نزوح بطعم الموت لعائلة أنبارية بين نيران "داعش" والحكومة

هاجرت العائلة من قرية الخالدية بمحافظة الأنبار

هاجرت العائلة من قرية الخالدية بمحافظة الأنبار

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 21-05-2016 الساعة 13:54


موت في داخلها ومذلة خارجها، هو حال نازحي الفلوجة والمناطق التي يسيطر عليها تنظيم "الدولة" في العراق، فالممرات "الآمنة"، ودعوات الحكومة والمليشيات المساندة لها للأهالي بالخروج دون أضرار من الفلوجة، التي بدأت معركة تحريرها مؤخراً، بدت وكأنها تفتح باباً من الرحمة بعد عامين من سيطرة التنظيم على مناطقهم والتضييق عليهم، إلا أن الحال اتضح معاكساً، ومكملاً لما يحصل من إهانة وقسوة بحق النازحين.

وتوقع "صندوق الأمم المتحدة للسكان" نزوح 50 ألف شخص من مدينة الفلوجة، غربي العراق؛ على خلفية الحملة العسكرية التي بدأتها القوات الحكومية، الأسبوع الماضي، وهو الرقم الذي بقي من سكان الفلوجة أصلاً، بعد نزوح أضعاف هذا الرقم خلال الأشهر السابقة.

وبلغ عدد النازحين في العراق، من جراء عمليات القتال مع تنظيم "الدولة" في أنحاء عدة من البلاد، أكثر من 4 ملايين نازح، حسب لجنة الهجرة والمهجرين في البرلمان العراقي، فضلاً عن وجود ما يقارب 250 ألف نازح غير مسجلين رسمياً لدى وزارة الهجرة والمهجرين العراقية.

عائلة ذاقت مرارة النزوح

"أم عمار" وعائلتها نموذجٌ لرحلة الموت التي مرت بها آلافُ العوائل النازحة بعد سيطرة تنظيم "الدولة" على ثلث مساحة العراق، ليعيشَ النازحون والمحاصرون موتاً بطيئاً لكل معاني الإنسانية، ورعباً خيّمَ على تلك العوائل من قبل التنظيم وقوات الجيش على حد سواء.

كانت البداية -كما تحدثت أم عمار لـ"الخليج أونلاين"- يوم 13 من ديسمبر/كانون الأول 2014، حيث كان أولادها يؤدون امتحاناتِ السنة الأخيرة في كلياتهم، وفي أثناء عودتهم وقعوا في فخِّ إحدى سيطراتِ تنظيم الدولة، التي أساءت إليهم، وصادرت هوياتِهم الشخصية لتحتجزَهم حتى المساء، ثم تطلقَهم.

جزيرة الخالدية (شرق الرمادي، مركز محافظة الأنبار غرب العراق)، نالت تلك الليلة وابلاً من الصواريخ وقذائف الهاون التي ذهب ضحيتها عدد من الأهالي، وكثير من المواشي التي كان الأهالي يعتاشون على حليبها، ودمر عدد من المنازل.

مضت الأيام بعدها بين شدٍّ وجذب، وهدوء متقطع حذر، حتى ظهيرة 27 فبراير/شباط 2015، حينما قرر الجيش التدخل لفرض سيطرته على المنطقة، فكان القصف العشوائي، سواء من الطائرات أو المدفعية، أشبهَ بلعبة حاسوب، فكلُّ شيء يشتعل، والنيران تتقاذف حممها، ليحلّ الرعب ضيفاً ثقيلاً على هذه القرى الآمنة، وحار الأهالي بين ترك منازلهم والنزوحِ نحو الخالدية ومجمّعِ العامرية حتى تمرّ تلك العاصفةُ الهوجاء، أو البقاء تحت رحمة النيران المجهولة.

غادرَ بعضُ أهالي تلك القرية، وقررت عائلةُ "أم عمار" البقاءَ لرعاية مصالحِها وأرضها، التي أوشكت أن تؤتي ثمارها بعد عامٍ من الرعاية والاهتمام، لتأتي موجةُ النازحين من مدينة الفلوجة وضواحيها التي باتت ساحة حرب بين الحكومة وتنظيم "الدولة"، على عكس جزيرة الخالدية التي كان هدوءها النسبي مُغرياً للاستقرار فيها.

تنظيم "الدولة" لم يمهل أحداً، لتكون محكمته الشرعية وعناصر الحسبة نظاماً في القرية، وتنال كل أسرةٍ ينتمي أحد أفرادها للشرطة والجيش، فنالهم التهجير من منازلهم، ثم تفجيرها، وإعدام من يأبى إعلان توبته وبراءته من الارتباط بالحكومة.

