النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية التركية تقدم أردوغان وحزبه في الانتخابات، بعد فرز 85%، وذلك بفارق كبير عن أقرب منافسيه، حيث نال الرئيس الحالي نسبة 53.78% من أصوات الناخبين، فيما حل مرشح حزب المعارضة الرئيسي، محرم إنجه، في المرتبة الثانية بعد أردوغان، بنسبة على 30.17%، كما أظهرت النتائج نيل مرشحي جميع الأحزاب الأخرى نسباً دون 8% من أصوات الناخبين.
وتقدم تحالف الشعب، الذي يضم حزبي "العدالة والتنمية" الحاكم و"الحركة القومية" بـ 54.92%، بعد فرز نحو 85%، في حين جاء تحالف الأمة ثانياً بنسبة 33.40%.

وتعد هذه الانتخابات أهم انتخابات تجرى في تركيا منذ إقامة الجمهورية التركية من قبل مصطفى كمال أتاتورك قبل أكثر من تسعين عاماً، وتحظى باهتمام إعلامي دولي واسع جداً، وذهب البعض إلى اعتبارها ستؤسس لـ"الجمهورية الثانية" بقيادة الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان.

وقد تنافس في الانتخابات الرئاسية 6 مرشحين، أكد مراقبون ومراكز بحوث ودراسات واستطلاعات الرأي أن الرئيس أردوغان عن حزب العدالة والتنمية، و"تحالف الشعب"، هو أوفرهم حظاً للفوز من الجولة الأولى أو حتى في الجولة الثانية إن وجدت.

وشارك في الانتخابات النيابية 11 حزباً سياسياً، منها حزب العدالة والتنمية، وحزب الشعب الجمهوري، وحزب الحركة القومية، وحزب "إيي" ( أي الجيد)، وحزب الشعوب الديمقراطي، وحزب السعادة، وحزب الاتحاد الكبير، وحزب تركيا المستقلة، وحزب الديمقراطيين، وحزب وطن، وحزب هدى.

- استعدادات ومعارضة

رغم استعداد أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم للبدء بمرحلة النظام الرئاسي، التي تتيح للرئيس الترشح لولايتين متتابعتين كل واحدة منهما 5 سنوات، راهن جميع مرشحي الرئاسة المعارضين لأردوغان على إلغاء هذا النظام والعمل على فصل السلطات، والعودة إلى النظام البرلماني، وإلغاء جميع المشاريع التي نفذها حزب العدالة والتنمية منذ عام 2002، والرجوع بتركيا العلمانية كما كانت قبل قيادة "العدالة والتنمية" وأردوغان.

ومقترح إجراء الانتخابات والعمل وفق النظام الرئاسي جاء من حزب العدالة والتنمية، الذي أسّسه رجل تركيا القوي، رجب طيب أردوغان، الذي غيَّر نظام الحكم في البلاد من نيابي إلى رئاسي، رغم اعتراض أحزاب المعارضة على هذا المشروع، الذي يمنح الرئيس صلاحيات السلطة التنفيذية بشكل كامل مستقلة عن السلطة التشريعية، التي لا تملك حق المحاسبة والحل؛ لكون الرئيس منتخباً بشكل مباشر من الشعب.

ويُشكِّل الرئيس في النظام الرئاسي الجديد الحكومة، كما يعيِّن الوزراء ونواب الرئيس والمسؤولين في العديد من الدوائر الحكومية، منها الأمنية والعسكرية والهيئات الاستشارية، ويلغي الرئيس أيضاً منصب رئاسة الوزراء بعد الفوز بالانتخابات مباشرة؛ ومن ثم فلن يضطر أردوغان إلى تأمين الغالبية النيابية عقب فوزه بالرئاسة مجدداً.

وبموجب هذا النظام الذي يدخل حيز التنفيذ بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية مباشرة، يتولى الرئيس السلطات التنفيذية ويصدر المراسيم الخاصة بممارسة سلطاته في العديد من المجالات عكس النظام السائد حالياً، الذي يمنح بموجبه البرلمانُ رئيسَ الحكومة سلطة إصدار المراسيم التي لها صفة القانون في مجالات محددة.

ويتولى الرئيس صلاحية إعداد الموازنة السنوية، وإصدار المراسيم الرئاسية، وسلطة فرض حالة الطوارئ وتعيين نواب لرئيس الجمهورية والوزراء وكبار موظفي الدولة.

أما عن البرلمان التركي فالخريطة مختلفة كلياً عن التشكيلة السابقة، حيث يتكوّن من سبعة أحزاب بالحد الأدنى في مقابل أربعة سابقاً، وكانت المعارضة تراهن على الحصول على أكثرية لكن تحالف أردوغان اكتسح الساحة التركية وحصل على الأغلبية، أمام تراجع واضح لشعبية أحزاب المعارضة لصالح تحالف حزب رئيس تركيا القوي رجب طيب أردوغان.

- مسيرة تغيير الدستور

في العام 2017 صوت الأتراك على الدستور الجديد، الذي منح الرئيس صلاحيات واسعة مقارنة بالدستور القديم، الذي يعطي الرئيس صلاحيات رمزية، بنسبة بالكاد تتجاوز 50%.

