التعديل الجيني والأخلاق.. هل يحق للأهل اختيار صفات الجنين؟

هل سيمكنك الأطباء من اختيار لون عيون وشعر طفلك؟

هل سيمكنك الأطباء من اختيار لون عيون وشعر طفلك؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 15-09-2015 الساعة 16:15


مع التقدم العلمي المتسارع في وتيرته، والمبهر في نتائجه، تنبع الكثير من المسائل الأخلاقية المعقدة التي تناقش الرابط بين العلم والأخلاق، ومدى خضوع الأول للثاني، ومن هذه المسائل: أخلاقية تحكّم علماء الأجنة بجينات الطفل بأول أسبوع من الحمل، وتشكيل صفاته بحسب رغبة الأهل أو لاعتبارات صحية.

ومع أن ولادة أول طفل "تحت الطلب" قد تبدو أمراً بعيداً، إلا أن التقدم في هذا العلم متسارع لدرجة أن العقد القادم قد يحمل لنا أول حدث من هذا النوع.

ففي الوقت الحالي يستخدم العلماء والأطباء تقنية التحكم بالجينات من أجل علاج الأمراض، مثل سرطان الدم، عن طريق ولادة طفل يحمل صفات مناسبة للتبرع لأخيه الأكبر المصاب بالمرض. أو من أجل تجنّب الأمراض الوراثية عن طريق اكتشاف مواد وراثية تحتوي على خلل واستبدالها بجينات سليمة وراثياً ومن ثم إعادة الجنين إلى الرحم.

لكن من المتوقع أن تتعدى أهداف استخدام التقنية لتصبح من أجل اختيار لون العيون والشعر وقوة النظر والسمع وصفات أخرى، أي من أجل تحديد صفات الطفل الجسدية والذهنية قبل نموّه في الرحم، بحسب الهيئة التي يتمناها الأهل له، ودون علاقة بوضعه الصحي.

قد تبدو التجربة مثيرة للاهتمام، إلا أن الاستخدامات الثلاثة المذكورة أعلاه تخضع لنقاش أخلاقي حاد منذ عشرات السنين، وذلك لأن للمسألة إسقاطات على الصعيد الاجتماعي، ولن ينحصر تأثيرها داخل مختبرات العلوم. ففي حالة استخدام التقنية لتعديل جينات معتلّة عند جين معيّن والوقاية من الأمراض، ستزداد احتمالات إجهاض الأجنة برغبة من الأهل، أو لخطأ طبي بعد اكتشاف الخلل، وهو ما يطرح سؤال أحقية الإنسان بتحديد مصير غيره واتخاذ قرار بخصوص حقه في الحياة.

أما في الحالة الثانية؛ وهي التدخل الجيني من أجل ولادة طفل متبرع لأحد أقاربه المصابين بمرض السرطان مثلاً، فتحمل معها مسائل أخلاقية كبيرة؛ فهي ستؤثر من ناحية على نفسية الطفل المولود ونظرته لنفسه وأهله، لكونهم لم يرغبوا في إنجابه إلا من أجل أن "يستخدم" لشفاء فرد آخر من العائلة، فيشعر المولود بأن أهميته انتهت فور إنقاذ الأخ الأكبر، وأنهم لم ينجبوه لرغبتهم الكاملة به، ولم تؤخذ موافقته على الأمر.

إلى جانب ذلك، قالت دراسات تابعت حالات شفاء من السرطان بسبب تبرع أخ ذي جينات معدّلة، إن الأخ الأكبر بعد شفائه من المرض يشعر طوال الوقت بالامتنان الملزم للأخ المتبرع، في حين قد يشعر الأخ المتبرع بأنه تم استغلاله من الأهل أو من الأخ الأكبر، وهو ما يخلق علاقة مضطربة داخل العائلة. وإذا كان في العائلة أفراد آخرون لم يكونوا ملائمين للتبرع، فسيشعرون بتفضيل الأهل للطفل الأصغر عليهم، وأنه لا فائدة ترجى منهم إذ لم يستطيعوا المساعدة.

وفي حين تعتبر أول حالتين تحملان إلى حد ما اعتبارات طبية وصحية، يدور جدل كبير حول استخدام التعديل الجيني أو الهندسة الجينية بحسب رغبة الأهل لاختيار صفات لأسباب غير متعلقة بالأمراض. فعلى سبيل المثال يمكن للأهل اختيار جنس المولود، ولون عيونه، وكثافة شعره، وقدرته على السمع والنظر، ونسبة ذكائه، وقدرته على الركض، وعرضته لمرض الألزهايمر والسرطان.

وعليه، يثير الموضوع نقاشات حادة بين الأطباء، وقد كلّفت عدة لجان متخصصة بميثاق الأخلاق بالعمل الطبي لبحث مدى أخلاقية الأمر. فلهذه التقنية تداعيات عميقة على المجتمع والتنوع البشري، فإذا سنحت الفرص لكل أهل أن يختاروا شكل مولودهم فسيختار الأهل صفات تلائم المقبول السائد في المجتمع، الطفل الطويل مثلاً، وهو ما سيغيّر مع الزمن المقاييس المقبولة لما هو "طبيعي" وجميل، ليصبح الطفل القصير، الذي لم يمتلك أهله المال الكافي لتعديل جيناته، بنظر المجتمع، طفلاً "غير طبيعي"، أي إن المقاييس الطبيعية سيتمتع بها الأغنياء فقط.

إلى جانب ذلك، لم تثبت حتى الآن مقدار الأمان الذي تتمتع به هذه التقنية، فبحسب الدراسات الأخيرة فإن التعديل الجيني، واختيار الصفات، يحمل معه آثاراً جانبية على الأم فترة الحمل وعلى الجنين. فالتقنية لم تطوّر إلا داخل المختبرات، وبطبيعة الحال يحتاج الأطباء والعلماء إلى جيل كامل من الأطفال لتجربة التقنية وتعديلها وتطويرها بشكل مستمر لتصبح آمنة.

مكة المكرمة