هكذا تراجع النفوذ السني في المنطقة لصالح إيران

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gn2yma

إيران عملت على تصدير ثورتها منذ عام 1979

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 27-08-2019 الساعة 17:24

تراجع الدور السني السياسي في المنطقة على حساب استمرار تمدد الشيعة السياسية التي تقودها إيران، منذ انطلاق ما يسمى الثورة الإسلامية الإيرانية ونجاح "روح الله الخميني" باعتلاء السلطة وتشكيل جمهورية جديدة عام 1979، واعداً بتصدير ثورته إلى خارج البلاد.

مددت إيران نفوذها في عدد من المناطق في العالم العربي، خصوصاً التي كانت تشهد نزاعاتٍ أو أزمات وحروباً داخلية، فانطلقت من لبنان؛ إذ دعمت خلال الحرب الأهلية فيها مليشيات شيعية كحركة أمل أو "حزب الله" الذي مهد لها الحضور في لبنان حتى اليوم.

وكررت ذلك في العراق بعيد الغزو الأمريكي وسقوط نظام صدام حسين، حيث استفادت من الحضور القوي للمكون الشيعي فدعمت أحزاباً وتنظيمات مسلحة تركّب كل المشهد العراقي اليوم تقريباً.

واتسع نفوذ إيران حتى وصل إلى اليمن، داعمةً بالمال والسلاح جماعة الحوثي، التي أُسست عام 1992، رغم نفي طهران لذلك.

كذلك كان لها علاقات وثيقة مع نظام الرئيس السوري السابق حافظ الأسد منذ قدوم الخميني للسلطة، ولكن مع مجيء وريثه رأس النظام الحالي، بشار الأسد، إلى الحكم عام 2000، تمددت إيران في عهده بشكل متسارع وغير مسبوق حتى أصبحت تسيطر على مناطق حيوية في البلاد منذ تدخلها عسكرياً للوقوف بوجه الثورة السورية التي انطلقت عام 2011.

أدوات النفوذ الإيراني

استخدمت إيران المذهب الشيعي والخطاب الطائفي بشكل أساسي في مد نفوذها وتصدير ثورتها عبر تأسيس شبكات علاقات واسعة في عدة بلدان عربية مأزومة، وهو ما سهل عملها ونمت فيه أذرعها بشكل قوي.

ودعمت تشكيل حركات وأحزاب "شيعية" خالصة، بعضها وصل إلى الحكم، مثل حركة أمل وحزب الله اللبنانيين، وحزب الدعوة العراقي، وأغلب مليشيات الحشد الشعبي العراقية التي أصبحت جزءاً من جيش البلاد رغم اتهامها بارتكاب انتهاكات.

ودعمت طهران حركات شيعية في الخليج، منها ما هو مسلح كـ "حزب الله الحجاز" في السعودية، أو بدعم ورقة المجموعات الدينية، خصوصاً في البحرين حيث تقول إحصائيات غربية إن "الشيعة أكثر عدداً من السنة فيها".

ورفعت إيران من لواء "مقاومة إسرائيل" وسيلة لتوسيع قاعدتها الشعبية في المنطقة العربية منذ الأيام الأولى لـ "الثورة الإسلامية"، ولم يكن ذلك فقط عبر الشعارات الرنانة التي كانت تطلقها، بل عبر تشكيل كيان عسكري كامل يحمل اسم "فيلق القدس"، ينفذ عمليات لها في الخارج.

ووصلت شعاراتها في المقاومة ومحاربة "الإمبريالية" و "الاستعمار" حتى الأذرع البعيدة جغرافياً عن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين كالحوثيين الذين استخدموها في خطابهم السياسي.

ورغم التصعيد المستمر في التصريحات بين إيران و"إسرائيل" فإنّه لم تحدث مواجهة مباشرة واحدة، إنما سعت طهران لحرب الوكالات التي كانت تخوضها أذرعها في لبنان بشكل أساسي.

كذلك دعمت "الثورة الإيرانية" حركتي "الجهاد الإسلامي" و"المقاومة الإسلامية" (حماس) بالعتاد والخبرات والسلاح والمال والإعلام، كما صرحت بذلك قيادات فيهما مرات كثيرة، وكان ذلك مقابل بسط نفوذ أكبر ضمن الساحة العربية في ظل تراجع جلي وواضح للدور السني الذي كان يجب أن تضطلع به دول ذات وزن عربي وإقليمي كالسعودية.

واعتمدت إيران على أدوات أخرى ناعمة كالإعلام والتعليم والصناعة، مستغلة التفكك العربي والخلافات الحادة فيما بينهم، كما أظهرت حالة مختلفة تجلت بالاكتفاء الذاتي وسط عقوبات مستمرة عليها، رغم أنها غنية بالنفط كجيرانها في الخليج، إلا أنها روجت بشكل كبير للتصنيع؛ ولا سيما العسكري منه، وتوجت ذلك بدخولها في المجال النووي، وهو ما أسهم في تلميع صورتها باعتبارها قوة تنافس الولايات المتحدة التي تهيمن سياسياً على أغلب قرارات الأنظمة العربية.