وبلغت التعديلات التي تم التصويت عليها 18 تعديلاً مقترحاً على دستور تركيا؛ شملت الأخذ بالرئاسة التنفيذية التي تحل محل نظام الحكم البرلماني القائم، وإلغاء منصب رئيس الوزراء لتُنقل صلاحياته إلى الرئيس، الذي يعين نواباً له، وبموجب التعديلات الدستورية التي يبدأ سريانها في أعقاب الانتخابات يزيد عدد أعضاء البرلمان إلى 600 بعد أن كان يضم 550 عضواً.

- أول رئيس منتخب

في النظام البرلماني التركي يقترع الشعب لاختيار ممثليه في البرلمان، وتتنافس القوى السياسية للحصول على أكبر قدر من المقاعد التي تؤهل الأكثرية لاختيار رئيس الوزراء؛ الحاكم الفعلي، وتعيين رئيس الجمهورية؛ ذي المنصب الرمزي الشرفي للدولة الذي ليست له صلاحيات.

قانون الانتخابات الرئاسية، الذي وُضع موضع التنفيذ في 20 يناير 2012، قرّر أنّ الانتخابات الرئاسية تعقد في 2014 بدلاً من 2012؛ قبل انتهاء ولاية السنوات السبع للرئيس عبد الله غول، الرئيس الحادي عشر، ليكون آخر رئيسٍ لتركيا ينتخب انتخاباً غير مباشر، وتبدأ حقبة اختيار الرئيس بشكل مباشر من الشعب.

وأجريت الانتخابات في 10 أغسطس 2014، وحسمت النتيجة بانتصار أردوغان من الجولة الأولى، بنسبة 52.1%، محققاً فوزاً عريضاً في معظم الولايات التركية، لا سيما إسطنبول وأنقرة وقونيا وسيفاس.

- سجن ومنجزات

ما قاد أردوغان للتتويج بتاج الجماهيرية العريضة بين شعبه، منجزاتٌ حقّقها حين أصبح رئيساً لفرع حزب الرفاه الوطني في إسطنبول.
وفي عام 1994 فاز برئاسة بلدية إسطنبول، فحقق إنجازات نوعية للمدينة، بعد أن وصل إلى تشخيص أهم مشكلاتها؛ وتتلخّص بالفساد، الذي قضى عليه، والتلوّث بالقمامة براً وبحراً، الذي عالجه بأن أسّس 16 شركة للعمل في قطاع الخدمات، في كل المجالات، ثم أنشأ مجلساً يضم جميع الشركات لتنسيق الخطط، ولتنتفع الشركات بعضها ببعض، فتحوّلت المدينة إلى عروس أوروبا وساحرة الشرق.

الشعبية الجارفة التي اكتسبها أردوغان لم تشفع له في نظام الدولة العلمانية الصارم؛ حيث خضع لإجراءات قضائية من قبل محكمة أمن الدولة عام 1998، انتهت بسجنه بتهمة التحريض على الكراهية الدينية، ومنعه من العمل في وظائف حكومية، ومنها الترشّح للانتخابات العامة؛ بسبب خطاب جماهيري اقتبس فيه أبياتاً من الشعر التركي تقول: "المسجد معسكرنا، وقبابه خوذاتنا، والمآذن رماحنا، والمؤمنون هم جنودنا".

لم توقف الحادثة طموحات الرجل، بل جعلته يتأهّب لخوض غمار عملية الإصلاح الصعبة بالنهج الذي دأب عليه أستاذه نجم الدين أربكان، الذي بدأ العمل السياسي معه، حيث بدأ العمل السياسي من خلال التيار الإسلامي، إذ انخرط في سن مبكرة بصفوف حزب السلامة الوطنية، الذي أسسه أربكان عام 1972، وظل عضواً في حزبي الرفاه، ثم الفضيلة، اللذين شكّلهما أربكان إثر موجات الحظر التي كانت تطول أحزابه.

اغتنم أردوغان فرصة حظر حزب الفضيلة لينشقّ مع عدد من الأعضاء، ومنهم عبد الله غُل، فشكلا حزب العدالة والتنمية عام 2001، لتبدأ حقبة القصر.

عام 2002 فاز الحزب بالأغلبية، وهو ما جعله يشكّل الحكومة منفرداً برئاسة عبد الله غُل، فأردوغان كان لا يزال خاضعاً للمنع القانوني، وبعد شهور تم تعديل الدستور للسماح بتوليه منصب رئاسة الوزارة.

أردوغان ابن المؤسسة الدينية في تركيا، فهو خرّيج إحدى مدارسها، كما أنه بدأ العمل السياسي من خلال التيار الإسلامي، لكنه يؤكّد منذ تولّيه رئاسة الوزراء عام 2002 أنه لا يمثّل حزباً دينياً، لكنه يريد بناء دولة ديمقراطية تفصل بين الدين والدولة كما هو الحال في الغرب، ولا تسيطر فيها الدولة على الدين كما هو حال العلمانية التركية.

