التنجيم والأبراج.. استخدام سياسي وجدل يُعاد سنوياً

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/BwErd5

التنجيم

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 03-01-2020 الساعة 09:40

مع نهاية عام ميلادي وحلول آخر يتسابق جزء غير قليل من الناس لمتابعة آخر أخبار الأبراج لمعرفة أحداث السنة الجديدة العامة والخاصة، وما يحمله "برجهم" من أنباء وتأويلات وتوقعات لما قد يأتيهم من الغيب، وفق ما يظنونه أو يعتقدون به.

وبقي علم التنجيم بالأبراج محل جدل واسع منذ عُرف في العصور الغابرة وحتى اليوم، إذ رفضته الأديان وحرمته، فيما كان له العلم بالمرصاد، لما يحتويه من زيف وخرافات، خصوصاً مع دخوله في مجال التوقعات السياسية مؤخراً.

كما أن أعداداً كبرى من الناس تأخذ موقفاً مضاداً من الأبراج والتنبؤات وعلوم التنجيم، للأثر الديني الناهي عن التعامل بها، بالإضافة للخطاب العلمي العقلاني الذي يكشف "زيف ادعاءاته وعدم صحتها"، وإن كان ذلك لا يلغي وجوده كأمر واقع في المجتمعات الشرقية والغربية بشكل واسع.

استخدام سياسي

وفي العقد الأخير برز دور المنجمين بشكل لافت في بعض الدول العربية؛ ولا سيما سوريا ولبنان ومصر، حيث خصصت شاشات تسيطر عليها أجهزة المخابرات في تلك الدول حلقات مطولة مع المنجمين للحديث عن توقعاتهم للأعوام القادمة، والتي تتماشى من سياسات أنظمة حاكمة تواجه غالبيتها ثورات شعبية تطالب بإسقاطها.

ويعمل النظام السوري وحلفاؤه في لبنان مثلاً على تخصيص حلقة رأس السنة في العديد من القنوات التلفزيونية لمنجمين لمعوا خلال السنوات الماضية، ليتحدثوا عن تكهناتهم بخصوص ما سيجري خلال عام 2020 (وحصل ذلك في الأعوام الماضية) في سوريا وبلدان الربيع العربي، وصولاً إلى دول العالم الكبرى وسياساتها الخارجية.

وكانت من أبرز التوقعات ما جاء على لسان المنجم "مايك فغالي" لعام 2020 بخصوص سوريا وغيرها من الدول، فقد قال في الحلقة التي بثتها قناة "سما" التابعة لنظام بشار الأسد، في 31 ديسمبر 2019: إنه "سوف يتم السيطرة على كامل محافظة حلب من قبل جيش الأسد، وأنه سيتم الدعوة من قبل الدول العربية لمؤتمر مختص في إعادة إعمار سوريا".

وأضاف أنه "سيتم القضاء على الإرهاب وحصره في مناطق صغيرة"(في إشارة إلى المعارضة السورية)، مرجحاً أنه "قد تشهد سوريا زيارة كل من الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) والروسي (فلاديمير بوتين) لها من أجل بدء مرحلة جديدة".

وتنبأ فغالي أن السفارات المختلفة ستعود للعمل في سوريا، وتفتح أبوابها، وأنه سيتم محاكمة عدد من رموز الفساد في النظام السوري.

وتوقع فوز مرشح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الأمريكية القادمة في 2020؛ "ما يعني خسارة ترامب مرشح الحزب الجمهوري، ونشوب شبه حرب نووية في العالم".
 

فيما توقعت المنجمة ليلى عبد اللطيف، في برنامج "لهون وبس" على قناة "إل بي سي آي" اللبنانية، أن الشعب المصري سيدعم رأس النظام عبد الفتاح السيسي، والتوصل لوقف إطلاق نار طويل المدى مع الجهات المسلحة التي تقاتل في سوريا، كما يعلن حزب الله اللبناني سحب قواته من سوريا خلال العام 2020".

وتنبأت المنجمة بنجاح الانتفاضة في لبنان على المستوى البعيد، وخروج مظاهرات واسعة في الصين، وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
 

وقال الكاتب فؤاد عبد العزيز، في مقال له في صحيفة "زمان الوصل"، حمل عنوان "كذب المنجمون ولو صدقوا": "أذكر في الشهر الأخير من عام 2009، وكنت أعمل في تلفزيون الدنيا (سما حالياً)، أنه جاءهم إيعاز من المخابرات بضرورة تسجيل حلقة مع المنجمة ماغي فرح تتحدث فيها عن توقعاتها للعام 2010، بما فيها الأبراج، مع التركيز على برج الرئيس".

وأضاف: "أتابع بشكل جيد توقعات المنجمين السياسية على مدار العام ومع نهاية كل عام، لقناعتي بأن هؤلاء المشعوذين لا ينطقون عن فراسة كما يدعون، وإنما يعملون مع أجهزة المخابرات والأنظمة السياسية، التي تزودهم بالمعلومات التي يجب أن يوجهوا من خلالها الرأي العام في بلدانهم وفي البلدان الأخرى".

ما هو التنجيم عبر الأبراج؟

يُعرف علم التنجيم أو (Astrology)، بأنه مجموعة من التقاليد والاعتقادات حول الأوضاع النسبية للأجرام السماوية والتفاصيل التي يمكن أن توفر معلومات عن الشخصية، والشؤون الإنسانية، وغيرها من الأمور الدنيوية، ويسمى من يعمل فيه بالمنجم، ويطلق عليه أيضاً مشعوذ أو ساحر.

