هكذا ساهمت الأمم المتحدة في حرب "الأسد" ضد شعبه

مشاركة إحداثيات وتمويل بالمليارات
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/G82d92

الأمم المتحدة شاركت إحداثيات مراكز طبية بإدلب مع روسيا

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 23-08-2019 الساعة 14:11

رغم القلق المتواصل الذي تبديه أضخم مؤسسة عالمية تجاه جرائم نظام الأسد في سوريا، أسهمت الأمم المتحدة على مدار السنوات الماضية من الحرب السورية وحتى اليوم في مساعدة النظام، وأبقت مندوبه الدائم في أروقتها مانحة إياه الشرعية الدولية.

ولم تقف العقوبات الأكثر شمولية على الإطلاق، التي فرضتها دول العالم، حاجزاً أمام المؤسسة الأممية في التعامل مع نظام الأسد باعتباره واحداً من أسرتها الدولية، حيث عملت على تقديم المساعدات الإنسانية له وعبر قنواته لتصل إلى قواته ومليشياته ومؤيديه، وقلما كانت تصل إلى المهجرين والنازحين السوريين الذين تسبب هو بتشريدهم ولجوئهم داخل البلاد وخارجها.

المساهمة في حرب الأسد

ولم تكتفِ الأمم المتحدة بذلك فقط، بل كان لها دور في استهداف نظام الأسد وروسيا للمدنيين الموجودين في المشافي الميدانية والمراكز الصحية في مناطق إدلب شمالي سوريا، عبر مشاركتها لإحداثيات المواقع الجغرافية لتلك المنشآت.

وكشفت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، في تقرير لها يوم الاثنين (19 أغسطس الجاري)، أن برنامجاً للأمم المتحدة يساعد النظام السوري في قصف المدنيين والفصائل في المناطق الخارجة عن سيطرته، حيث ينقل إحداثيات مواقع فصائل المعارضة إلى الحكومة الروسية.

 وقالت المجلة إنّ "الأمم المتحدة تتقاسم مع روسيا إحداثيات مرافق الرعاية الصحية في الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة، بهدف ضمان عدم تعرضها للقصف، لكن يبدو أنّ هذا النظام يحقّق عكس هدفه الظاهري".

وأضافت أنه أثناء الهجوم الأخير لنظام الأسد على إدلب تعرضت نحو 46 منشأة مدنية للهجوم، حيث أفادت الجمعية الطبية السورية الأمريكية، وهي شريك محلي للأمم المتحدة في إدلب، بأنَّ 14 منشأة طبية على الأقل من بين تلك التي تعرَّضت للهجوم في إدلب كانت على قائمة الأمم المتحدة، وبعبارة أخرى كانت حكومتا روسيا والتابعة لنظام الأسد تعلمان بالضبط مكان المنشآت حين قصفتاها.

وفي 30 يوليو الماضي، أذِنَ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بفتح تحقيق حول من قصف هذه المرافق، وخصوصاً تلك الواقعة تحت حماية المنظمة الدولية.

وأشارت المجلة إلى أنّه على المنظمة أن تفكر في التحقيق فيما إذا كان برنامج فك الارتباط، كما هو مصمّم حالياً، يخدم أي غرض مفيد على الإطلاق، مشيرة إلى أنّ روسيا وحلفاءها سيستمرّون في غضون ذلك بتلقي معلومات حول مكان وجود المعارضة.

وكانت بعض المنظمات، التي وافقت على تبادل بيانات حساسة مع نظام الأسد وحلفائه، ومن بينهم روسيا، على دراية بالمخاطر، وتأمل في أن تُستخدم أي تجاوزات كدليل على قضيتها.

ونقلت المجلة عن المسؤول في اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية، أحمد دبيس، قوله: إن "فكرة مشاركة الإحداثيات كانت مرفوضة في البداية عام 2015، لكن بعدما بدأ الروس والنظام باستهداف المنشآت الطبية بطريقة ممنهجة في شرق حلب، أدرك الجميع أنّهم على علم أصلاً بمواقع هذه المنشآت، بفضل جواسيسهم".

وأردف دبيس: لذلك "اعتقدنا أن بإمكاننا مشاركة الإحداثيات، واستخدام هذه القضية كدليل قانوني وأخلاقي أمام المحاكم والمنظمات الدولية، ما يثبت أنّ النظام والروس ضربوا، عمداً، منشآت طبية بعد الحصول على إحداثياتها".

قصف المستشفيات

إقرار المسؤولين بالكارثة

وتعد مشاركة هذه الإحداثيات سبباً حقيقياً في كارثة إنسانية أدت إلى مقتل آلاف المدنيين الذين كانوا في الغالب مصابين بجروح خطيرة، ويعيشون آلاماً لا تحتمل، بالإضافة لاستهداف منشآت يحظر قصفها وتعد جريمة حرب، مع خسارة عدد لا يستهان به من الأطباء المختصين القليلين فيها أصلاً.

وتتمتع المستشفيات بحماية خاصة في ظل القانون الدولي الإنساني، واستخدمت كلمة "جريمة حرب" في صياغة اتفاقية جنيف الرابعة عام 1949، التي تُعد القاعدة الأساسية الرئيسية في القانون الدولي الإنساني لتوفير حماية خاصة للمرافق الطبية في زمن الحرب، ووقعت عليها 196 دولة.

