أخت بلال بن رباح.. 30 عاماً من العبودية تنتهي بالترشح لبرلمان موريتانيا

الرابط المختصرhttp://cli.re/LMANam

هابي بنت رباح

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 01-08-2018 الساعة 10:25

"30 عاماً من العبودية".. ليست عنواناً لفيلم تراجيدي؛ بل هي رحلة حياة هابي بنت رباح في أغلاها، والتي كسرتها اليوم لتصبح وجهاً حقوقياً في مورتيانيا؛ بل وتُنافس على دخول البرلمان بالانتخابات التي ستُجرى في سبتمبر المقبل.

تروي هابي بنت رباح، قصتها مع العبودية، قائلةً إنها كانت طفلة في الرابعة عندما أُخذت من أمها إلى منطقة "المذرذرة"، وظلت هناك حتى يوم استعادتها حريتها، بحسب مقابلة معها نشرتها هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" اليوم الأربعاء.

وبعد أن تحررت عام 2008، انضمت إلى حركة "إيرا" الحقوقية، المناهضة للعبودية في موريتانيا، والتي كان لها الفضل في إنقاذها من "براثن ووحشية" المالك، بحسب تعبيرها.

- حياتها الاجتماعية

تعيش هابي، حالياً، في خيمة مع ابنها، البالغ من العمر 11 سنة، والذي أنجبته من مالكها الذي "اغتصبها".

يساعد هابي في قوتها اليومي حركةُ "إيرا" التي تنتمي إليها، وفي هذا الصدد تقول: "خيمتي تكفيني، إنها خيمة الكرامة، يكفيني الآن أنني امرأة حرة، غذائي هو حريتي وكرامتي، ويساعدني الأصدقاء والمعارف في قوتي اليومي إلى جانب الحركة".

تتحدث "بنت رباح" عن طفولتها فتقول: "عندما أخذني المالك من أمي، كان عمري أربع سنوات، كانت لي شقيقان وأخت صغرى، وكان ذلك آخر يوم أرى فيه وجوههم إلى أن تم تحريري".

الخيمة التي تسكن بها هابي

كانت هابي تظن، ببراءة طفلة، أن المالك الجديد أخذها لتكون مثل بناته؛ تلبس وتأكل وتفعل ما تشاء، ولم تدرك أنها أصبحت "أَمَةً" في ذلك المنزل مدى الحياة، تعمل بلا أجر وأحياناً بلا طعام ولا رحمة. لكنها أدركت أنها "مجرد عَبْدَة" هناك وعليها إطاعة أوامر كل أفراد عائلة المالك دون اعتراض.

- حياة العبودية

تقول هابي: "لم أكن أُعامل كإنسان، كنت آكل بقايا الطعام، وإن لم يبقَ منه شيء، كان عليَّ النوم من دون طعام. أما نومي فكان مع الدواب والإبل أو في المطبخ أو أي مكان، لم يكن لي مكان ثابت أنام فيه".

قامت بأعمال الكبار منذ نعومة أظافرها، وعندما كبرت قليلاً، كان عليها القيام بجميع الأعمال المنزلية والرعي وإطعام الدواب وأفراد المنزل.

لم يكن سهلاً عليها حمل الماء على ظهرها أميالاً، كما لم يكن سهلاً عليها تنظيف المنزل وتجهيز الطعام وخدمة المالك وزوجته وأبنائه، ومع كل ذلك، كانت تُضرب لأبسط الأسباب، كما تقول.

ولفتت هابي إلى أنه لم تكن نساء العائلة يُظهرن من الرحمة أو الشفقة على حالها شيئاً، "كانت تُعامل تماماً كما الأنعام!"، ولم يكن باستطاعتها الغياب دقائق من أجل الصلاة؛ إذ كان عليها أن تستأذن في "كل تصرُّف مهما كان حجمه".

وتضيف: "لم يكن المالك يسمح لي بالصلاة، ودائماً ما كان يردِّد أن روحي وضيعة ولا تستحق الصلاة، وأنني هنا فقط للعمل".

أما زوجة المالك، فلم تعترض قط على اغتصاب زوجها لهابي؛ بل كانت "لديهم قناعة بأن الإنجاب سيزيد من ثروتهم البشرية، أي المزيد من العبيد للعمل بلا أجر"، بحسب ما ترويه "بي بي سي".

هابي بنت رباح

أنجبت هابي طفلين من مالكها؛ الأول توفي؛ إذ وُلد معاقاً عندما كان في الخامسة من عمره. أما ابنها البالغ من العمر 11 عاماً، فيعيش معها، وكانت قد حصلت عليه من المالك "الذي رفض تسليمه لها في البداية"، إلى أن ساعدها الحقوقي بيرم ولد الداعبيدي زعيم حركة "إيرا".

وفي هذا الصدد، تقول: "أنا فخورة جداً بابني، وسأعمل ما بوسعي ليصل إلى أعلى الدرجات".

وعن محاولتها أو أي من أفراد أسرتها تقديم شكوى لدى الشرطة بحالة استعبادها، تقول: "لَم تأخذ السلطات شكاوى العبيد على محمل الجد، كانوا يقفون إلى جانب المالك، بحجة أن العبيد من أفراد عائلة المالك".

وتضيف: "كيف للشرطي أو القاضي أو أي من رجال السلطة إنصافنا إذا كانوا هم أنفسهم يملكون عبيداً، وعلى الأرجح يعاملونهم المعاملة السيئة نفسها؟".

