واشنطن بوست: إيران تسعى لتوسيع نفوذها بالعراق عبر بوابة النجف الدينية

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LevAXW

إيران تريد اختطاف النجف وجعلها خاصة بها

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 06-05-2019 الساعة 12:43

سلطت صحيفة "واشنطن بوست" الضوء على محاولات إيران للسيطرة على المؤسسة الدينية الشيعية في العراق بغية توسيع نفوذها، في وقت تشهد الساحة العراقية تزاحماً وصراعاً بين النفوذ الإيراني من جهة والأمريكي من جهة أخرى.

وقالت الصحيفة إن الزعماء الدينيين الإيرانيين يتحركون لتوسيع نفوذهم في المؤسسة الشيعية في العراق، في مقامرة تهدف إلى السيطرة على أكبر مجموعة دينية بالعراق، وهذه الحملة الإيرانية تتجلى واضحة في النجف، المدينة المقدسة لدى الشيعة.

وتموّل إيران المدارس والجمعيات الخيرية في النجف، وبنت مساجد حديثة، ووطدت روابطها مع علماء الدين؛ في محاولة لتقويض سلطة رجال دين محليين ظلوا لفترة طويلة مستقلين بشدة.

ويقول نشطاء سياسيون عراقيون إن رجال الدين المرتبطين بإيران يروجون نوعاً معيناً من التدين الشيعي الذي ترعاه الدولة في أكاديميات المدينة، ويقومون بمناورة لتثبيت واحد منهم باسم "المرجع" أو السلطة الدينية العليا في العراق، حيث لا تزال ملصقات الشيخ محمود شاهرودي، السياسي الإيراني البارز الذي دعمته طهران لهذا المنصب القوي قبل وفاته، تُلصق على جدران النجف.

ويقول غالب الشاهبندر، المحلل العراقي والسياسي الإسلامي السابق: "إيران تريد اختطاف النجف وجعلها خاصة بها، تريد مرجعاً خاصاً بها في العراق للسيطرة على تحركاته".

لكن تقدم الثيوقراطية الإيرانية في النجف يواجه مقاومة، كما تقول الصحيفة؛ فلقد أثار غضب رجال الدين البارزين في المدينة، الأمر الذي قد يؤدي في النهاية إلى تأجيج الاستياء ليشمل كافة شيعة العراق مما يرون من هذا التدخل الإيراني الكبير في العراق.

محاولات إيران لتوسيع نفوذها الديني تأتي متزامنة مع جهودها الأخرى المتزايدة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، حيث تشهد الساحة العراقية تنافساً على النفوذ بين واشنطن وطهران.

وتقول "واشنطن بوست" إن إيران أصبحت قوية في العراق؛ بشكل خاص بعد أن قامت المليشيات التي تدعمها طهران بدور قيادي في دحر تنظيم الدولة، الذي احتل مساحة واسعة من شمال العراق، واحتفظت هذه القوات -التي تعتبر بمنزلة وكيل لإيران- بالسيطرة على الأراضي العراقية الواسعة.

حلفاء إيران، ومن ضمنهم رجال المليشيات السابقون، لهم دور مؤثر في البرلمان العراقي، ويتوسط المسؤولون الإيرانيون بشكل روتيني النزاعات بين الفصائل السياسية والعسكرية، كما يعتمد العديد من وسائل الإعلام العراقية على الهبّات الإيرانية، في وقت تسيطر فيه البضائع الإيرانية على الأسواق العراقية، فضلاً عن إمدادات الطاقة الإيرانية لمحطات الكهرباء بالعراق.

النفوذ الديني الإيراني يتجلى واضحاً في النجف، كما تقول الصحيفة، حيث يسافر مئات الآلاف من الإيرانيين إلى المدينة كل عام لزيارة ضريح الإمام علي، حيث مولت إيران وساعدت في الإشراف على مشروع طموح لتوسيع الضريح، ومن ضمن ذلك بناء متحف ومكتبة وقاعات دراسية للتلاميذ الدينيين في ملحق منفصل، وتقوم شركة "خاتم الأنبياء"، وهي شركة هندسية مملوكة لفيلق الحرس الثوري الإيراني، بالمشروع.

وينفق السياح الإيرانيون مبالغ هائلة من المال في أسواق النجف، وغالباً ما توجد لافتات على المتاجر والمطاعم مكتوبة باللغة الفارسية، في حين تعج رفوف المكتبات المحلية بالنصوص والكتيبات الدينية الإيرانية، وتساعد إيران في دفع تكاليف ما يحتاج إليه مواطنوها الذين يزورون النجف، ومن ضمن ذلك العيادات الطبية، من بينها مستشفى الإمام علي في النجف، وخدمات الدعم الأخرى للزوار، هذا بالإضافة لوجود شركة إيرانية لديها عقد لنقل القمامة.

وتدفع إيران أيضاً، كما تقول الصحيفة، رواتب للطلاب المتدينين من خلال مكاتب يديرها رجال دين إيرانيون وحلفاؤهم، وفي بعض الأحيان تستخدم تلك المكاتب لتجنيد العراقيين للقتال في صفوف المليشيات الموالية لإيران.

