وعد بلفور.. مأساة القرن العشرين التي شتتت الفلسطينيين

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/2BPPYY

ترفض لندن الاعتذار عن وعد بلفور وعن آثاره

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 02-11-2019 الساعة 19:15

رسالة من 67 كلمة فقط بعث بها وزير الخارجية البريطاني، آرثر جيمس بلفور، قبل أكثر من 100 عام، إلى العضو اليهودي في مجلس اللوردات البريطاني ليونيل روتشيلد، كانت الخطوة الأولى لتقسيم فلسطين، وتشريد سكانها عن أرض أجدادهم، وإعلان زرع "إسرائيل" في المنطقة.

ورغم مرور قرن كامل على صدور ما أُطلق عليه "وعد بلفور" في 2 نوفمبر 1917، لا تزال الذاكرة الفلسطينية مسكونة بهذا الوعد المشؤوم، وبقي آرثر جيمس بلفور الاسم الأكثر إثارة للوجع والجرح الفلسطيني المستمر.

بريطانيا بهذه الخطوة أسست وثبَّتت "الكيان الإسرائيلي" على أرض فلسطين التاريخية، وسعت من خلال ذلك إلى تقسيم المنطقة العربية ضمن ترتيبات ما بعد اتفاقية "سايكس–بيكو" عام 1916.

وبقيت الحكومات البريطانية المتعاقبة تفتخر بمساهمتها في قيام إسرائيل، وتصرُّ على الاحتفاء بوعد بلفور الذي فرضته على عصبة الأمم وثبَّتته ضمن صك الانتداب على فلسطين.

وترفض لندن الاعتذار عن وعد بلفور وعن آثاره، في حين يستحضره الفلسطينيون كحافز للنضال والدفاع عن الهوية والأرض.

أعظم مآسي القرن

الباحث والخبير في التاريخ السياسي أحمد غنيم، اعتبر أن "وعد بلفور" كان من أعظم وأخطر مآسي القرن العشرين، مؤكداً أن هذا الوعد أسس "كيان إسرائيل"، وشرَّد ملايين الفلسطينيين، وقتل أحلامهم بوطن آمن.

ويقول غنيم لـ"الخليج أونلاين": إن "رسالة قصيرة تحتوي على 67 كلمة فقط، كانت كفيلة بتغيير مصير المنطقة بأكملها، وعلى فلسطين بشكل خاص، فأعلنت زرع إسرائيل، لتبدأ المعاناة والأمل والحسرة والجرح النازف رغم مرور 100 عام على الوعد المشؤوم".

ويشير إلى أن الوعد أحدث تغييرات هائلة في الجغرافيا السياسية وفي التكوين الاجتماعي بفلسطين والدول المحيطة بها، فأسهم في تشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين من أرض آبائهم وأجدادهم، والنزوح إلى دول عربية أخرى، لتبدأ رحلة البؤس والمعاناة داخل مخيمات اللاجئين.

ويذكر الخبير في التاريخ السياسي أنه بعد الحرب العالمية الأولى رزحت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وكان عدد اليهود الذين سكنوا فلسطين بداية الاحتلال البريطاني 50 ألفاً فقط؛ ومن ثم بدأت مرحلة تأسيس "الدولة العبرية" على الأراضي الفلسطينية، ليصبح عددهم الآن بالملايين.

ويتابع حديثه قائلاً: "بدأت عملية تزييف حقائق الواقع الديموغرافي والسياسي والقانوني في فلسطين، لتنفي عن الشعب الفلسطيني صفة الوجود كشعب، وتصفه بالطوائف (غير اليهودية)، واختراع مُكون لوجود قانوني للشعب اليهودي".

ويوضح غنيم أن اليهود لم يكن لهم وجود بصفتهم شعباً على أي مكان في العالم، فعدد اليهود بفلسطين لم يتجاوز 8000 نسمة حتى عام 1838، في حين لم يتجاوزوا 56 ألف نسمة، 8% من السكان وصلوا إلى فلسطين بين عامي 1838 و1919، لم يكونوا سوى أجانب دخلوا فلسطين بطريقة غير شرعية، حيث كان السلطان عبد الحميد قد اتخذ قراراً يقضي بمنع الهجرة إلى فلسطين، وهو صاحب الولاية القانونية في حينه.