- التحرر 

وشرحت هابي عملية تحريرها من المالك، وما إذا كانوا قد دفعوا مالاً أو حُررت بطرق أخرى، تقول: "كان أخي بلال هو الآخر عبداً، لكنه هرب من مالكه، مستنجِداً بنشطاء من حركة إيرا الحقوقية المعارضة للحكومة، فساعده ولد الداعبيدي كما ساعدني وساعد الكثيرين من قبلُ، والذي ما يزال يعمل على نشر أفكار التحرر من العبودية في عموم البلاد".

وحركة "إيرا" حركة حقوقية مناهضة للعبودية، تهدف إلى الدفاع عن حقوق "الحرَّاطين" الذين يعانون العبودية في موريتانيا، وهي غير مرخصة وغير قانونية في البلاد.

أسَّسها الحقوقي بيرم ولد الداعبيدي عام 2011، بهدف القضاء على نظام الرق والعبودية الذي ما زال سائداً في موريتانيا إلى وقتنا الحالي. وكان الداعبيدي من الأرقّاء السابقين قبل تحرُّره هو الآخر.

وتركز الحركة على محاربة العبودية والتمييز العنصري من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين. وتُتهم الحكومة الموريتانية بالتستر على ظاهرة الرق والاستعباد، بعدم معاقبة مالكي العبيد الذين يمارسون العبودية.

- معاقبة الضحية

تقول هابي بأسفٍ: "الأمور هنا في موريتانيا على العكس تماماً، فإذا ذهبت إلى الشرطة لتقدم شكوى ضد حالة عبودية، أو خرجت في مسيرة مناهضة لها، فإن من سيُقتاد إلى السجن هو المستعبَد وليس المالك، والتهمة الجاهزة هي الانقسامات العرقية والتمييز العنصري"، بحسب "بي بي سي".

وتتحدث هابي اللهجة "الحسانية"، وهي أقرب لهجة إلى العربية الفصحى والتي يتحدث بها معظم السكان، كما تُستخدم إلى جانب اللغة العربية في البرلمان.

هابي بنت رابح

وعلى الرغم من أن اللغة الفرنسية هي السائدة؛ لكون البلاد كانت مستعمرة فرنسية، فإن اللغة الرسمية هي العربية، وهناك لهجات أخرى منتشرة في البلاد؛ مثل: الفولارية، والأمازيغية، والسوننكية، واللوفية التي تتحدث بها أقليات أخرى في البلاد.

- الدخول في الحياة السياسية

دخلت هابي السياسة وترشحت في الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في سبتمبر المقبل، معلنةً عن تجربتها المؤلمة، وقررت أن تتكلم بصوت عالٍ عن محنتها مع الآلاف من الموريتانيين الذين لا يزالون قيد العبودية.

وبخصوص ترشُّحها عن حركة "إيرا" غير المرخصة، تقول: "لقد عقدنا شراكة مؤقتة مع حزب الصواب القانوني في البلاد، وأنا واثقة بفوزي؛ لأنني صوت الأغلبية الفقيرة التي ما زالت مستعبَدة منذ عقود طويلة، وسأعمل بكل جهدي ولن أستسلم ما حييت، من أجل القضاء على العبودية".

وتقول إنها تعلمتْ من خلال تجربتها، أن تكون "قوية وذات إرادة صلبة"؛ للمطالبة بالمساواة بين المواطنين، ومحاربة العبودية في موريتانيا، والعمل على ذلك جدياً من أجل "إقامة مجتمع حر".

لم يكن هناك خيار أمام هابي "سوى مواجهة الأسياد والإقطاعيين الذين استعبدوها وما زالوا يستعبدون ويستغلون الفقراء وينتهكون القانون الذي صدر عام 2007 والذي يقضي بتجريم العبودية".

وتقول: "أطرق الأبواب، وأتحدث إلى مجموعات من الناس كل يوم؛ لأشرح لهم أنني قضيت 30 عاماً في العبودية، ولم يعترني أي يأس ولن أستسلم؛ بل سأواجه جميع من يملكون العبيد؛ ورجال الدين الذين يشرعنون العبودية بفتاواهم؛ والحقوقيين الذين يصمُّون آذانهم وينكرون وجود العبودية في البلاد".

- العبودية في موريتانيا

والعبودية في موريتانيا ليست ظاهرة جديدة؛ إذ كانت منتشرة بشكل واسع بين جميع فئات المجتمع، بشكل علني، منذ استقلال البلاد في ستينيات القرن الماضي، سواء كانوا من الأقلية العربية الحاكمة حالياً، أو من الأفارقة.

ورغم أن قانون الرق قد أُلغي رسمياً عام 1982، فإن نشطاء حقوق الإنسان و"الحرَّاطين" يؤكدون وجود الآلاف من حالات العبودية في عموم البلاد أمام صمت الحكومة، في حين تنفي الحكومة ذلك وتؤكد أنها تعمل بكل جهدها للقضاء على هذه الظاهرة.

يحكم البيضان الصحراء الغربية في موريتانيا، وهي الأقلية العربية التي يُطلَق عليها اسم "المور البيض" -أي (الموريتانيون البيض)- الذين يسيطرون على اقتصاد البلاد والحكومة ومعظم مؤسسات الدولة.

و"المور السود" (الموريتانيون السود) -أو ما يُطلَق عليهم اسم "الحرَّاطين" (العبيد السابقين)- الذين يشكلون الغالبية من سكان البلاد؛ من الفلاحين والفقراء الموريتانيين ذوي البشرة الداكنة.

ويرى المور البيض أن المور السود "ورثوا حالة العبودية، وأنه لَأمر طبيعي أن يعامَلوا تلك المعاملة"، علماً أنه تم تجريم العبودية رسمياً عام 2007.

لكن "السلطات لا تزال تجد لهذا الوضع أسماء بديلة؛ للتهرب من المسؤولية، والاستمرار في استعباد المور السود"، كما تعتقد هابي.

مكة المكرمة