"نبع السلام".. لماذا تخلى معظم العرب عن المعارضة السورية وتبنى رؤية الأسد؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/oJMZnR

أدانت عدة دول عربية العملية التركية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 10-10-2019 الساعة 14:57

فجأة استيقظت جامعة الدول العربية من سباتها العميق، وأطلقت العنان بأقوى العبارات مهاجمة العملية العسكرية التركية - السورية، التي انطلقت عصر الأربعاء (9 أكتوبر 2019)، في منطقة شرقي الفرات بالشمال السوري، بعد تحشيد عسكري استمر أشهراً على الحدود، وصراع دبلوماسي بين أنقرة وواشنطن، انتهى بانسحاب قوات الأخيرة من المنطقة.

وبعد دقائق، لا ساعات، من إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدء العملية العسكرية، التي أطلق عليها "نبع السلام"، انهالت بيانات الإدانة من أغلب الدول العربية، مهاجمة الهجوم العسكري التركي على الوحدات الكردية، التي تصنفها أنقرة على قوائم الإرهاب.

وتُمني تركيا النفس من خلال عملية "نبع السلام" بتحييد المليشيات الكردية الانفصالية من على حدودها مع سوريا، إضافة إلى القضاء على فكرة إنشاء كيان كردي بين البلدين وإبقاء سوريا موحدة أرضاً وشعباً، علاوة على إقامة منطقة آمنة تُمهد الطريق أمام عودة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى ديارهم وأراضيهم بعد نزوح قسري منذ سنوات.

وبحسب ما ذكرته وسائل إعلامية تركية ستكون المنطقة الآمنة المرتقبة على طول 422 كيلومتراً من الحدود التركية-السورية، وبعمق يصل إلى 30 كيلومتراً، وسط تقديرات بإمكانية استيعابها لنحو مليوني لاجئ سوري بعد الانتهاء من تأمينها.

"عدوان سافر"

وتزعم الرباعي العربي، الذي فرض حصاراً خانقاً على قطر في شهر رمضان (يونيو 2017)، قائمة الدول العربية التي شنت هجوماً لاذعاً على العملية التركية، ووصفوها بأنها "العدوان السافر" على أراضٍ عربية، وتهديد حقيقي لوحدة الأرض السورية.

السعودية، التي عُرف عنها التأني في إبداء مواقفها، أصدرت عبر وزارة خارجيتها بياناً وصفه مراقبون بـ"الحاد"، بعد أقل من 6 ساعات على انطلاق عملية الأتراك العسكرية.

وعبرت المملكة عن إدانتها لـ "العدوان الذي يشنه الجيش التركي على مناطق شمال شرق سوريا، في تعدٍّ سافر على وحدة واستقلال وسيادة الأراضي السورية"، واصفة إياه بأنه "يُمثل تهديداً للأمن والسلم الإقليمي".

ولحقت الإمارات ومصر والبحرين، وغيرها من الدول العربية، بركب السعودية، وأصدروا بيانات تحمل المضمون ذاته، كما دعت جامعة الدول العربية لاجتماع طارئ السبت (12 أكتوبر) بناءً على دعوة مصرية.

وقالت الجامعة العربية إن الاجتماع المرتقب سيكون على مستوى وزراء الخارجية لبحث "العدوان التركي على الأراضي السورية"، واصفة إياه بأنه "هجوم غير مقبول على سيادة دولة من الدول الأعضاء في الجامعة".

وبحسب مراقبين، لم يكن الخطاب الرسمي العربي ضد العملية العسكرية التركية متزناً، ولم يمسك العصا من المنتصف؛ بل بدا بوضوح منحازاً إلى جانب نظام بشار الأسد، رغم جرائمه المتواصلة واستمرار تهديده باستهداف المدنيين في مناطق المعارضة، متجاهلاً هواجس أنقرة الأمنية من المليشيات الكردية الانفصالية والخطر الذي تشكله على حدود تركيا، ورغبة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في العودة.

كما أن اللغة المستخدمة في إدانة العملية  "تفتقر إلى الدبلوماسية"، خاصة أن تركيا ترتبط بعلاقات قوية مع الدول العربية، وانفتحت بشكل كبير على الشرق الأوسط منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، كما أنها طرقت أبواب العرب بحثاً عن تعاون مشترك في مختلف المجالات.

تجاهل للمعارضة

الدول العربية، التي صمتت صمت القبور على التدخل العسكري الروسي والإيراني في سوريا منذ سنوات، ورأت حجم القتل والدمار والخراب الذي حلّ من وراء ذلك، أدارت ظهرها للمعارضة السورية المشاركة في العملية، والتي كانت قد اعترفت بها في بداية اندلاع الثورة السورية، بعدما علّقت عضوية نظام الأسد فيها عام 2011.

ولم يكتفِ "البيت الجامع" للدول العربية بذلك؛ بل منح آنذاك المعارضة السورية مقعد دمشق في الجامعة العربية، وسمح لها بالمشاركة في القمة العربية بـ "عَلم الثورة السورية".

رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق، خالد خوجة، علّق على المواقف العربية في تصريحات تداولتها وسائل إعلامية، بالقول: إن ‏"اصطفاف منظومة الثورة المضادة مع ⁧‫إيران‬⁩ في ⁧‫سوريـة لصالح نظام ⁧‫ذيل الكلب (الأسـد)‬⁩ ظهر جلياً مع نية فتح السفارات. وقيادات ⁧‫"قسد"‬⁩ تسافر عبر ⁧‫دمشق‬⁩ إلى مكاتبها في ⁧‫موسكو‬⁩ وواشنطن‬⁩".

وتابع: "تفسير الأحداث‏ في ⁧‫سورية‬⁩ وفق ظاهرة الاصطفافات/ المواجهات بين اللاعبين يكون قاصراً دون رؤية تقاطعات وتضاربات المصالح".

من جانبه، قال نائب رئيس الائتلاف الوطني عقاب يحيى: ‏"عن أي تغيير ديمغرافي يتحدثون؟ إنهم يكذبون لتخويف الإخوة الأكراد. ممارسات الـPKK وتوابعه ألحقت أبلغ الضرر بالقضية الكردية".

وخلال سنوات الثورة السورية، اعتبرت غالبية الدول العربية الأسد "مُجرماً" بحق شعبه، وطالبت برحيله طوعاً أو الاستعداد لتنحيته عن الحكم عسكرياً على غرار ما قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، في أكتوبر 2015.

وبعد 5 أشهر، أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو أن أنقرة والرياض "قد تطلقان عملية برية" في سوريا، مشيراً إلى أن السعودية أرسلت طائرات عسكرية إلى قاعدة إنجرليك التركية، لتكثيف الحملة الجوية ضد تنظيم الدولة والمنظمات الإرهابية.

وفي تلك الفترة، كانت العلاقات التركية-السعودية في أزهى عصورها، وعُقدت اجتماعات ولقاءات مكثفة بين أردوغان والملك سلمان، لكن سرعان ما تراجعت الرياض عن جميع تفاهماتها مع أنقرة، وانحازت إلى المعسكر المضاد؛ أبوظبي والقاهرة، وصولاً إلى الجريمة المروعة التي ارتكبها فريق إعدام من المخابرات السعودية ضد الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية الرياض بإسطنبول (أكتوبر 2018)، وتقطيع جثته والتخلص منها في حقائب ثم حرقها لاحقاً.

العودة إلى نقطة البداية

ولم تعبأ تلك الدول العربية بمشاركة فصائل سورية معارضة في العملية التركية، متبنية وجهة نظر النظام السوري، المتهم بقتل مئات الآلاف من شعبه وتشريد الملايين، كما أفردت وسائل الإعلام المحسوبة عليها كـ"العربية" و"الحدث" و"سكاي نيوز عربية"، وغيرها من القنوات والصحف والمواقع الإلكترونية، مساحة واسعة لتناقل الأخبار الصادرة عن الوكالة السورية "سانا"، إضافة إلى ما تقوله قوات "سوريا الديمقراطية"، التي تشكل الوحدات الكردية عصبها الرئيس.

ويُمكن فهم عودة العرب إلى نقطة البداية بالإشارة إلى أن بعض الدول أعادت علاقاتها الدبلوماسية مع نظام الأسد؛ إذ شهدت أواخر العام الماضي، تطبيعاً إماراتياً وبحرينياً مع "الأسد" من خلال فتح سفارتي أبوظبي والمنامة في دمشق، فضلاً عن عودة علاقات دول أخرى معه ولكن بتمثيل أقل، ومطالبة آخرين بإعادة دمشق إلى "الحضن العربي".

وأواخر سبتمبر 2019، برزت إشارة جديدة إلى عودة المياه إلى مجاريها بين الجامعة العربية ونظام الأسد؛ إذ استقبل الأمين العام للأولى وفد الثاني برئاسة وزير الخارجية وليد المعلم بالأحضان والقبلات، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

العالم الافتراضي

وفي منصات التواصل الاجتماعي بدا الغضب ملاحظاً بشدة بعد بيانات الإدانة العربية المتتالية لـ"نبع السلام"، وسط دهشة واستهجان كبيرين من سرعة العرب هذه المرة، بعد عشرات الأحداث التي كانت تتطلب منهم سرعة التحرك وتجاوز نقطة الإدانة إلى مرحلة الأفعال على أرض الواقع، وفق محللين.

واستحضر نشطاء ومغردون وقائع وقف فيها العرب صامتين بلا أي حراك، على غرار التدخل الروسي والإيراني في سوريا منذ سنوات، وقصف النظام السوري لشعبه بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية.

كما أشاروا إلى قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عندما اعترف، في ديسمبر 2017، بالقدس المحتلة عاصمة لـ"إسرائيل"، ونقله بعد 6 أشهر سفارة بلاده من "تل أبيب" إلى المدينة المقدسة، إلى جانب منح هضبة الجولان إلى الدولة العبرية، وسط عجز عربي تام وهو ما فُهم منه بأنه "موافقة ضمنية".

ولم يفعل العرب شيئاً أمام وعود رئيس وزراء "إسرائيل"، بنيامين نتنياهو، قبل انتخابات الكنيست الأخيرة (سبتمبر 2019)، والمتعلقة بضم منطقة الأغوار وشمالي البحر الميت، بمحاذاة الحدود الأردنية، والتي تشكل ما نسبته 30% من مساحة الضفة الغربية.

مكة المكرمة