أمسى الأهالي يتفقون سراً على الهرب، ويصبحون وقد حملوا ما خفَّ وزنه وغلا ثمنه، تاركين خلفهم سنوات من الذكريات.

تقول أم عمار: "بدأ الدواعش بتضييق الخناقِ على الأهالي ومحاسبتهم على كل كبيرةٍ وصغيرة، وصار السفر -وإن لم يكن بنية الهرب من قبضتهم- يخضع للتشديد، والتحقيقِ، والمحاسبة، وبشروطٍ تعجيزية، كمصادرة البيتِ في حالة التأخرِ، أو جلب كفيلٍ سيخضع للمحاسبة، وربما الموت، ومن أجل فرض سيطرتهم بشكل محكم، قام الدواعش بتقطيع المدن، وجعل التنقل بين أجزائها، أو الخروج منها، أشبه بالمستحيل، وكان انتقال البضائع والوقود والمواد الغذائية يزداد صعوبة يوماً بعد آخر، ويخضع للتفتيش والرسوم الثقيلة التي أضعفت الحركة التجارية، وأفسدت على المزارعين محاصيلهم".

في 5 أغسطس/آب 2015، بدأت أولُ فصول قصة النزوح لأم عمار وعائلتها، بعد أن حصدت صواريخ الطائرات والمدفعية أرواح كثيرين، وأحالت بيوتهم قبوراً دفنوا تحت أنقاضها، ليقرروا مغادرةَ منطقة (كُرطان) نحو قرية (البو بالي) القريبة، ليعيشوا أسبوعاً من القلق، ثم ليهربوا نحو قضاء هيت الذي يبعد عن جزيرة الخالدية ما يقرب من 70 كم.

هجرة متفرقة لتلك العائلة على 3 مجموعاتٍ، بـ3 مواعيد، و3 مهرّبين مختلفين، سلكت كل مجموعة طريقاً يختلف عن المجموعة الأخرى، ووسيلة نقل لا تشبه ما اختاره من سبقهم، واختارت موعداً لا يلفت نظر تنظيم "الدولة"، ليلتئم شمل العائلة بعد شهرٍ ونصف الشهر في قضاء هيت.

الوضع في هيت لا يقل سوءاً عن بقية مدن محافظة الأنبار، حيث غادر البعض (تهريباً) نحو بغداد، فبعد أن نعموا بالأمن يوماً أو بعض يوم في هيت، استهدف قصفٌ لطائرات التحالف بيتاً يقع خلف بيتهم، فعادت الأمتعة تأخذ مكانها في الحقائب والأكياس، مُثقلةً ظهورهم المنحنية من بيت لآخر، بحثاً عن ملجأ يؤويهم، لكن دون جدوى.

يومها أصبحت سماءُ هيت مسرحاً تصول وتجول فيه طائراتُ التحالف؛ والأرض يمسك بها تنظيم "الدولة"، فمن يريد الخروج من هيت اتُّهم في دينه ومذهبه، ليُتَّهم "باستبدال حكم دولة الإسلام" بحكم "دولة الروافض" بحسب التنظيم.

حاول الأهالي التأقلم مع الوضع الجديد، وتصليح ما دمرته الطائرات، وإعادة تأهيل الجسر الواصل بين طرفي القضاء، وتسيير أمور المدينة بالطريقة التي ترضي الحكام الجُدد، ومداراة عناصر "الحسبة"، والالتزام باللحية، وإلزام النساء بالرداء الأسود الذي يغطّيهن من قمة رؤوسهن حتى أخمص قدمهن.

بدأت فكرةُ الخروجِ من هيت تراود "أمَّ عمّار"، إلى مدن القائم والرطبة، أو العودة للرمادي، حيث بدأ الجيش بعملية استعادتها، أو الهرب نحو الغربية، التي كانت الحياةُ تزداد فيها صعوبة وقسوة على الكبار قبل الصغار، إلا أنّ الخروج ليس بالأمر الهيّن، والتماس إذن من "الوالي" ليس بمتناول الجميع.