وقد أقرّ بعض أبرز المؤيدين الدوليين لبرنامج الأمم المتحدة بمشاركة الإحداثيات بإخفاقه، فقد أبلغ رئيس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، مارك لوكوك، مجلس الأمن الدولي، الشهر الماضي، بفشل هذا النظام، قائلاً إنه وصل إلى استنتاج مفاده أنّ "النظام لا يثبت فعاليته في البيئة الحالية"، وفق "فورين بوليسي".

من جانبه، قال مفاوض الأمم المتحدة لسوريا للشؤون الإنسانية، جان إيغلاند، للمجلة إنّ الهجمات في إدلب تقلقه، مشيراً إلى أنّ ما يقلقه الآن هو أنّ عدداً أكبر من المستشفيات التي تدخل ضمن نظام الحماية، قد قُصِف في إدلب، ما قد يشير إلى أن هذا النظام لم يعد يوفّر الحماية الفعالة لها بعد الآن، قائلاً: "نحن نسبح أو نغرق في صراعات، مع قدرتنا على أن نكون محميين ومستقلين".

ويفترض العاملون على البرنامج الأممي بنجاح استراتيجيتهم إلى حد أنَّها ركَّزت انتباه مجلس الأمن الدولي على كارثة إنسانية بدأت تتكشَّف بصورة مطردة، لكن لم يوافق جميع المتضررين على تلك الاستراتيجية عن طيب خاطر؛ حيث قال ياسر الصمم، وهو جرَّاح بمستشفى معرة النعمان المركزي، إنَّه "كان متردداً في تسليم الإحداثيات، لأنَّ ذلك يزيد فرص التعرُّض للهجوم، لكنَّه أذعن بعدما حصل على طمأنة بأنَّ المستشفى محميّ.

وأضاف للمجلة: "حصلنا على ضمانات بأنَّ المستشفى لن يُستهدَف؛ لكنَّه استُهدِف، لطالما علمتُ أنَّ ذلك كان خطأً".

ولا يبدو أن حقيقة قصف نظام الأسد وروسيا للمراكز الطبية الميدانية قد تنفع في مجلس الأمن في ظل وجود حق النقض (الفيتو) الروسي،  إضافة إلى أنه- بحسب التقارير الدولية- لم تحاكم أي دولة على استهدافها للمستشفيات والمرافق الصحية منذ وقعت اتفاقية حظر ذلك عام 1949، وفق مراقبين.

مساعدات

تمويل النظام من المساعدات

وقد استفاد نظام الأسد بشكل لا يتوقع من المساعدات الإنسانية المقدمة من الدول التي فرضت عليه عقوبات اقتصادية، والتي تبين أنها لم تكن ذات جدوى.

فقد ذكرت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية في تحقيق لها في سبتمبر 2018، أنّ وكالات الأمم المتحدة، مثل منظمة الصحة العالمية، سمحت لنظام الأسد بالسيطرة على الاستجابة الإنسانية الدولية البالغة 30 مليار دولار، باستخدام أموال المانحين لتفادي العقوبات ودعم الجهود العسكرية لقواته، والجدير بالذكر أن الجزء الأكبر من هذه المليارات مُقدّمة من قبل نفس الحكومات الغربية التي فرضت العقوبات عليه.

ولفتت المجلة إلى ضرورة قيام الأمم المتحدة بإصلاح نظامها لتقديم المساعدات، بعد أن ثبت قدرة النظام على "اختطاف" التمويلات المالية الأكبر، وشددت على الإسراع في إصلاح ذلك قبل أن يكرر النظام نداءاته ضمن نفس التكتيكات للحصول على مساعدات إعادة الإعمار.

وقالت المجلة: "في عامي 2012 و2013 ذهبت جميع مساعدات الأمم المتحدة (1.2 مليار دولار) إلى النظام مباشرة"، مضيفة أنه في عام 2014 "بلغ إجمالي المساعدات الدولية للأمم المتحدة (1.2 مليار دولار) ولم يذهب سوى 6.5 مليون دولار لوكالات دولية تعمل عبر الحدود من تركيا، بينما ذهب أكثر من مليار دولار إلى وكالات الأمم المتحدة في دمشق".

واستمر هذا النمط في عام 2015، حيث تلقت المنظمات غير الحكومية السورية العاملة عبر الحدود أقل من 1% من إجمالي ميزانية الأمم المتحدة للمساعدات لسوريا.

وأكدت المجلة أن أفضل تقدير هو أن ما بين 2 و18% فقط من معونات الأمم المتحدة للنظام تصل فعلياً إلى السوريين المحتاجين، ونادراً ما تذهب تلك المساعدات إلى من هم في أمس الحاجة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، وغالباً ما تكون تحت الحصار.

وبدلاً من مساعدة المدنيين المعرضين للخطر، عززت المساعدات حكومة النظام، والمفارقة الحزينة هي أن القوى الدافعة وراء العقوبات ضد حكومة النظام (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة) كانت أكبر ممولي الاستجابة الإنسانية التي قوضت تلك العقوبات، وفق المجلة.

وختمت المجلة تحقيقها بأن على الأمم المتحدة ووكالاتها إعادة النظر في سياساتها تجاه سيادة الدول وطرق عملها فيها، مؤكدة أنه "قد حان الوقت لتوقف الأمم المتحدة صفقتها مع الشيطان (نظام الأسد)، ولتقرر بالفعل فيما إذا كان وجودها في دمشق (المقار الأممية) يجلب للسوريين مضارَّ وكوارث أكثر مما يقدمه لهم من منافع".

مكة المكرمة