"أبو طبيلة".. حاربته التكنولوجيا وقهره "كورونا"

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/4vkbxw

"أبو طبيلة" تراث يعتز به أهل الخليج

Linkedin
whatsapp
السبت، 25-04-2020 الساعة 17:31

كان أول من نادى بالتسحير في شهر رمضان عنبسة ابن اسحاق ســنة 228هـ؛ إذ يسير من مدينة العسكر في الفسطاط، جنوبي القاهرة، إلى جامع عمرو بن العاص، وينادي الناس بالسحور.

في حين أن أول من أيقظ الناس على الطبلة هم أهل مصر. وكانت بعض البلاد العربية مثل اليمن والمغرب تعتمد على رجال يدقّون الأبواب بالعصي.

أما في الشام فكانوا يطوفون على البيوت ويعزفون على العيدان والطنابير وينشدون أناشيد خاصة بشهر "رمضان".

وتالياً انتشر في البلاد الإسلامية "المسحراتي" الذي يوقظ الناس للسحور في شهر رمضان، وهو يدق على طبلة، وينادي بعبارات معينة.

أبو طبيلة

وتختلف تسميات من يتولون مهمة إيقاظ الناس على السحور، وفي بلدان الخليج اشتهر من يتولى هذه المهمة باسم "أبو طبيلة".

وجاءت تسمية "أبو طبيلة" من الطبلة الصغيرة التي يحملها الشخص الذي يتولى مهمة إيقاظ الناس.

ويحمل "أبو طبيله" طبلته ويطوف بالأحياء في ليالي رمضان وقت الأسحار؛ ليوقظ الناس للسحور وهو يضرب على طبلته بعصا خشبية، ضربات منغمة بنسق معين.

أبوطبيلة

ويردد أبو طبيلة في أثناء سيره بين الأحياء وهو يضرب طبلته بعض الأدعية والعبارات التي تشجع الناس على الاستيقاظ من نومهم.

في البلدان الخليجية عُرف أن لكل حيّ أبو طبيلة خاصاً به، وتختلف النداءات التي يردّدونها كل بقدر اجتهاده ومعرفته بهذا المجال.

تراث خليجي

يعتبر أبو طبيلة تراثاً خليجياً لا يمكن تجاوزه عند استعادة تاريخ هذه المنطقة، وشخوصها ورموزها وطقوسها.

وهو أيضاً محبَّب لدى السكان، بارتباطه بالشهر الفضيل، وبمهمته الإنسانية النبيلة التي يتولاها، فضلاً عن حبّ الأطفال له.

ومع انطلاق شهر رمضان، يترقب الصغار والكبار موعد مرور أبو طبيلة قبل أذان الفجر بنحو ساعتين، فيخرجون من منازلهم أو يترقبونه من نوافذهم.

كل ذلك من أجل رؤيته وهو يمسك بطبلة صغيرة، يقرع عليها بطريقة لا تخلو من نغمة محبَّبة إلى النفس، ويردد الأهازيج والعبارات الدينية.

ويحرص الصغار على أن يبقوا متيقظين لكي يشاهدوا هذه الشخصية القريبة إلى أنفسهم، وبعضهم يسيرون خلفه حتى نهاية حيّهم.

أبوطبيلة

انقراض المهنة

أكثر من ألف عام مضت على ظهور هذه المهمة، أو المهنة بحسب ما يطلق عليها البعض، وعلى الرغم من ظروف عديدة مرت بها منطقة الخليج لم يتأثر "أبو طبيلة"، وبقي يمارس مهمته.

لكن التكنولوجيا كان لها فعل آخر، يبدو أنها فرضت ذاتها على وجود هذا التراث الخليجي المهم.

ففي حين كان الناس يعتمدون على أبو طبيلة لإيقاظهم في ليالي رمضان؛ لكونهم ينامون باكرين بعد أداء فروض الطاعة والعبادات، لم تعد اليوم هناك حاجة لهذه الشخصية لكي توقظهم.

ففي الغالب يسهر الناس حتى وقت السحور يقضون وقتهم بالانشغال في مواقع التواصل، وما تيسره التكنولوجيا الحديثة عبر الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة من خصائص تأخذ وقتاً طويلاً من ساعات اليوم.

فضلاً عن هذا فبوابة القنوات التلفزيونية العربية كثيرة وبالمئات، توفر مشاهدة جاذبة من خلال ما تقدمه من برامج مختلفة وأفلام ومسلسلات، فضلاً عن آلاف القنوات الأجنبية.

لكن في البلدان الخليجية ما زالت هناك محاولات للحفاظ على القيمة التراثية لشخصية أبو طبيلة، وذلك من خلال دعمه للظهور في بعض الأحياء.

"كورونا" وأبو طبيلة

ولـ"كورونا"، الفيروس الذي أرعب العالم، تأثير أيضاً على التراث الخليجي.

هذا الفيروس الذي يستمر في رفع أعداد الإصابات في بلدان الخليج، اضطرت الأخيرة إلى اتخاذ تدابير عديدة من أجل مواجهته.

وكان من بين هذه الإجراءات، حظر التجول، ومنع اختلاط الناس؛ وبذلك فإن عديداً من العادات الرمضانية التي تتطلب الاختلاط والسهر لن تشاهَد في هذا الشهر.

وعليه فإن بعض المدن الخليجية التي ما زالت تحافظ على تراث "أبو طبيلة" وتسعى للإبقاء عليه -وهي قليلة- لن تتمكن من الحفاظ على مسعاها هذا. 

الكاتب الكويتي فخري هاشم السيد رجب كتب في مقال له بصحيفة "القبس" المحلية حول هذا الشأن.

وقال: "في ظل التفشي الكبير للنوازع الإنسانية، وفي ظل افتقاد الكثيرين لإحساسهم بإنسانيتهم، وفي ظل امتلاء الكون كله بِشر بلاءٍ سمّوه كورونا، حيث خيبات الأمل تنتقل من مكانٍ الى آخر، وقد باتت وسائل الإعلام قاطبةً تحمل عنواناً واحداً، يطل علينا شهر عظيم هو خير الأشهر".

وأضاف: "أما نحن فنعيش عصر المعلوماتية، الذي أبكى الأرض وسلبها كل القيم الإنسانية، وما تبقى منها ما هو إلا شكل للاستعراض والتبجح واستغلال الفرص للظهور".

وتابع: "لقد عشنا في كويتنا الحبيبة حالةً خاصةً ككل شعب مسلم له طقوسه الرمضانية البريئة من كل تشويش، كنا نبدأ الشهر الفضيل برؤية الهلال ولا ننتظر إعلانه عبر شاشات التلفزة، ونبدأ بشعائرنا الدينية".

وذكر معبراً عن اشتياقه إلى أبو طبيلة: "أما أبو طبيلة فهو قصة أخرى، فيها من الشعور بحب الانتظار ما يكفي لكي نشتاق إلى ذلك الموروث الذي انقرض".

مكة المكرمة