بعد أن لسعها لهيب الصيف.. أوروبا تتجرع من كأس التغير المناخي

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/68rJkA

ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة بأوروبا

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 28-07-2019 الساعة 19:45

تجتاح القارة الأوربية منذ بداية صيف العام الجاري موجة حر غير مسبوقة، سجلت معها درجات الحرارة في العديد من بلدان القارة العجوز أرقاماً قياسية تسببت بعدد من الوفيات، بالإضافة إلى حرائق في مناطق متفرقة بعدة دول فيها.

وتجاوزت الحرارة في فرنسا عتبة 45 درجة مئوية الجمعة (28 يونيو)، وهي الأعلى التي تسجل في البلاد منذ البدء بتدوين سجلات الطقس في القرن التاسع عشر؛ ما تسبب بوفاة 4 أشخاص.

وفي مناطق بألمانيا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ وسويسرا، تجاوزت درجات الحرارة الأربعين درجة مئوية، وسجلت ألمانيا أعلى مستوى لها على الإطلاق إذ بلغت درجات الحرارة 40.5 درجة مئوية في بلدة "غايلنكيرشن" غرب البلاد بالقرب من الحدود البلجيكية.

ويربط مراقبون موجة الحر هذه بظاهرة تغير المناخ التي تجتاح العالم، حيث تسببت في الأعوام الماضية بارتفاع درجات الحرارة عالمياً، نتج عنها ظواهر مناخية قاسية لم تشهدها الأرض منذ عصر الثورة الصناعية (1750-1850).

وقالت كلير نوليس، المتحدثة باسم المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة: إن "الهواء الساخن الذي يتحرك من شمال أفريقيا لم يحطم درجات الحرارة القياسية في أوروبا فحسب، بل تجاوزها بدرجتين أو ثلاث أو أربع درجات مئوية".

وأكدت في إفادة صحفية للأمم المتحدة بجنيف، الخميس (26 يوليو)، أن "هذا الأمر غير معقول على الإطلاق".

موجة تهدد غطاء "غرينلاند" الجليدي

المتحدثة باسم المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أشارت إلى أن الهواء الساخن في طريقه إلى "غرينلاند".

وأوضحت أنه "تطور يبعث على القلق قد يجعل الغطاء الجليدي للجزيرة يقترب من انكماش قياسي شهده عام 2012، أو ربما يتجاوزه".

وتابعت نوليس: إن "هذا الذوبان سيتسبب في المزيد من ارتفاع درجات الحرارة، وسيؤدي إلى ارتفاع منسوب البحار".

و"غرينلاند" هي أكبر جزيرة في العالم، تقع بين منطقة القطب الشمالي والمحيط الأطلسي، وتبلغ مساحتها نحو 2.2 مليون كيلومتر مربع، ويوجد فيها ثاني أكبر كتلة جليدية بعد القارة القطبية الجنوبية، وتبلغ مساحة المنطقة الخالية من الجليد فيها 410.5 آلاف كيلومتر مربع فقط.

ويهدد ارتفاع منسوب مياه البحار المدن المنخفضة والجزر والصناعات في أنحاء العالم؛ وتتفاوت بصورة كبيرة التوقعات بمدى ارتفاع الزيادة وقرب حدوثها بسبب ارتفاع درجة حرارة المحيطات الناتج عن الاحتباس الحراري.

وأظهرت دراسة نشرتها مجموعة علماء من الولايات المتحدة الأمريكية وبلجيكا وهولندا، في دورية "نيتشر" العلمية البريطانية، أن درجة ذوبان غطاء غرينلاند الجليدي "استثنائية" على مدار الثلاثمئة والخمسين عاماً الأخيرة على الأقل، وأن استمرار زيادة المتوسط العالمي لدرجات الحرارة سيسرع بالذوبان وسيسهم في زيادة مناسيب مياه البحار.

وبحسب الدراسة فإن وتيرة ذوبان الغطاء الجليدي بدأت بالزيادة خلال العقد الأول من القرن التاسع عشر، وكان نطاق ذوبان السطح أكثر اتساعاً في عام 2012 من أي وقت في الثلاثمئة والخمسين عاماً الماضية، وكان الذوبان أكثر استمراراً وشدة ما بين عامَي 2004 و2013 من أي عشر سنوات أخرى مسجلة.

العلماء في دراستهم التي نشرت في ديسمبر 2018 قالوا: إن "العالم يشهد بالفعل مستويات لم يسبق لها مثيل من ذوبان الغطاء الجليدي وارتفاع منسوب المياه في غرينلاند أكثر من القرون القليلة الماضية، في تأثير مباشر لارتفاع درجة حرارة الأرض منذ حقبة ما قبل الثورة الصناعية".

وذكرت الدراسة أن استمرار زيادة المتوسط العالمي لدرجات الحرارة سيسرع بالذوبان وسيسهم في زيادة مناسيب مياه البحار.

إفساد المناخ يتسبب بالكوارث

موجة الحر التي تجتاح أوروبا هي الموجة الثانية من نوعها هذا الصيف؛ إذ كانت الموجة الأولى نهاية يونيو الماضي.

ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية بمنأى عن هذه الموجة؛ حيث سجلت أجزاء منها أرقاماً قياسية؛ وهو ما أدى إلى إلغاء سباق "الترياثلون" في مدينة نيويورك، الذي كان مقرراً الأحد (21 يوليو) لأول مرة منذ انطلاقه عام 2001.

بدورهم يؤكد العلماء أن التغير المناخي الذي سببه الإنسان تسبب بالعديد من الآثار في بيئة الأرض، وارتفاع درجات الحرارة واحدة من تلك الآثار.