ويضيف: "بعد ذلك، تتابعت الهجرة اليهودية من شتى أقطار العالم، وانصهرت في بوتقة اليهودية أكثر من سبعين جنسية من مصر، واليمن، والحبشة، والعراق، والهند، وأوروبا، وروسيا، وأمريكا، وغيرها. وفي عام 1948، ارتفع عدد اليهود من خمسين ألف مهاجر إلى ستمئة وخمسين ألفاً، ثم تتابعت الهجرات من كل أنحاء العالم".

بدوره، أكد الكاتب السياسي أكرم عطا الله، أن "وعد بلفور" أنهى قضية عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم وقراهم التي هُجّروا منها بالقوة، وقتل تماماً مشروع "حق العودة" وللأبد.

وذكر أن الفلسطينيين ما زالوا يعانون الجوع والتشرد والعنصرية في مخيمات اللجوء وأزمة الحصول على أرقام قومية "هوية"، ويسكنون فقط على 22% من أرضهم التاريخية، والباقي كله أصبح للمحتل الإسرائيلي، الذي ضاعف أعداد مواطنيه طوال الأعوام الـ100 الماضية، لتصل إلى أكثر من 14 مليوناً حول العالم.

في حين أوضح أستاذ التاريخ بالجامعة الإسلامية في غزة عصام عدوان، أن "هناك أكثر من مئة ألف فلسطيني تسبب في قتلهم الاحتلال البريطاني، الذي استمر 31 عاماً، وأخذ على عاتقه إنشاء الدولة اليهودية".

وأضاف: "سياسة بريطانيا -التي اتُّبعت قبل هذا الوعد وبعده- تسببت في ضياع أرض فلسطين، وسلب مقدراتها طيلة 100 عام، وتهجير 70% من أبناء الشعب الفلسطيني وطردهم من وطنهم".

ورأى "عدوان" -وهو أكاديمي مهتم بقضية اللاجئين الفلسطينيين- أن "وعد بلفور يمثل التزاماً دولياً وليس فقط بريطانيّاً"، مشيراً إلى أن "بريطانيا حينما أصدرت هذا الوعد أخذت موافقة عدد من الدول".

وفي عام 1948، هجَّرت عصابات صهيونية مسلحة نحو 957 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم في فلسطين التاريخية، وأعلنت قيام دولة إسرائيل في الـ14 مايو من ذلك العام.

ووقَّعت منظمة التحرير و"إسرائيل" في عام 1993 اتفاقية أوسلو، التي تأسست السلطة الفلسطينية بموجبها.

ووفق الاتفاقية، تعترف السلطة الفلسطينية بإقامة دولة إسرائيل على 78% من أراضي فلسطين التاريخية. أما السلطة، فتحكم قطاع غزة والضفة الغربية فقط.

واليوم، ارتفع عدد اللاجئين الفلسطينيين ليصل إلى 5.9 ملايين نسمة، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (حكومي)، مسجل منهم رسمياً لدى وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) قرابة 5.3 ملايين لاجئ.

وبحسب الأمم المتحدة، يوجد في قطاع غزة والضفة الغربية 32 مخيماً للجوء.

مجموع اللاجئين 1.528 مليون يعيشون في 61 مخيماً بغزة والضفة ولبنان والأردن وسوريا.

أما الباقي، وهم 3.8 ملايين لاجئ، فهم منتشرون في أرجاء العالم، لا يعيشون في مخيمات.

وهناك لاجئون غير مسجلين في منظمة الأونروا الدولية؛ لكونها تعتمد في أرقامها على معلومات يتقدم بها اللاجئون طواعية.

متى ستحاكَم بريطانيا؟

وكانت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، تيريزا ماي، قد أشعلت غضب الفلسطينيين والعرب في 25 أكتوبر 2017، عندما قالت إن بريطانيا ستحتفل "بفخر"، بالذكرى المئوية لصدور "وعد بلفور".

ويطالب الفلسطينيون، رسمياً وشعبياً، بريطانيا بالاعتذار عن هذا الوعد، الذي مهَّد لإقامة "إسرائيل" على أرض فلسطين التاريخية، كما يطالبونها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.

عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية واصل أبو يوسف، بدوره، أشار إلى استعدادات فلسطينية لرفع دعاوى على بريطانيا؛ تطالبها بالاعتذار وتحمُّل المسؤولية عما لحِق بالفلسطينيين من جراء هذا الوعد، ومن ضمن ذلك الاعترافُ بحق عودة اللاجئين وإقامة دولة فلسطينية، عاصمتها القدس.

مكة المكرمة