يهدد أمنها المائي.. ما خيارات مصر للتعامل مع أزمة "سد النهضة"؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gVRnyj

رفض سوداني-إثيوبي لإشراك وسيط دولي بالقضية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 07-10-2019 الساعة 15:33

بعد مدة طويلة من ادعاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن الأمور "تحت السيطرة" فيما يتعلق بأزمة بناء إثيوبيا لـ"سد النهضة" والمخاطر الجدية التي تهدد الأمن المائي المصري، اعترفت السلطات المصرية أخيراً بأن المفاوضات مع أديس أبابا وصلت إلى "طريق مسدود"، وأن أمنها المائي بات في خطر حقيقي.

ودأب السيسي منذ توليه الحكم صيف عام 2014، عقب تنفيذه انقلاباً عسكرياً على الرئيس الراحل محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في تاريخ البلاد، عندما كان وزيراً للدفاع، صيف 2013، على طمأنة المصريين، مقللاً من مخاطر السد الإثيوبي؛ بل إنه وقع اتفاقاً ثلاثياً مع إثيوبيا والسودان في مارس 2015، عُرف باسم "اتفاق المبادئ"، اعتبره محللون بأنه "أضعف موقف القاهرة ومنح أديس أبابا قوة دفع هائلة".

ويعتقد البعض أن السيسي فعل ذلك من أجل الحصول على "شرعية" في الوقت الذي كان يدور الحديث حول انقلاب عسكري في مصر على السلطة المدنية المنتخبة، فضلاً عن تعليق عضوية مصر في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي؛ بسبب "انتزاع السلطة بشكل غير دستوري".

سد النهضة

وسد النهضة هو سد إثيوبي يقع على النيل الأزرق بالقرب من الحدود الإثيوبية-السودانية، كان قد بدأ بناؤه عام 2011 في حين تخطط أديس أبابا للانتهاء منه بشكل كلي عام 2023، ولدى الخبراء في مصر والسودان قلق كبير بخصوص تأثيره في تدفق مياه النيل والحصة المتفق عليها.

واقترحت مصر خلال المفاوضات الثلاثية "ملء السد خلال 7 سنوات مع الإبقاء على مستوى المياه في سد أسوان (جنوبي مصر) عند 165 متراً فوق سطح الأرض، على أن تقدم إثيوبيا 40 مليار متر مكعب سنوياً من المياه إليها"، فيما تقترح أديس أبابا "ملء سد النهضة وتخزينه بين 4 إلى 7 سنوات".

وفي ظل وصول المفاوضات إلى نقطة "اللاعودة"، تبدو الخيارات أمام مصر محدودة للغاية في التعامل مع الأزمة، التي تُهدد بجفاف أكثر من نصف الرقعة الزراعية الحالية في البلاد، وارتفاع نسبة الفقر والبطالة في البلاد.

مواصلة المفاوضات

الخيار الأول بيد نظام السيسي يبدو في استمرار الوضع الراهن من خلال مواصلة المفاوضات الثلاثية بين الأطراف المعنية؛ أملاً في الوصول إلى اتفاق يُلبي تطلعات الجميع، ويتم من خلاله الاتفاق على نقاط الخلاف وكيفية الحد منها إلى أدنى مستوى ممكن.

ويلفت مراقبون إلى ضرورة أن ينتبه المصريون إلى أسلوب "المراوغة" الذي تنتهجه أديس أبابا من خلال اللعب على عامل الوقت وذلك بجلوسها على طاولة المفاوضات في كل مرة دون التوصل إلى اتفاق، وذلك بالتوازي مع العمل الذي يجري على قدم وساق للانتهاء من بناء السد والوصول إلى مرحلة ملء السد وتشغيله.

ويبقى هذا الحل "غير مضمون" في ظل قوة الموقف الإثيوبي على الأرض، كما أن الأخير يستند ويرتكز على "اتفاق المبادئ"، الذي وضعت فيه مصر "كل شيء بيد إثيوبيا بدعوى بناء الثقة بين البلدين".

ومثل الاتفاق، الذي وصفه محللون بـ"الكارثي"، اعترافاً مصرياً بـ "السد ومشروعيته دون شروط، وعدم الاعتراف بحصة مصر المائية"، كما أن القاهرة لم "تتحفظ على عيوب السد ولم تقدم اشتراطات".

تدويل القضية

أما الخيار الثاني فقد لوحت به مصر بالفعل؛ عندما طالبت بتدويل القضية وإدخال وسيط دولي للتحكيم في ظل تمسك كل طرف بمطالبه الخاصة بمقترحات ملء سد النهضة وتشغيله.

وقالت القاهرة، السبت (5 أكتوبر 2019)، إنها تتطلع لدور أمريكي "فعّال" في مفاوضات سد النهضة، مرحبة في الوقت ذاته بـ"التصريح الصادر عن البيت الأبيض، بشأن المفاوضات الجارية حول سد النهضة".

