"نفاق" ومعايير مزدوجة.. ما سر الموقف الأوروبي من "نبع السلام"؟

محاولات عرقلة تفشل أمام غياب البديل
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/x8vXWZ

خمس دول أوروبية حاولت إدانة العملية عبر مجلس الأمن

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 14-10-2019 الساعة 21:59

جاء الموقف الأوروبي من عملية "نبع السلام" التي تقودها تركيا في مناطق شرق الفرات شمالي سوريا مستغرَباً للغاية، في حين اعتبرته أنقرة "نفاقاً"، خصوصاً أنّ التحرك رافقه قبول أمريكي وروسي، وأهداف تركية تضع حداً لأزمة حقيقية.

فالخطاب الدبلوماسي الحاد بين تركيا والدول الأوروبية ليس جديداً، حيث يتراوح بين التصعيد والهدوء من حين لآخر، خصوصاً في فترات الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية والتدخل السياسي الواضح من قبل الأوروبيين في انتقاد تركيا والحريات وحقوق الإنسان للتأثير على الناخب التركي.

كما أنّ سماح بعض العواصم الأوروبية لأشخاص مقربين من حزب العمال الكردستاني، المصنف على قوائم الإرهاب في تركيا وأمريكا، بتنفيذ نشاطات وتظاهرات فيها يعد تحدياً واستفزازاً لأنقرة التي تنتقده بشدة.

عرقلة "نبع السلام"

وقبل بدء عملية "نبع السلام"، يوم الأربعاء في 9 أكتوبر 2019، بدأت بعض الدول الأوروبية باتخاذ موقف معادٍ للعملية العسكرية التي تنفذها تركيا بمشاركة الجيش الوطني السوري المعارض، والتي تهدف لإيقاف المشروع الانفصالي لقوات سوريا الديمقراطية ("قسد)، التي تشكل الوحدات الكردية قوتها الضاربة، والساعية لضرب وحدة سوريا وزعزعة الأمن القومي التركي.

وفي 10 أكتوبر الجاري، حاولت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وبولندا، عبر عضويتهم في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، إصدار قرار يعيق عملية "نبع السلام" في مشروع قرار يناقش المستجدات شمال شرقي سوريا في اجتماع مغلق، ولكنها فشلت في ذلك بسبب الرفض الروسي الأمريكي.

ورفضت الولايات المتحدة وروسيا، في ذات اليوم، مقترح الدول الأوروبية الخمس في مجلس الأمن لإدانة عملية "نبع السلام"، ولم يستخدم كلا البلدين عبارة "إدانة" في تصريحهما بمجلس الأمن.

مجلس الأمن

وبعد الاجتماع أدلت الدول الأوروبية الخمس ببيان مشترك، أعربت فيه عن "القلق العميق" من العملية العسكرية التركية في سوريا.

وطالبت أنقرة "بإنهاء العملية أحادية الجانب"، وبينت أن خطة تركيا في إقامة منطقة آمنة في سوريا لتأمين عودة اللاجئين إليها "قد لا تفي بالمعايير الدولية التي حددتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين".

وفي أول رد للرئيس التركي رجب طيب أردوغان على العواصم الأوروبية التي رفعت من تنديدها بالعملية إلى حد وصفها بـ "الغزو"، قال: "أيها الاتحاد الأوروبي، إذا سميتم هذه العملية العسكرية بالغزو، فسنفتح بواباتنا ونرسل 3.6 ملايين لاجئ سوري إلى أوروبا".

ويبدو أن الدول الأوروبية تخشى من موضوع اللاجئين أو ازديادهم في خضم العملية التركية، ولكن ذلك لا يظهر أنه سبب حقيقي، خصوصاً أن العملية العسكرية تستهدف المليشيات الكردية التي تسيطر على مناطق غالبيتها من السكان العرب في الجزيرة السورية، ولا تستهدف الأكراد كقومية بحال من الأحوال، وهو ما شدد عليه الرئيس التركي.

لكن لبعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا، قوات محدودة في مناطق الوحدات الكردية، وهو ما يعني قرب انتهاء نفوذ تلك العواصم في هذه المناطق، خصوصاً أنها استراتيجية وفيها معظم النفط السوري، ويمر فيها نهر الفرات الذي يغذي الأراضي السورية بمعظم كهربائها، كما أنّ منطقة شرق الفرات على اتساعها هي سلة سوريا الغذائية؛ بسبب خصوبة أراضيها الزراعية.

