أكشاك الفتوى بمصر.. مواجهة للتطرف أم تفعيل لـ"المخبر الأزهري"؟

السيسي يُظهر إسلامية الدولة من خلال أمور سطحية

السيسي يُظهر إسلامية الدولة من خلال أمور سطحية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 21-07-2017 الساعة 11:52


في خطوة جديدة لإقحام مؤسسة الأزهر في حرب الدولة المصرية على ما تعتبره تشدداً دينياً، فوجئ المصريون الأسبوع الماضي بوجود أكشاك للفتوى في محطات مترو الأنفاق، الأمر الذي أثار انتقادات البعض وسخرية البعض الآخر.

أكشاك الفتوى التي تشبه إلى حد كبير تلك الموجودة في الحرمين المكي والمدني بالسعودية، تهدف إلى "حماية المواطنين من المتشددين والتكفيريين الذين يستحلّون دماء الغير من خلال الفتاوى"، وفق ما صرّح به الدكتور محيي الدين عفيفى، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، الخميس 20 يوليو 2017.

عفيفي قال في تصريحات لصحيفة "اليوم السابع"، المصرية، إن هذه الأكشاك ستكون فى عدد من محطات المترو، وإنه سيتم إنشاء مقرات للفتوى في كل محافظات الجمهورية، في محاولة من مشيخة الأزهر لإغلاق الطريق على الفتاوى المتشددة، حسب قوله.

ووفقاً للأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، فإن إنشاء هذه الأكشاك "يمثل جزءاً من مواجهة الإرهاب وحماية المجتمع من المتطرفين من خلال علماء الأزهر المؤهلين".

لكن ثمة تساؤلات بشأن تعريف التشدد والتطرف الذي يسعى الأزهر لمواجهته من خلال هذه الأكشاك، لا سيما أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عُرف خلال السنوات الثلاث الماضية بربطه الدائم بين الإسلام والإرهاب، فضلاً عن مطالباته التي لا تتوقف للأزهر بتجديد الخطاب الديني، من دون الإفصاح عن طبيعة هذا التجديد.

بعض أحاديث وتلميحات السيسي كشفت عن رغبة في التلاعب بأمور تدخل في صميم الشريعة، وهو ما بدا جلياً في الهجوم الشديد على عدد من القادة الإسلاميين وما استتبعه من تغيير للمناهج الدراسية التي باتت خالية من شخصيات كصلاح الدين الأيوبي وعقبة بن نافع، وغيرهما ممن تعتبرهم السلطات رموزاً للعنف والتطرف.

ومع تباطؤ الأزهر الشريف في الاستجابة لمطلب التجديد، شن إعلاميون موالون للسيسي هجوماً عنيفاً على شيخه الدكتور أحمد الطيب، واتهموه بدعم التطرف والإرهاب، في حملة وصلت إلى حد المطالبة بتعديل الدستور على نحو يمنح الرئيس حق إقالته، عكس المعمول به حالياً.

وفي أبريل 2017، سحب السيسي ملف تجديد الخطاب الديني من مؤسسة الأزهر، التي شهدت علاقتها بالنظام تأرجحاً بعدما اعتبره تأخراً منها في مواجهة الأفكار المتطرفة التي فاقمت من العمليات الإرهابية ضد الجيش والشرطة، قبل أن تنتقل إلى عمق المدن المكتظة بالسكان، كما يقول.

وأعلن السيسي إنشاء مجلس أعلى لـ"مكافحة التطرف والإرهاب" في مصر، ضمن قرارات أصدرها بعد اجتماع مجلس الدفاع الوطني الذي أعقب هجومين على كنيستين في مدينتي طنطا والإسكندرية (شمال)، وأسفرا عن مقتل 45 شخصاً، بينهم 7 من رجال الشرطة في الـ9 من أبريل 2017، الأمر الذي اعتبره البعض بمثابة إحالة الأزهر إلى التقاعد.

وبعد معركة تصريحات حامية الوطيس بين الأزهر ومؤيدي السيسي، وصلت إلى حد إصدار شيخ الأزهر بياناً قال فيه صراحة إن وظيفة الساسة هي حفظ كرامة المواطن وحماية حقوق الإنسان وليست تجديد الخطاب الديني والولوج إلى مسألة الفتوى، وذلك قبل أن تخيم حالة من الهدوء بين الطرفين إثر لقاء شيخ الأزهر والبابا فرنسيس الثاني، بابا الفاتيكان، خلال زيارة الأخير لمصر، أواخر أبريل 2017.