- "كاريزما" القائد

المتابع لشخصية أردوغان من خلال خطاباته وأحاديثه الصحفية، ومجموعة مواقف وتصرّفات معلنة، يجد أن له "شخصية كاريزمية" منحته شعبية واسعة، تجاوزت حدود تركيا لتصل إلى العالمين العربي والإسلامي، أسهمت هذه الكاريزما في استقرار تركيا وإحداث رفاهية اقتصادية غير مسبوقة في تاريخ البلاد.

- مواجهة المؤسسة العسكرية

في العقود التي سبقت وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، كان الجيش التركي يتدخل كثيراً في السياسة للحد من نفوذ الإسلاميين في البلاد، منهم أستاذ الرئيس أردوغان، الراحل نجم الدين أربكان، حيث تم حل حزبه أكثر من 5 مرات طيلة عمله في السياسة، إلى أن جاء أردوغان وأنشأ حزباً يحمل توجهات إصلاحية كان حزب الفضيلة المنحل يتبناها، واستطاع أن يستحوذ على قاعدة جماهيرية شبابية من المجتمع التركي في غضون أشهر قليلة، ليبدأ في تحجيم دور العسكر وتدخله في الشؤون السياسية.

وانتصر أردوغان على الجيش في 2013، عندما كان ضبَّاط بارزون ضمن 17 شخصاً سجنوا بعد إدانتهم بالتآمر للإطاحة بحزب العدالة والتنمية، فيما عُرف إعلامياً بقضية "إرغينكون"، ليقوم بتحجيم دور المؤسسة العسكرية وتدخلاتها في السياسة، ورغم اتهام معارضون لأردوغان باستخدام القضاء لإسكات خصومه السياسيين، إلا أن محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016، أعطت الحجة للرجل القوي لإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية في البلاد، وفق توجهات حزبه، وبالفعل جعل منها تهتم بحماية وأمن البلاد بعيداً عن المؤسسة السياسية.

وأثنى مؤيدو أردوغان على نجاحه في مواجهة رموز بالدولة لم يجرؤ أحد من قبل على الاقتراب منهم، واعتبروا أنفسهم أوصياء على الدولة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك، وقمع تنظيم فتح الله غولن، المتهم الأول بمحاولة الانقلاب الفاشلة.
وتبنى الرجل القوي نهجاً إصلاحياً أتاح لشرائح واسعة من المجتمع التركي التعبير عن رأيها وإظهار توجهها الديني أو القومي وإقامة التجمعات وفتح المؤسسات أيضاً.

في مناسبات عدة، نفى أردوغان اتهامات له بالسعي لفرض قيم إسلامية، مؤكداً أنه ملتزم بعلمانية الدولة، لكنه في نفس الوقت يشدد على الحق في التعبير عن المعتقدات الدينية بحرية أكبر، مخالفاً بذلك جميع الرؤساء والمسؤولين منذ عهد مصطفى كما أتاتورك، الذين كانوا يحافظون على علمانية الدولة والحكومة، وعدم السماح لأي توجه يخالف هذا التوجه.

- ولادته بائع الخبر

وُلد أردوغان عام 1954 لأب يعمل جندياً بخفر السواحل التركية على ضفاف البحر الأسود. وعند بلوغة الثالثة عشرة من عمره، قرر والده الانتقال إلى إسطنبول ليضمن لأولاده الخمسة مستوى أفضل من المعيشة والتربية.

كان الصبي رجب طيب أردوغان يبيع عصير الليمون وفطائر السمسم في شوارع إسطنبول لكسب دخل إضافي، ودرس في مدارس إمام وخطيب ذات التوجه الإسلامي، قبل حصوله على شهادة في علوم الإدارة والاقتصاد من جامعة مرمرة في إسطنبول.

ولم يمنعه العمل أو الدراسة عن لعب كرة القدم في أحد أندية الدوري التركي. وأثناء دراسته في الجامعة، تعرف على نجم الدين أربكان، أول رئيس وزراء إسلامي لتركيا، وتولى في ظل حزبه آنذاك منصب رئيس بلدية إسطنبول عام 1994.

وأثناء توليه المنصب حقق نجاحاً إدارياً ملحوظاً اعترف به الجميع حتى معارضوه بعد أن حول المدينة إلى مكان أكثر نظافة بعد أن كانت مكباً للنفايات ورفع مستوى الخدمات في المحافظة، لكن هذا التقدم لم يرُقْ لمعارضيه.

وقضى أربعة أشهر خلف القضبان عام 1999 بعد اتهامه بالتحريض على أساس ديني، بعد أن تلا علناً إحدى القصائد التي جاء فيها: "المسجد معسكرنا، وقبابه خوذاتنا، والمآذن رماحنا، والمؤمنون هم جنودنا".

وأسس أردوغان وبعض رفاقه حزب العدالة والتنمية عام 2001 بعيداً عن حزب الفضيلة الذي حظرته السلطات آنذاك، ليقود الرجل القوي تركيا منذ العام 2002 ولحد الآن.

مكة المكرمة