القصفُ لا يتوقف، وبين أمن وشدة عرفت عائلةُ أم عمّار أحياء هيت كلها، وفي كل حيّ كانت لهم قصةٌ يملؤها الخوفُ والرعب، وأيامٌ تمرّ لا يعرفون فيها الطعام ولا رائحته، فمن يجرؤ أن يوقد ناراً والطائرات تبحث عن أيّ جسم يتحرك لتُحيله رماداً؟

على حين غفلةٍ من طائرات التحالف وتنظيم "الدولة"، خرجت العائلةُ من هيت نحو منطقة (البومنيصير)، حيث الجيش ومخيمات عشيرة البونمر، لتمضيَ أمُّ عمار وعائلتها في الصحراء الحارقة 13 يوماً، لم تجد ما يقيهم الحرّ إلا غرفة صغيرة مبنية من الطين لم تتسع لهم جميعاً.

كان الوضع لا يطاق، فوجوهُ الأطفال الغضّة أصبحت لا تميز عن وجوه العجائز؛ لشدة الجوعِ، وتوالي الأيام بلا استحمام، فكان لا بدّ من الرحيل مرة أخرى، لتكون محطتهم التالية منطقةُ (البو عساف) القريبة من الرمادي، لتمضي فيها أم عمار وعائلتها 7 ليالٍ مع أقارب لهم، قبل أن يلاحقهم سوءُ الحظ مرةً أخرى، ويضطرّهم للعودة إلى بحيرة الثرثار، سالكين الطريق الصحراويّ نفسه، لتبيت في خيمة نصفها لأسرة لا يعرفونها، بلا فراش، ولا وسائد، ولا أغطية، بالإضافة لشحّ الطعام ونُدرة المياه.

لم تعرف أمّ عمار طعم النوم، وسعت جاهدةً لإيجاد مُهرّبٍ يخرجها وعائلتها من هذا الجحيم الذي يُسمى مخيماً، لتجد شخصاً مقرباً من تنظيم "الدولة"، اشترط عليهم مبلغ 800 دولار مقدّماً، ليقيم وليمة عشاءٍ لداعش، وما علموا بما يخبّئه لهم هذا المهرّب.

كان الموعدُ عند الرابعة فجراً، وصل متأخراً عن الموعد، وساروا خلفه في ليل الصحراءِ البهيم، ادّعى أنه يُبعدهم عن المناطق الملغومة، ولأنهم غرباءُ عن جغرافية هذه الصحارى آمنوا به، حتى طوّقتهم عناصر "الدولة" في كمينٍ أعدّ لهم سلفاً.

تستغرب أم عمار -في حديثها لـ"الخليج أونلاين"- موقف الجيش مما كان قد جرى لهم وهم على مقربة من أحد معسكراته، وطائراتُ التحالف التي كانت تحلق فوق رؤوسهم.

دليلُهم كان متواطئاً مع التنظيم، فسيارتُه كانت تقف بصورةٍ تمنع تحرك بقية السيارات، وشكّلت مع سيارات التنظيم طوقاً كبيراً، ليتبادر إلى أذهان العائلة سؤال مقلق: "ماذا سيُفعل بنا؟".

"أحداث مشابهة بمنطقة الكرمة شمال الفلوجة، تم إعدام الرجال وترك النساء والأطفال في الصحراء حتى هلك الجميع وأكلتهم الطير"، هذه الصورُ المرعبة كانت تراود أمَّ عمار، فترتجف في يومٍ ماطرٍ عاصف، اقتادهم الدليل وعناصر التنظيم موغلين في الصحراء.

وتؤكد أمُّ عمار لمراسل "الخليج أونلاين"، وهي متيقّنة من ذلك قائلة: "من عاينَ ورأى ما كان يجري يدرك أنها مؤامرةٌ؛ أطرافُها داعش، والجيشُ، وقوات التحالف".

وصلت العائلة قرية "البوعساف" ليجدوا عناصر التنظيم بانتظارهم، صادروا هوياتهم الشخصية وهواتفهم المحمولة، وانهالوا على البعض ضرباً، ونالت شتائمهم من الجميع، احتجزوهم ليومين، وكان جُلُّ همّ أمّ عمار وبقية النسوة ماذا سيكون مصيرُ أبنائهم وأزواجهم.

رحلة التيه في الطرف الآخر

بعد يومين أطلق الجميع، وأعيدت لهم هوياتهم فقط، فأطلقوا سيقانهم للريح متوجّهين إلى أقرب نقطةٍ للجيش، التي لم تكن تبعد عنهم إلا بضعَ دقائق، لكنّ الحالة النفسية التي كانوا فيها جعلت الكثير يستسلم للبكاء، بعد أن خارت قواهم وأعياهم الجوع والعطش.