والخميس (3 أكتوبر)، ذكر بيان للبيت الأبيض أن الإدارة الأمريكية تدعم "المفاوضات الجارية للتوصل إلى اتفاق تعاوني ومستدام ومتبادل المنفعة بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي".

وشددت على أن "المفاوضات لم تفض إلى تحقيق أي تقدم ملموس، مما يعكس الحاجة إلى دور دولي فعال لتجاوز التعثر الحالي في المفاوضات، وتقريب وجهات النظر بين الدول الثلاث، والتوصل لاتفاق عادل ومتوازن".

وأكدت "انفتاحها على كل جهد دولي للوساطة من أجل التوصل إلى الاتفاق المطلوب".

سد النهضة

ويواجه المقترح المصري برفض من ثلثي أعضاء اللجنة الثلاثية، وهنا يدور الحديث حول الخرطوم وأديس أبابا؛ ما يعني صعوبة المضي قُدماً في هذا الطريق.

وقال وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي، سلشي بيكيلي، إن بلاده ترفض الوساطة من أي جهة، وإن التفاوض سيستمر بين البلدان الثلاثة من أجل الوصول إلى اتفاق. كما أكد رفض حكومته تقديم أي ضمانات بشروط مصرية لانسياب مياه نهر النيل.

بدوره أبدى وزير الموارد المائية والري السوداني، ياسر عباس، رفض بلاده مقترح مصر حول إشراك خبراء من أي طرف دولي آخر لحل أزمة سد النهضة.

وأعرب "عباس" عن ثقته باللجنة البحثية التي تم تكوينها بواسطة وزراء الخارجية ووزراء الموارد المائية ورؤساء الاستخبارات، من باحثين وخبراء من الدول الثلاث، لدراسة وتقديم سيناريوهات محددة لدراسة قواعد الملء الأول والتشغيل لسد النهضة.

وأقر عباس بوجود خلافات بشأن الملء والتشغيل في حال السنوات الجافة، وطالب بإعطاء مزيد من الوقت للجنة الفنية البحثية لحل التعقيدات.

الخيار العسكري

أما ثالث الخيارات وأخطرها فيتعلق باستخدام القوة، وقد لوّح به سابقاً مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير معصوم مرزوق، مؤكداً أن بلاده لديها الكثير من الأوراق التي يُمكن التعويل عليها، على حد قوله.

وأشار في حديث سابق لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن "مصر عرضت على إثيوبيا أن تكون قضية سد النهضة إما تعاوناً وإما صراعاً، ومصر اختارت التعاون الذي لم يحقق أي إضافة حتى الآن".

ولمَّح مرزوق إلى أن "استخدام القوة العسكرية لحل الأزمة أمر وارد الحدوث".

الأذرع الإعلامية التي رحبت سابقاً بتوقيع "اتفاق المبادئ" وخرجت الصحف القومية والخاصة بعنوان واحد هو "السيسي حلّها"، ترفع صوتها الآن معتبرة ما يجري بمنزلة "إعلان حرب، لا يُمكن أن يمر دون التصدي له بكل الوسائل".

السيسي حلها

وبدأت أصوات سياسية وعسكرية داخل مصر تُروّج لحتمية الحل العسكري وتدمير السد الإثيوبي "إذا لم يتم احترام المطالب المِصرية"، في ظل زيادة عدد سكان مصر وتجاوزهم حاجز الـ100 مليون نسمة، ما يستدعي زيادة حصتها المائية لا تقليصها.

وقبل الوصول إلى المرحلة الراهنة دأبت الأذرع الإعلامية المحسوبة على نظام السيسي على اتهام جماعة الإخوان والرئيس الراحل محمد مرسي بالتقاعس في قضية سد النهضة، إلا أن الأخير أبدى موقفاً حازماً على الهواء مباشرة، وذلك قبل شهر واحد من عزله.

وقال مرسي علناً وبدون أي مواربة: "إن نقصت مياه النيل قطرة واحدة فدماؤنا هي البديل"، ليرد عليه السيسي عندما كان وزيراً للدفاع بأن "الحل العسكري مستبعد في قضية سد النهضة".

وعاد السيسي، منتصف سبتمبر 2019، للحديث حول القضية لكنه اتهم هذه المرة "ثورة يناير 2011" بأنها هي من "تسببت في بناء سدود على نهر النيل"، في إشارة إلى "سد النهضة"، في محاولة للتنصل من مسؤوليته على مدار السنوات الست الماضية.

جدير بالذكر أن مصر عجزت تاريخياً عن مواجهة الأزمات التي ألمت بها بسبب انحسار نهر النيل وانخفاض الفيضان؛ لما تسببه من تراجع المحاصيل، وجفاف الضرع، وفراغ المخازن من حبوب القمح، وما يستتبعه من خراب ومجاعات.

مكة المكرمة