مصطفى مولاي الطوزي، أستاذ الجغرافيا بجامعة محمد الخامس بالرباط، وصف تغير المناخ بأنه تهديد وجودي لن يستثني أحداً، والكوارث الطبيعية التي تجتاح الأرض في السنوات الأخيرة، من أعاصير وفيضانات وجفاف، كلها مؤشرات على ذلك.

وأضاف الطوزي في حديثه لـ"الخليج أونلاين": إن "الدول الصناعية الكبرى تعاملت بعدم اكتراث مع تحذيرات العلماء من ظاهرة الاحتباس الحراري، التي بدأت من منتصف القرن العشرين؛ حيث تسببت غازات الدفيئة بدمار للغلاف الجوي"، مؤكداً أن هذه الدول "هي المسبب الأكبر لهذا التلوث".

وتابع: إن "الآثار التي بدأت تظهر في العقد الأخير، جعلت هذه الدول تصل إلى قناعة أن الجميع سيدفع الثمن، وأن مستقبل الإنسان في خطر حقيقي".

وظاهرة الاحتباس الحراري هي عبارة عن ارتفاع بشكل تدريجي في درجات الحرارة في الطّبقة السفلى من الغلاف الجوّي للأرض خلال آخر مئتي عام؛ بسبب الارتفاع في انبعاث غازات الدّفينة مثل: ثاني أكسيد الكربون، والميثان، والعديد من أنواعِ الغازات الأخرى.

وبدأ علماء المناخ، منذ منتصف القرن العشرين، بجمع البيانات والمعلومات التي تدل على حدوث تغير في المناخ على مستوى كوكب الأرض.

هذه البيانات تشمل معدلات هطول الأمطار، وتيارات المحيطات، وهبوب العواصف.

وتشير جميع هذه المعلومات إلى وقوع تغيرات أساسية في مناخ الأرض منذ عهد الثورة الصناعية، وبأنها كانت نتيجةً مباشرةً للنشاطات البشرية والتغيير الذي يصنعه الإنسان في بيئة الأرض.

تعددت الأسباب والنتيجة واحدة

حول الأسباب التي أدت إلى موجة الحر الحالية، قال أستاذ الجغرافيا بجامعة محمد الخامس: "هناك عدة أسباب تقف وراء هذه الظاهرة، ورغم تعددها إلا أنها تعود إلى أصل واحد؛ هو غازات الدفيئة التي تعمل على تحويل الأرض إلى كرة مغلقة لا تنفذ منها الحرارة للخارج".

واستطرد قائلاً: إن "ارتفاع درجة حرارة مياه البحار والمحيطات يؤدي إلى تغيير نسبة توزيع الضغط الجوي المنخفض؛ ما يؤثر على حركة التيارات الهوائية، خاصة التيارات النفاثة السريعة في طبقات الجو العليا".

هذا بدوره يؤدي -بحسب الطوزي- إلى جلب المزيد من التيارات الدافئة من مكان إلى آخر، وهو ما حدث هذه المرة حيث تدفقت التيارات الحارة من الصحراء الكبرى باتجاه أوروبا.

وأكمل الطوزي حديثه بالقول: إن "سبباً آخر يقف وراء ارتفاع درجات الحرارة في كل العالم، وهو اختفاء السحب المنخفضة التي تساهم بتبريد الجو بشكل طبيعي؛ فزيادة كميات ثاني أوكسيد الكربون تتسبب بتفاعل مع هذه السحب المكونة من بخار الماء".

وأشار إلى أن الحسابات التي أجراها العلماء تظهر أن تضاعف مستوى ثاني أوكسيد الكربون إلى ثلاث مرات عن مستواه الحالي سيؤدي إلى اختفاء هذه السحب بشكل كلي؛ وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع الحرارة 8 درجات مئوية في عموم الكرة الأرضية.

جدير بالذكر أن العالم بذل جهوداً حثيثة برعاية الأمم المتحدة لإيجاد حلول لمشكلة الاحتباس الحراري.

وفي عام 2015 أبرم اتفاق عالمي لخفض انبعاثات غازات الدفيئة عرف بـ"اتفاقية باريس"؛ بهدف الحد من ارتفاع درجات الحرارة لتكون أقل درجتين مئويتين، ولكن وفقاً لحسابات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية لا توجد مؤشرات على التقليل من انبعاث ثاني أوكسيد الكربون.

وفي أكتوبر 2018، حذر تقرير للأمم المتحدة من أن الوقت ينفد لتفادي كارثة، وبأن تجنب فوضى مناخية عالمية سيتطلب تحولاً غير مسبوق للمجتمع والاقتصاد العالمي.

وما زاد المشكلة تعقيداً إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده، في يونيو 2017، من "اتفاقية باريس".

وانتقد ترامب مؤخراً الاتفاقية، ووصفها بـ"غير العادلة وغير الفعالة والمكلفة جداً"، وذلك في خطاب له، الاثنين (8 يوليو)، حول "القيادة الأمريكية للبيئة".

وقال في خطابه في البيت الأبيض: "نريد أنظف هواء، ونريد مياهاً نظيفة، وهذا ما نفعله".

وأضاف: "سندافع عن البيئة لكن أيضاً سندافع عن السيادة الأمريكية والازدهار الأمريكي وسندافع عن الوظائف الأمريكية".

ويرى الخبراء والناشطون في مجال البيئة أن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاقية، وعدم وفائها بالتزاماتها بخفض انبعاثات غاز الدفيئة؛ يهدد بالمزيد من التدهور في مؤشرات البيئة؛ حيث ستحذو الدول الصناعية الأخرى حذو أمريكا؛ ما يعني العودة إلى المربع الأول.

مكة المكرمة