تراجع الدور السني.. ما دور السعودية؟

ولعل التنافس بين إيران والمملكة العربية السعودية على النفوذ في عدة مناطق عربية كانت ستكون فيه الغلبة لطرف دون آخر، خصوصاً في إطار القدرات المالية الهائلة للرياض من جراء بحر النفط والتسهيلات في بيعه مقابل العقوبات الاقتصادية الكثيرة والمتعددة المفروضة على طهران.

ومنذ صعود ولي العهد محمد بن سلمان عام 2017، تراجع النفوذ السعودي بشكل أكبر في المنطقة العربية، وازدادت الخلافات، وأصيب مجلس التعاون الخليجي بتصدع كبير إثر حصار قطر، فضلاً عن ازدراء علني وغير مسبوق من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للنظام الحاكم في المملكة.

ولم تفلح السعودية، التي تتصدر قيادة الدور السني بين العرب، في أي من محاولاتها لقيادة المنطقة، فقد ساندت الغزو الأمريكي للعراق وخسرتها لحساب إيران، فتمددت حتى وصلت إلى حدودها، كما فشلت المكونات السياسية التي دعمتها في الوصول إلى الحكم ما جعل طهران تأخذ بغداد ضمن نطاقها السياسي المطلق.

كما أدى دخول التحالف الذي تقوده السعودية بمشاركة إماراتية في حرب اليمن عام 2015، لمواجهة جماعة الحوثي المدعومة من قبل إيران، إلى خسارة إنسانية يمنية متفاقمة، إضافة إلى عدم نجاح التحالف في تحقيق أي من أهدافه، وانسحاب كل الدول منه، ومن ضمنها أبوظبي، مؤخراً، تاركة الرياض في مستنقع لا تستطيع الخروج منه.

وتقع السعودية اليوم تحت تهديد مستمر من الطائرات دون طيار التي ترسلها جماعة الحوثي بشكل يومي باتجاه مناطق استراتيجية عسكرية ونفطية في المملكة، إضافة لتهديد أمن العاصمة الرياض بالصواريخ الباليستية.

ووقفت السعودية والإمارات في صف واحد مع إيران في مواجهة ثورات الربيع العربي وإن بأسلوب مختلف، فقوضتا الديمقراطية الوليدة المصرية عبر دعم الانقلاب العسكري فيها عام 2013 بحجة إسقاط الإخوان المسلمين، كما دعمتا اللواء المتقاعد خليفة حفتر وحولتا ليبيا إلى ساحة حرب مفتوحة في الوقت الذي كانت تسير فيه نحو الاستقرار وبناء الدولة.

إضافة إلى ذلك فقد أسهمت السعودية في تخريب الثورة السورية عبر دعم أطراف معينة على حساب أخرى، وتحويل الأراضي السورية إلى مناطق تصفية حسابات بين طهران والرياض، بعد التدخل العسكري الإيراني والمليشيات الطائفية التي أرسلتها وأوغلت في دماء السوريين.

وأدى الصراع على النفوذ في لبنان إلى ضعف الأحزاب السنية التي تدعمها السعودية، كتيار المستقبل وحلفائه، في مقابل صعود كبير وغير مسبوق في الحكومة والبرلمان للأحزاب الشيعية وحلفائها المدعومين إيرانياً.

وتسبب الحصار الذي نفذته السعودية والإمارات والبحرين ومصر ضد قطر، عام 2017، بحجة دعم الإرهاب ومساندة إيران، وهو ما تنفيه الدوحة بشدة، تسبب في شق الصف العربي وتصدع كبير في مجلس التعاون الخليجي الذي أنشئ تزامناً مع الصعود الإيراني حينها، رغم تأكيد قطر على الدور الجوهري الذي من الممكن أن يشكله.

كما كان العداء الإماراتي السعودي للإسلاميين في المنطقة العربية سبباً في ازدياد انحسار النفوذ السني في مواجهة النفوذ الشيعي؛ فقد صنفت دولة الإمارات والسعودية جماعة الإخوان المسلمين على لوائح الإرهاب، وهي كتلة عريضة في الشارع العربي، ولها تأثير ونفوذ واسعان، وهي خطوة مساندة لإيران في المنطقة لا العكس، وفق مراقبين.

كما كان لزج المملكة بعشرات الدعاة والإصلاحيين السعوديين، مثل الشيخ سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري وآخرين، في سجونها، ردة فعل عكسية في الشارع السني لجماهيرية هؤلاء الدعاة وخطهم المعتدل والمدافع عن دورها إسلامياً وعربياً.

ويرى مراقبو الشأن السياسي في المنطقة أنّ الازدراء الكبير الذي حملته خطابات الرئيس ترامب تجاه السعودية والملك سلمان بن عبد العزيز تحديداً، بخصوص حماية المملكة، وأنها لن تصمد أسبوعاً واحداً بغير حماية واشنطن لها، خفض من رصيد المملكة على المستوى العربي، إذ لم يصدر عن الرياض أي رد في الوقت الذي تواجه إيران الولايات المتحدة بخطاب تنافسي مماثل وإن كان إعلامياً.

وفاقم من أزمة السعودية عربياً وإسلامياً جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول التركية في أكتوبر 2018، وتورط محمد بن سلمان وكبار مساعديه فيها، وفق ما أشارت إليه تقارير دولية.

مكة المكرمة