اقرأ أيضاً :

نزاع بين المصريين وحكومتهم.. ما حكاية جزيرة الوراق وما أهميتها؟

- تفكير سطحي

وأثارت أكشاك الفتوى حفيظة عدد من مؤيدي السيسي، حتى إن النائب محمد أبو حامد، وكيل لجنة التضامن الاجتماعى والأسرة لمجلس النواب، اعتبر أن هذه الأكشاك "تعكس الفهم السطحي لتطوير الخطاب الديني"، مؤكداً أنها ستفتح مجالاً لتداول أفكار متطرفة، "كما أنها تمثل مظهراً من المظاهر التي تتنافى مع الدولة المدنية".

وأضاف أبو حامد في تصريحات صحفية، أنه سيتقدم بطلب إحاطة لرئيس الوزراء؛ لسؤاله كيف سمح بإنشاء هذه الأكشاك التى تتعارض مع ما ورد بالدستور وما نص عليه من أن مصر دولة مدنية؟!

وعلى المستوى الشعبي، تُظهر صور نشرتها مواقع إخبارية مصرية إقبالاً ضعيفاً جداً للحصول على الفتوى من هذه الأكشاك، في حين كانت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة للسخرية من الأمر برمته.

عبد العليم صالح، يرى أنه لا حاجة للمواطن بهذه الأكشاك، مضيفاً بلهجة ساخرة: "أكيد الواحد مش هيتزنق في فتوى وهو في المترو". وفي حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أكد صالح (34 عاماً) أن كل شخص يعرف الحلال والحرام؛ فهذه الأمور لم تعد بحاجة لمن يشرحها حالياً، حسب قوله.

ويضيف صالح (الذي يعمل مندوباً للمبيعات)، أن ثمة هدفاً سياسياً بحتاً من هذه الفكرة، وإن لم تتضح حالياً فسوف تتضح لاحقاً، لكن الأكيد أنها متعلقة بالحرب على الإخوان المسلمين، كما يقول.

وفي السياق، يقول رمضان محمود (عامل بمقهى)، إن هذه الأكشاك ستوفر فتاوى من نوعية الشيخ علي جمعة (مفتي البلاد السابق المعروف بفتاواه المثيرة للجدل والتي أباح بعضها قتل المعارضين)، مضيفاً لـ"الخليج أونلاين": "ربما نرى هؤلاء المشايخ يبيعون السجائر في هذه الأكشاك بعد فترة".

- سلاح ذو حدين

في المقابل، يرى عبد الله الشربيني (طالب في المرحلة الثانوية)، أن هذه الفكرة ككثير من الأفكار تحمل بين طياتها مزايا وعيوباً كثيرة، وإن كانت جميعها تصب في الجانب السياسي والأمني، حسب قوله.

وفي حديثه لـ"الخليج أونلاين"، يقول الشربيني (17 عاماً): "النظام يخشى اندلاع ثورة إسلامية؛ ومن ثم فهو يبعث من خلال الأمور رسالة للمواطن بأن الدولة مسلمة وستظل مسلمة، ولو من خلال أمور سطحية كهذه"، لافتاً إلى أن "السيسي الذي أغلق مئات المساجد في عموم مصر، هو نفسه الذي أقرّ رفع الأذان في محطات المترو أيضاً".

ويعتقد الشربيني أن الهدف من هذه الأكشاك قد يكون رغبة أجهزة أمنية في عمل ما يشبه استطلاع للرأي، من خلال معرفة ما يشغل الناس من فتاوى، وهل الوضع السياسي حاضر في تساؤلاتهم أم لا، وما درجة حضوره"، مشيراً إلى أن "الوضع قد يكون مجرد وضع (مخبرين) في ثياب أزهرية؛ لرصد حالة الغضب لدى العوام، ومن ثمَّ فوضع خطط لمواجهة أي تحرك على أساس ديني، قد يترتب على اتخاذ قرارات أو الإمعان في ممارسات بعينها"، بحسب تعبيره.

وقد يكون الهدف من وراء هذه الخدمة أيضاً، "تسريب أفكار الدولة ورؤيتها الدينية إلى عقول العوام، وتحويل رجال الأزهر إلى أذرع على غرار الأذرع الإعلامية والسياسية، خاصة أن كثيربن يثقون برجل الدين"، حسب رأي الشربيني.

كما أن هذه الخدمة تعكس تجاهل الدولة لمشاعر غير المسلمين، فالمترو وسيلة المصريين الأولى للتنقل، وطبعاً لن تكون هناك أكشاك فتوى للمسيحيين، وعلى هذا، فمن الأجدى للدولة أن توجه هذه النفقات لرفع درجة الوعي وتطوير التعليم، خاصة أنه لا توجد وظيفة اسمها "شيخ"، يقول الشربيني.

أما عن فوائد الخدمة، فهي أنها أيضاً في وسيلة التنقل الأكثر استخداماً؛ ومن ثم ستتيح السؤال لمن لا يستطيع الذهاب لمشيخة الأزهر، كما أنها ستقدم الفتوى في شكل بسيط وسهل، رغم ما تحمله هذه البساطة من مخاطر.

مكة المكرمة