"أدالبة" سوريا.. لا يصلح الحطب ما أفسده الأسد

يتدفأ سكان ريف إدلب بحطب أشجارهم ويختبئون في المغارات من طيران ومدافع وصواريخ نظامهم

يتدفأ سكان ريف إدلب بحطب أشجارهم ويختبئون في المغارات من طيران ومدافع وصواريخ نظامهم

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 17-11-2014 الساعة 14:53


كلما ذُكرت إدلب في سوريا قُرنت بمفردة الخضراء؛ فهي، على كل لسان سوري: إدلب الخضراء، وهو لقب مختصر لكثافة أحراجها وغاباتها وجبالها الخضراء التي تتمتع بجمال أخّاذ. غير أن هذا الاخضرار يرفع يده ملوّحاً بالرحيل لأصدقائه من أبناء الريف الإدلبي.

فبعدما حرم نظام الأسد وحواجزه وقصفه اليومي "الأدالبة" من مادة المازوت "المتخصصة" في تدفئة السوريين مذ "جرت" هذه المادة على أرض سوريا، لم يجدوا أمامهم إلا "الفأس"؛ فراحوا يفتكون بواحدة من أحب موجوداتهم الطبيعية: الشجرة.

"الأدالبة"، وهم مكرهون، يقطعون الشجر ليحصلوا على دفء يسري في دمائهم أمام شتاء سوري لا يرتبط بأي علاقة مع الرحمة، مثل النظام، وهم يفعلون ذلك عملاً بمثل السوريين الشهير: "شو اللي جابرك على المرّ إلا الأمرّ!"، وهدفهم النهائي: الدفء الذي لم يجدوه في مكان آخر من هذا العالم "البارد" بطقسه ومشاعره.

ويتربع على عرش محاصيل ريف إدلب الزيتون؛ فـ"الأدالبة"، كما يعرفون في سوريا، يرتبطون مع شجرة الزيتون بعلاقة حبّ؛ بل عشق، لا تنفصم عراها؛ إذ لا تكاد تجد بيتاً إدلبياً واحداً خالياً من صحن الزيتون، الأسود أو الأخضر، على مائدة إفطاره.

وهذه الشجرة "الحبيبة"، تتمتع بنفوذ واسع في وجدان "الأدالبة"، وحضور عريق في قلوبهم، إذ تتخطى قيمتها المعنوية أضعافاً مضاعفة قيمتها المادية في مرحلة ما قبل الثورة؛ التي أبلى الريف الإدلبي فيها بلاءً حسناً، سلماً وحرباً.

"أبو محمد خرزوم" متخصص في "قطع الأشجار"، وربما قطع شرايين الحياة لأهالي إدلب، قال لوكالة الأناضول: "إن الكثير من الأهالي يقومون باستدعائه من أجل هذا العمل، وإن معظم هذه الأشجار لا تعاني من أمراض بل هي في حالة جيدة ومنتجة".

أما "أبو وجيه"؛ المواطن الإدلبي، فلم يجد أمام ألمه المكبوت على شجيراته "الحبيبات" أحداً يفرغ فيه احتقانه سوى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، والحكومة المؤقتة؛ اللذين حملهما مسؤولية المآسي التي يعيشها المواطن في المناطق المحررة، متهماً إياهما بالتقصير.

لم يستعر "الأدالبة" من ماضيهم حطب التدفئة فقط، بل إنهم تلبسوا ثقافة هذا الماضي كلياً، واستعاروا من تاريخهم "الحنون" المغارات والكهوف التي وفرت لهم، من نيران بشار الأسد رئيس النظام السوري، أمناً وأماناً، ضاق العالم، على اتساعه، عن توفيره.

ففي صخور الكهوف، وبين أحجار المغارات "الصمّاء"، وجد "الأدالبة" ما افتقدوه عند "الأحياء". وجدوا ما يقيهم القصف الجوي والمدفعي والصاروخي، وحتى الكيميائي، وهذه المفارقة بالذات هي ما يزيد "الأدالبة" ارتباطاً بأرضهم، وعناداً ثورياً فوق عنادهم.

وهكذا يكون "الأدالبة" هم من أكثر شعوب الدنيا "تصالحاً" مع تاريخهم القريب و"رجوعاً" إليه؛ فهم الآن يتدفؤون على نار الحطب من شتاء سوريا، ويختبئون في المغارات والكهوف من نظامها، ويشربون المياه الجوفية من مائها، تماماً كما كان يفعل أجدادهم قبل مئة عام.

وصحيح أن "الأدالبة" يزورون تاريخهم في مغاراتهم، ويسير دفء حطبه في دمائهم، غير أنهم يحتفظون بحزن، يشبه ذاك الذي حمله من سار يوماً بعكس آلة الزمن، مكرهاً لا متخيراً.

علاقة "الأدالبة" بموجوداتهم الطبيعية من شجر وحجر عمّقت عندهم مفهوم النص القرآني: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى"، وزادتهم وعياً بارتباطهم بأرضهم، وتحصيناً ضد محاولات الصواريخ والقنابل الثقيلة والبراميل المتفجرة التي تحاول، يومياً، إبعادهم عنها.

وفي ما يتصل بعلاقة "الأدالبة" بنظام الأسد؛ فإن المارَّ بين مجالسهم؛ يسمع صخباً عالياً في كل ركن وزاوية برسالة واحدة موحدة: "لا يصلح الحطب ما أفسده الأسد".

مكة المكرمة