كتيهِ بني إسرائيل، البيتُ أصبح حُلماً صعب المنال، والاستقرار تمّ شطبه من حياتهم، فما إن ينزلون بمخيم حتى يبحثوا عن مخرج، فوضعيةُ المخيمات مزرية حدّ البكاء.

في مخيمات (البو ذياب) قرب بحيرة الثرثار، كان المطر ضيفاً ثقيلاً خرب خيام النازحين، وتمرّغ كلّ شيءٍ بالطين، وفي كل محاولةٍ للهرب كانت العراقيل تُوضع في طريقهم، ربما كان قراراً خطيراً ومغامرةً غير محسوبة، ولكن لا مفرَّ من اعتلاء صهوةِ بحيرة الثرثار، لتنقلهم إلى الضفة الأخرى لعلهم يجدون ملجأً لدى الجيش.

أربع ساعاتٍ وسط البحيرة في يومٍ ماطر، لامست أقدامهم الأرض بعد يأسٍ تملّكهم، فجلهم لا يعرف السباحة، وكانت كلُّ دقيقةٍ في القارب بمنزلة يومٍ بساعاته الأربعِ والعشرين، ابتلّت ملابسهم دون بديل، ولا يوجد ما يسدّ الرمق، ليبيتوا ليلتهم هذه في العراء.

ما إن أرسلت الشمسُ بأول طلائعها نحو الأرض، حتى حزمت أمُّ عمار وعائلتُها أغراضهم، متوجهين لأحد أبراج المراقبة التابع للجيش، ويا لخيبة الأمل، فقد أبوا أن يفتحوا لهم بوابة البرج، ورفضوا استقبالهم، أو مساعدتهم، ليأمروهم بالتوجه نحو النقطةِ التالية للجيش.

سارت تلك القافلةُ من المهجّرين النازحين من يوم 19 أبريل/نيسان 2016، وتقاذفتهم أبراجُ المراقبة الواحد تلو الآخر، فكلما وصلوا إلى أحدها أبى من يحتمي خلف أسوارها فتح الأبواب لهم، حتى ولو من أجل راحةٍ قصيرةٍ للأطفال وكبار السن، وكانوا كلما أوشكوا على الوصول لواحد من هذه الأبراج تعرضوا لإطلاق نارٍ كثيف، حتى يبادر أحدُهم برفع الراية البيضاء، لكنّ رايتهم لم تشفع لهم، ولم ينالوا العطف، لتبقى سياراتُ الجيش تمر بمحاذاتهم ولا تُقلّ أحداً.

أخيراً توقفت إحدى تلك السيارات التابعة للجيش، ليفتح أحدُ الجنود الباب قائلاً: "لا توجد أوامرُ تسمح لنا بنقلكم! وبعد الإلحاحِ عليه أقلَّنا أخيراً إلى قضاء الخالدية"، تقول أم عمار لمراسل "الخليج أونلاين".

الوضع في الخالدية لم يكن ملائماً لهم، لتكون وجهتهم الأخرى إلى بغداد، تظنَّ أم عمار أنّ معبر (بزيبز) الذي أمضت في مخيماته السيئة 9 أيام هو العقدةُ الأخيرة في طريقها.

لم تجد عائلةُ أم عمار كفيلاً يُرضي حكومة العبادي، ليقوموا بإغراء الضباطِ والجنود علَّهم يجدون لهم حلاً وينقلونهم نحو بغداد.

في اليوم العاشر أخيراً انطلقت بهم السيارةُ نحو العاصمة، وعند مدخلها كانت سيطرةُ أبو غريب التي احتجزتهم لأكثر من ساعة.

تنفس الجميعُ الصعداء عندما أشار الضابط بيده وسمحَ لهم بالمرور، وما إن وصلوا سيطرةَ الغزالية الواقع غرب مدينة بغداد حتى فوجئوا بتشديدٍ غيرِ مسبوق ووجوه عابسة، قام الجنود بتفتيش كلّ شيء في السيارة واقتادوا الرجال نحو غرفة للتحقيق ساعتين وأكثر، "رددنا: تبّاً لعاصمةٍ تمنع أبناءها من دخولها"، ولم يسمح لأبي عمار ولرفيقه بالمرور بعوائلهم إلا بعد أن أظهرَ لهم رفيقه ورقة تثبت (الإقامة في إقليم كردستان) وبوعدٍ أنهم لن يُطيلوا المكوث في بغداد إلا بقدر المدة التي سيحجزون فيها تذكرة السفر إلى أربيل.

مكة المكرمة