عقوبات أوروبية

ومع عدم نجاح الدول الأوروبية في إصدار قرار يدين تركيا في مجلس الأمن الدولي، لجأت كل من هولندا وفرنسا وألمانيا وفنلندا والسويد ولوكسمبورغ إلى اتخاذ إجراءات ضد تركيا، ومنعها من الحصول على عدة أنواع من الأسلحة في ضغط مضاعف من قبلها ضد أنقرة.

وقررت هولندا، يوم الجمعة (11 أكتوبر الجاري)، وقف جميع رخص تصدير الأسلحة إلى تركيا بصورة مؤقتة، وقالت إنها ستراقب تطورات الأوضاع في سوريا.     

وقال بيان مشترك من وزارتي الدفاع والخارجية الفرنسيتين، يوم الأحد (13 أكتوبر الجاري): "قررت فرنسا، التي تتوقع انتهاء هذا الهجوم، تعليق كل خطط تصدير السلاح إلى تركيا، والذي يمكن أن يستخدم في هذا الهجوم، القرار يسري على الفور".

من جانبه، قال وزير الخارجية الألماني، هيكو ماس، في ذات اليوم: إن "الحكومة الألمانية لن تصدر أي ترخيص جديد لبيع أي أسلحة لتركيا يمكن أن تستخدم شمال شرقي سوريا".

ومساء السبت (12 أكتوبر الحالي)، أبلغ رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، الرئيس التركي أن لندن قلقة بشكل عميق من عملية "نبع السلام".

تبع ذلك تصريح لمتحدث رسمي بريطاني قال فيه: إنّ "جونسون حثّ أردوغان على إنهاء الهجوم والدخول في حوار، وإن بريطانيا والشركاء الدوليين على أهبة الاستعداد لدعم مفاوضات تفضي إلى وقف إطلاق النار".

كل تلك الضغوط الأوروبية لم تؤثر في العملية التركية التي أحرزت تقدماً في الأيام الأولى من شنها، خصوصاً أن المناطق الحدودية التركية تتعرض لقصف من قبل الوحدات الكردية، وهو ما زاد من الدعم الشعبي الداخلي للعملية.

وفي رده على عمليات حظر الصادرات العسكرية، قال وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو: إنه "بغض النظر عما يفعله أي أحد، وبغض النظر عما إذا كان ذلك حظراً على السلاح أو أي شيء آخر؛ هذا يقوينا فحسب"، وفق مقابلة له مع إذاعة "دويتشه فيله" الألمانية.

وأضاف: "حتى لو كان حلفاؤنا يدعمون منظمة إرهابية، وحتى لو كنا نقف وحدنا، وحتى لو فُرض حظر، ومهما فعلوا، فإن معركتنا هي ضد المنظمة الإرهابية (الوحدات الكردية)".

تركيا تتحقق من "النفاق"

من جهتها، تقول تركيا إنها تحققت بشكل جلي من الدعم الصريح الذي قدمته بعض الدول الغربية، ومن بينها فرنسا، لـ"الإرهابيين" خلال عملية "نبع السلام".

جاء ذلك في بيان تحت عنوان "المعايير المزدوجة للدول الغربية حول مكافحة الإرهاب وحل الأزمة السورية"، تلاه شنطوب، في اجتماع الجمعية العامة الـ141، للاتحاد البرلماني الدولي، المنعقد بالعاصمة الصربية بلغراد، الاثنين.

وأكد أن من الضروري مناقشة المجتمع الدولي هذا الموقف "غير المشروع" و"المنفعي"، من طرف فرنسا والدول الغربية الأخرى.

وأردف قائلاً: "هذا البيان يهدف إلى تسجيل موقف تاريخي، وفضح المعايير المزدوجة والنفاق لدى من يريدون تحقيق نفوذ سياسي باستخدام ورقة الإرهاب".