لكن الإيرانيين ليسوا موضع ترحيب عام في النجف، فهناك مخاوف بشكل خاص حول ما يراه بعض رجال الدين العراقيين على أنه جهد إيران لتنصيب مرشحها ليصبح المرجعية العليا للشيعة في العالم، وهو المنصب الذي يشغله حالياً علي السيستاني.

وُلد السيستاني، البالغ من العمر 88 عاماً، في إيران، لكنه يعارض نظرية ولاية الفقيه التي استندت عليها الثورة الإيرانية عام 1979، وهو ضد أن يكون للمرجع الديني هيمنة على شؤون الدولة، كما في نظرية ولاية الفقيه، وهو يدعم أن يقتصر دوره على الاستشارة.

للسيستاني تأثير مهيمن في النجف وما بعدها، فلقد ألهمت فتاواه ملايين العراقيين لتبني أنشطة، ومن ضمن ذلك التصويت في الانتخابات، وحمل السلاح ضد مسلحي تنظيم الدولة، وأثنى عليه المراقبون العراقيون لأنه عزز استقلال النجف وساعد على تهدئة بعض أسوأ أعمال العنف الطائفية في البلاد، لكن السيستاني كبير في السن، وليس من الواضح ما سيحدث بعد رحيله.

ويقول عماد الشرع، وهو طالب علوم شرعية سابق، ويعمل حالياً باحثاً في معهد تقارير الحرب والسلام في العراق: إنه "إذا مات السيستاني فسيكون هناك صراع كبير حول من يخلفه، ومن ذلك بين رجال الدين الذين تربطهم صلات بإيران. لقد حاولت طهران التأثير في النجف من خلال إقامة علاقات مع كبار رجال الدين، وتم إضعاف النجف نتيجة لذلك"، لكنه أضاف: "لا أحد يستطيع أن يحكم النجف من خارج النجف".

وحاولت إيران سابقاً السيطرة على النجف؛ فلقد أوفد المرشد الأعلى، علي خامنئي، كبير قضاة إيران السابق شهرودي إلى النجف، مسقط رأسه، وذلك لإعادة فتح مكتبه وبناء شبكة من الأتباع.

ويقول زملاؤه إنه سافر إلى العراق، في البداية عام 2012، بهدف أن يصبح في نهاية المطاف مرجعاً أعلى للشيعة في العراق والعالم، وهو مشروع كان من شأنه أن يعزز من قبضة إيران على النجف.

عندما جاء شهرودي إلى العراق "كان يستعد ليصبح مرجعاً للعراق بعد وفاة السيستاني"، بحسب مقرب من السيستاني، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته.

وبالمقابل قال الشيخ جاسم المندلاوي، أحد أتباع شهرودي في العراق، إنه ولد في العراق وعاد إليه، وكان يعمل بهدوء احتراماً للسيستاني، غير أن استقبال كبار رجال الدين العراقيين له لم يكن كما كان يأمل؛ "لقد صدمه الترحيب الضعيف الذي لقيه، لهذا قرر أن يغادر العراق".

ولكن رغم هذا الموقف من ولاية الفقيه فإن هناك من يرغبون في رؤية العراق يحذو حذو إيران في تبنيها لهذه النظرية في الحكم والإدارة.

ويقول الشيخ علاء الدين الجزري، أحد الوعاظ في النجف، وهو صاحب علاقات قوية مع إيران ويدافع علناً عن الحكومة الإيرانية، إن نظرية ولاية الفقيه يمكن أن تحل محل السياسة الفاسدة الحالية في العراق؛ "طموحي في العراق هو أن يكون لدي نظام قائم على الدين، كرجل دين أعتقد أن ديننا قادر على إدارة جميع أجزاء الحياة والدولة".

ويعمل الجزري أيضاً مسؤولاً دينياً كبيراً في حركة النجباء، وهي مليشيا تدعمها إيران، وقد صنفتها الحكومة الأمريكية منظمة إرهابية، في مارس الماضي، وهو مسؤول اتصال رئيسي في مكتب المرشد الأعلى لإيران.

ويضيف الجزري: إن "بعض الناس يعتقدون أنه يجب أن تكون هناك فتوى تدعو إلى ثورة للإطاحة بالدولة، لكن آخرين يقولون إن هذه الفتوى ستكون انتحارية"، في إشارة واضحة إلى ردود الفعل العنيفة التي يمكن أن تثيرها بين العديد من العراقيين.

تحركات إيران العلنية للسيطرة على اتجاه المؤسسة الدينية قد تثير الغضب في العراق، ويحذر أتباع السيستاني من أن أي خليفة للسيستاني موالٍ لإيران سيضعف من استقلال المؤسسة الدينية العراقية، ويؤدي إلى رفع التوازن الدقيق بين القوى السياسية والدينية في البلاد.

ويقول الشيخ خالد البغدادي، وهو رجل دين مقيم في النجف ومساعد مقرب من السيستاني: "كان للسيستاني دور رئيسي في الحفاظ على السلام وتعزيز الأمن والاستقرار بالعراق، لقد كان هذا هدفه منذ البداية".

وعندما سئل عن محاولات إيران للترويج لحلفائها في النجف، أمسك البغدادي بطنه متهكماً: "ليس لدى الإيرانيين أي سلطة هنا، لا يمكن لأي سلطة فرض إرادتهم علينا".

مكة المكرمة