صدمات الحروب عند اللاجئين.. آثار تتطلب "تحديث الذاكرة"

آثار الحرب على النفس أعمق مما نظن وعلاجها ضرورة قصوى

آثار الحرب على النفس أعمق مما نظن وعلاجها ضرورة قصوى

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 12-01-2015 الساعة 14:33


في خضم الحروب والاقتتالات الدموية التي تمر بها المنطقة العربية منذ سنوات، يتركّز اهتمام الناس على النجاة بأرواحهم بالهرب لمناطق آمنة بعيدة عن ساحات الحرب نزوحاً ليضمنوا بذلك سلامة أجسادهم.

لكن عبور الحدود لمناطق آمنة لا يعني فناء آثار الحرب، كما أن سلامة الجسد وتوفر أسباب البقاء من طعام وشراب ومأوى لا يعني سلامة النفس والروح والتي يعتبر علاجها موازياً بالأهمية للعلاج الجسدي.

تترك الحرب آثاراً نفسية أكثر تركيباً وعمقاً مما نظن في نفس من جرّبها وعاش تحت تهديدها وذاق صدماتها المتتالية، كما أن الكثير من آثارها تكون بعيدة المدى فتمتد طيلة عمر الإنسان وتؤثر على مجرى حياته كاملاً، سواء شعر بذلك أم لم يشعر؛ ويتجلى التأثير بدايةً في غالبية الحالات، بتطور اضطراب نفسي معروف في مجال علم النفس ويسمى بـ"اضطراب ما بعد الصدمة" أو (PTSD-Post Trauma Stress Disorder) باللغة الإنجليزية.

يرافق "اضطراب ما بعد الصدمة" أعراضاً متعددة، مثل صعوبة النوم ورؤية كوابيس متعلقة بالصدمة، وصعوبة بالتركيز والشعور بالخوف وفقدان السيطرة، وتضرر قدرة المصاب على التواصل الشخصي وضعف الثقة بالنفس واضطراب معاني الحياة والموت، وتجنّب الحديث عن أمور متعلقة بالتجربة، أو نسيان مقاطع مهمة، كما يشعر المصاب بأن التجارب الأليمة التي مرّ بها في أثناء الحرب ما زالت تعيش في ذاكرته، وأنه لم يعد الشخص نفسه الذي كان قبل التجربة.. هذا إلى جانب أعراض كثيرة أخرى تختلف بين حالة وأخرى.

ويعتبر الخبراء في علم النفس تجربة ما بعد الصدمة بأنها من التجارب الأصعب التي يمكن للإنسان أن يمر بها، إنها أشبه بشريط مصوّر يتكرر كل يوم ليجعل أيامه كلها شبيهة في ذهنه بيوم التجربة الأليمة الماضية، فترافقه مخاوف الماضي كأنها ستحصل الآن، فبينما يسيطر القلق والخوف على الإنسان- بالوضع الطبيعي- في أثناء تفكيره بالمستقبل بأمور يخشى حدوثها، يظهر المصابون بهذا الاضطراب قلقهم من أحداث مضت وانتهت، ويعيشون حالة خوف دائم وكأن العامل المهدد ما زال موجوداً.

بعد المرور بتجارب صادمة سواء كانت من جرّاء الحرب أو صدمات من نوع آخر، يحاول الإنسان منا التعامل مع الأحداث عن طريق كبتها وتجاهلها والمضي قدماً دون ذكر وجودها، أو التحدث عنها باقتضاب وقت الإجابة عن الأسئلة.

لكن إذا تخيلنا حياة الإنسان كلوحة تركيبية "بازل" سنجد أن الأحداث الصادمة التي مرّت في حياته هي عبارة عن قطع مفقودة بسبب الكبت، والمشكلة تكمن في كون هذه القطع المفقودة ليست مفقودة تماماً، هي مخبأة في مكان ما في العقل الباطن وتتحكم بخفية بتصرفات الإنسان وخياراته، تحدد تفاصيل حياته كلها دون أن يعي ذلك، وقد يصل هذا التحكّم إلى أبسط التفاصيل بالحياة اليومية، ككره لون معيّن أو تجنب المرور بطريق معيّنه لسبب يجهله الإنسان ولا يملك تفسيراً له.

لذلك، يهدف علاج المصابين باضطراب ما بعد الصدمة عامة، وصدمات الحروب خاصة، لاسترجاع هذه القطع المفقودة وإعطائها حجمها الحقيقي ووضعها في مكانها الصحيح.

- العلاج

تتنوع أنواع علاج اضطراب ما بعد الصدمة وفقاً للمدارس العلمية المعروفة، وقد تطوّرت في السنوات الأخيرة عدة طرق علاجية أثبتت فعاليتها، وأشهرها هو العلاج الذهني (CT) والعلاج الذهني السلوكي (CBT) والتي تعتمد جميعها بالأساس على معالجة التجربة الأليمة الماضية بطرق مختلفة.

ومن الأساليب المقبولة في العلاج هي "المواجهة" عن طريق التخيّل، وتتم عن طريق معالج نفسي مؤهل، والذي يقوم بدوره بالتوجه للمصاب بأسئلة تثير لديه ذكريات التجربة الأليمة بتفاصيلها ليتحدث عنها ويعيشها في خياله مرة أخرى ويصفها بلسان الحاضر؛ ومن ثم يسأله أسئلة متعلقة بالوقت الحالي، عن حياته ومكانه وجوده بالوقت الحاضر، وهو ما يسمى بـ"تحديث الذاكرة"، ومن شأنه أن يجعل المصاب يعي حقاً أن سبب التهديد قد زال، مما يخفف شعوره بالخوف ويزيد قدرته على التأقلم.

إلى جانب "المواجهة المتخيّلة"، يتبع المعالجون أسلوب المواجهة الحقيقية إذا توفّرت، أي القيام بزيارة موقع الحدث الأليم بشكل تدريجي، وطرح الأسئلة على المصاب هناك ودفعه لعيش التجربة مراراً وتكراراً بهدف أن يعي زوال الخطر الماضي ويعيد له قدرة التحكم بحياته.

من الجدير بالذكر أن أساليب العلاج المتبعة أعلاه تلائم المصابين الذين خرجوا من دائرة التهديد، وهو الأمر الذي يمكن تطبيقه على أرض الواقع فيما يخص اللاجئين مثلاً أو المهاجرين من ساحات الحروب إلى دول آمنة، في حين أن هناك حاجة لأساليب علاج مختلفة بالحالات التي يعيش فيها الناس تحت تهديد دائم، أي في حالات الحرب الطويلة كسوريا والعراق على سبيل المثال، أو الحروب المتكررة الحدوث مثل الحال في غزة وباقي فلسطين.

مكة المكرمة