الناتو

الناتو.. هل يدافع عن تركيا؟

ورغم أن أغلب الدول الأوروبية أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) فإن مواقفها متباينة معه نوعاً ما، حيث لا تريد قيادته (الولايات المتحدة) خسارة ثاني أقوى جيش في الحلف، والموقع الاستراتيجي الذي تمثله تركيا كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا، إضافة إلى ملف اللاجئين، وباعتبارها أحد أهم المداخل البرية الشرقية للقارة العجوز.

وفي إطار ذلك، قال الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، في كلمته خلال اجتماع الجمعية البرلمانية للحلف بالعاصمة البريطانية لندن، يوم الاثنين (14 أكتوبر الجاري): إن "تركيا لديها مخاوف أمنية مشروعة، ولم يتعرض أي حليف (داخل الناتو) للاعتداءات الإرهابية والعنف القادم من الشرق الأوسط والفوضى مثلما تعرضت تركيا، واحتضنت تركيا من اللاجئين ما لم يحتضنه عضو آخر داخل الحلف".

وأعرب عن أمله في أن تتحرك تركيا مع حلفائها؛ كي "لا يلحق الضرر بالمكاسب التي تم تحقيقها خلال مكافحة العدو المشترك؛ تنظيم الدولة".

وأوضح أن "السبيل الوحيد لفهم ما يحدث هناك، هو إدراك الدور الذي تتبناه أنقرة"، مضيفاً: إن "تركيا عضوة مهمة بالنسبة للناتو، وأظهرت ذلك، لا في مكافحة داعش فقط، بل في العديد من المجالات الأخرى؛ فقد استخدمت قوات التحالف الدولي البنية التحتية والقواعد التي في تركيا خلال عملياتها لهزيمة داعش".

وقبل بداية "نبع السلام" بأيام، أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، خلال لقائه مع أردوغان ووزير خارجيته في تركيا، أن الحلفاء سيواصلون دعم تركيا، التي تقف في الخط الأمامي لنضال مهم للحلف.

يشار إلى دول "الناتو" مجبرة على الدفاع عن تركيا في حال تعرضت لأي اعتداء من دولة ما، مثل نظام بشار الأسد، حيث تنص المادة الخامسة من ميثاق الحلف على التعاون التحالفي، والتي تعني أنه يتعين على دول "الناتو" كافةً مساعدة تركيا في حال مهاجمتها.

يزيد من ذلك أن تركيا تدخلت في سوريا بموجب "بروتوكول أضنة" الذي وقَّعته أنقرة مع نظام الأسد عام 1998، والذي يتيح لها الدخول إلى شمالي سوريا -إن تعرضت للخطر- بمسافة 5 كم على طول الحدود.

وعن ذلك قال وزير العدل التركي، عبد الحميد غل، يوم الاثنين (14 أكتوبر الجاري): إن "العملية التركية تستند إلى المواثيق الدولية، وتجري في إطار القانون الدولي، وفي نطاق حق الدفاع المشروع، واتفاقيات الأمم المتحدة وغيرها من الاتفاقيات الدولية".

ورفض "غُل" إطلاق مصطلح "الحرب" على عملية "نبع السلام"، موضحاً أن "الحرب تكون بين الدول، وهذه العملية ننفذها ضد تنظيم إرهابي (الوحدات الكردية) يستهدف المدنيين، كما هو الحال في المناطق التركية المحاذية للحدود السورية".

وشدد على أنّ "أمن حلف شمال الأطلسي وأوروبا من أمن تركيا، وأمن لندن وباريس يمر من أمن أنقرة وإسطنبول".

وأطلقت تركيا، الأربعاء الماضي (9 أكتوبر)، عملية عسكرية سمَّتها "نبع السلام"، شرقي نهر الفرات بالشمال السوري، قالت إنها تسعى من خلالها إلى تحييد المليشيات الكردية الانفصالية على حدودها مع سوريا، إضافة إلى القضاء على فكرة إنشاء كيان كردي بين البلدين، وإبقاء سوريا موحدةً أرضاً وشعباً.

وإضافة إلى ذلك، تُمني تركيا النفس بإقامة منطقة آمنة تُمهد الطريق أمام عودة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى ديارهم وأراضيهم بعد نزوح قسري منذ سنوات، وتغيير ديمغرافي طال تلك المنطقة بعد سيطرة المليشيات الكردية عليها.

مكة المكرمة