وظهرت العديد من التقاليد والتطبيقات التي تستخدم المفاهيم الفلكية منذ البدايات الأولى للتنجيم خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد، وكان للتنجيم دور هام في تشكيل الثقافة وعلم الفلك الأول، والعديد من التخصصات المختلفة على مر التاريخ.

ويعتقد المنجمون أن تحركات ومواقف الأجرام السماوية تؤثر مباشرة على الحياة فوق كوكب الأرض، أو أنها قد تتطابق مع الأحداث الإنسانية، حيث يعرف المنجمون المعاصرون التنجيم بأنه لغة رمزية أو شكل فني، أو نوع من أنواع التنبؤ بالمستقبل.

في حين أن الأبراج الفلكية هي تقسيمات دائرة البروج، أو مسار الشمس بـ 12 قسماً سماوياً، وما يُميّزها عن الكواكب أنها تقسيمات وضعت لتحديد خريطة للسماء مع جميع أجرامها، وهي تجمعات لنجوم مرئية بالعين المجردة.

وتعد الأبراج تقسيمات للدّائرة التي تمر فيها الشمس والقمر والكواكب الثمانية، وعدد الأبراج على دائرة البروج 12 برجاً، وهي تغطي جزءاً منها؛ كما تحمل الأبراج أسماء حيوانات وأشياء وشخصيات دينية وأسطورية، لكل منها 30 درجة قوسية على مسار الشمس.

وهي على التوالي: "الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان، الأسد، العذراء، الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو، الحوت".

ونشأ مفهوم الأبراج في علم التنجيم البابلي وتأثر لاحقاً بالثقافة "الهلنستية"، وعليه تأثيرات إغريقية ومصرية فرعونية قديمة، واستمر في تطوره تبعاً للبيئة التي ينتشر فيها وصولاً إلى العصر الحديث.

موقف الدين والعلم

ولم يخلُ التنجيم من الانتقادات في العصور التي سبقت العصور الحديثة والراهنة، بل كان كثيراً ما يهاجمه المتشككون الهلنستيون، وسلطات الكنيسة، وعلماء الفلك المسلمون في القرون الوسطى، مثل الفارابي، وابن الهيثم، وأبو ريحان البيروني، وابن سينا، وابن رشد.

وكان دحضهم لعلم التنجيم في كثير من الأحيان يعود لأسباب علمية (تعد الأساليب التي يستخدمها المنجمون تخمينية وليست تجريبية) ودينية (صراعات مع العلماء المسلمين والأرثوذكس).

وفي الدين الإسلامي كان رفض التنجيم وتحريمه بشكل قاطع، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد"، كما أن السحر يعتبر باباً من أبواب الكبائر وقد يكون من الكفر.

ومن الناحية العلمية ثمة أخطاء كبيرة في الحسابات الفلكية المعتمدة في الأبراج حالياً، مثل أن برج الشخص يتغير كل 18 سنة، وأن عدد الأبراج هو 13 برجاً وليس 12، كما أن تواريخ الأبراج ببداياتها ونهاياتها أيضاً تختلف تماماً إذا ما أخذت علمياً بالحسبان.

وقام ماك غريفي بدراسة على تواريخ ميلاد 16,634 عالماً و6,475 سياسياً ليبرهن أن ما ادعاه المنجمون بخصوص أن يكون المولودون "من برج العذارء" ضعيفي الشخصية هو ادعاء خاطئ، فقد تضمنت لوائح تواريخ الميلاد هذه علماء وسياسيين من مواليد "برج العذراء" مثل أي برج آخر، مما يفيد بأن التنجيم غير قابل للاختبار.

الخلط مع علم الفلك

كما أنه لم يكن سهلاً التمييز بين التنجيم وعلم الفلك قبل العصر الحديث، بالإضافة إلى وجود الرغبة للمعرفة التنبؤية، والتي تعد واحدة من العوامل الرئيسية الدافعة للرصد الفلكي، وبدأ علم الفلك يتباعد عن التنجيم بعد مدة من الانفصال التدريجي بدأ في عصر النهضة وحتى القرن الثامن عشر، وفي النهاية ميز علم الفلك نفسه باعتباره دراسة الأجرام الفلكية والظواهر دون اعتبار للمفاهيم الفلكية لتلك الظواهر.

ويدرس علم الفلك بشكل علمي الأجرام السماوية (مثل النجوم، والكواكب، والمذنبات، والنيازك، والمجرات) والظواهر التي تحدث خارج نطاق الغلاف الجوي (مثل إشعاع الخلفية الميكروني الكوني)، وتطور الأجرام، والخصائص الفيزيائية والكيميائية، وحركتها، بالإضافة إلى تكون وتطور الكون.
   
يجب ألا يكون هناك خلط بين تعريف علم الفلك القديم وبين علم التنجيم، وهو نظام يعتقد أن هناك علاقة بين الشؤون الإنسانية ومواضع الأجرام السماوية، حيث يختلف "علم التنجيم" عن علم الفلك تماماً، على الرغم من أنهما يتشاركان في الأصل، وفي جزء من الوسائل، وهو استخدام التقويم الفلكي.

وأعلنت الأمم المتحدة أن عام 2009 السنة الدولية لعلم الفلك، وهي تهدف إلى التأكيد على الوعي الجماهيري والتعامل مع علم الفلك.

ولعلوم الفلك دور بارز اليوم في قياس حالات الطقس، وحركة النجوم والكواكب، ودراسة نشاط الزلازل والبراكين والأعاصير، بالإضافة للكثير من المواضيع الفيزيائية التي تهم البشرية في خضم التقدم العلمي الحاصل.

مكة المكرمة