الأفارقة المقدسيون.. قصة حج وصمود ورفض للتطبيع

أفارقة القدس.. سجناء البلد التي يحبّون

أفارقة القدس.. سجناء البلد التي يحبّون

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 07-06-2015 الساعة 15:52


وقد كان فيما كان، من سالف العصر والأوان، في عهد السلطان المملوكي الظاهر ركن الدين بيبرس، أمير جميل ناظر لأوقاف بيت المقدس، من مساجد وخلوات وخانات تجار وحوانيت وبيوت وأراض زراعية، يسبح العبد مولاه على ما أعطى المسلمين منها حينذاك، وعلى ما اعتنى بها الأمير "آيد غدي بن الله الركني"، الأمير علاء الدين، الأعمى الزاهد، السائر بنعمة البصيرة لا بالبصر الذي يصر على أن يذكرنا به، اسمُه الأنيق المكتوب بعناية على أحد أزقة البلدة القديمة، في الطريق إلى باب الناظر، المؤدي إلى ساحات المسجد الأقصى المبارك، والمعروف بطريق "علاء الدين".

africajerusalem2

africajerusalem1

في هذا الطريق، تتحد البيوت والأحواش جنباً إلى جنب، لتضم المسلمين بين ضلوعها، المرابطين، من الأفارقة والفلسطينيين، ممّن كانوا على هذه الأرض من أيام فتوح العارفين، وممن جاؤوها باسم تقديس حجتهم، والتضرع لرب العالمين. وفي جملة من جاءها لتقديس حجته، جاء رهط من أبناء القارة السمراء، ليستقروا على طرفي طريق علاء الدين، إلى جانب مقام الأمير، حيث يعيش الأفارقة المقدسيون داخل رباطين قديمين يواجه أحدهما الآخر.

africajerusalem3

وقد أطلق على الرباط الأيسر رباط علاء الدين البصير (المدرسة الأباصرية)، في مواجهة الجانب الغربي للحرم القدسي. الذي تم إنشاؤه في عام (666هـ -1267م) بعد انقطاع وظيفة التصوف منه، وقد تم وقف الرباط في العام (742هـ -1343م) على الفقراء والمتصوفة الواردين لزيارة بيت المقدس.

africajerusalem4

وأما الرباط الأيمن، المعروف باسم "الرباط المنصوري"، فقد قام ببنائه السلطان قلاوون الصالحي، وهو إلى الغرب من الحرم القدسي الشريف على الجهة اليمنى لباب الناظر. وقد تم إنشاؤه في عام (681هـ-1382م). واستمرت هذه المهام الإنسانية حتى في ظل الحقبة العثمانية (1516 -1918م)، حينما أمّها الأفارقة المقدسيون الذين عملوا آنذاك في حراسة الأماكن المقدسة، كما حازوا على مفاتيح الحرم القدسي بفضل إخلاصهم وتفانيهم.

وفي أواخر العهد العثماني في فلسطين، اضطرت الدولة العثمانية إلى تحويل هذين المبنيين إلى سجون حتى عام 1914، حين أطلق على رباط المنصوري "حبس الرباط"، في حين سمي رباط علاء الدين بـ"حبس الدم" لكونه خصص للسجناء الخطيرين من ذوي المحكوميات العالية وبخاصة المؤبدة، في حين كان يحتجز في حبس الرباط ذوو الأحكام غير الخطيرة.

africajerusalem5

ومع بسط هيمنة الانتداب البريطاني على فلسطين في أبريل/نيسان من العام 1918، أغلق السجنان وأحيلت المسؤولية عنهما إلى إدارة الأوقاف الإسلامية التي أعادت تسكين الفقراء والحجاج المسلمين والأفارقة فيه. ويذكر أن إقامة الأفارقة المقدسيين في هذين المبنيين أخذت طابع الديمومة بعد أن قام الشيخ المجاهد أمين الحسيني، الذي كان مسؤولاً عن دائرة الأوقاف الإسلامية آنذاك، بتأجير المبنيين لهم بأجور سنوية رمزية.

- الأفارقة المقدسيون اليوم.. سجناء البلاد التي يحبّون

يعيش أبناء الجالية الأفريقية اليوم حالة من ضيق المعيشة على المستوى المادي كسائر أبناء الشعب الفلسطيني، وسكان البلدة القديمة في القدس تحديداً؛ نتيجة لخنق الاحتلال الإسرائيلي لهم. وهذا عدا أزمة الهوية التي يعانون منها، فمعظم أبناء الجالية لا يحملون أي جوازات سفر تتيج لهم التنقل بين بلدان العالم.

africajerusalem8

إذ إن الحكومة الأردنية لا تعترف بهم كمواطنين أردنيين مثل سائر أبناء القدس، كما أنهم محرومون من جوازات السفر الفلسطينية كغيرهم من أبناء المدينة بحسب ما جاء في اتفاقيات أوسلو، ممّا يجعلهم أمام خيار حمل جوازات السفر الإسرائيلية، التي يرفض غالبيتهم حملها كجنسية احتلال، كما يفعل غالبية أبناء القدس.

وقد كان لأبناء الجالية الأفريقية مساهمة في الجهاد في فلسطين أثناء النكبة، والدفاع عن الأماكن المقدسة، حيث قاد معركة جبل المكبر في العام 1948 محمد طارق الأفريقي، واستطاع ومن معه إنقاذ الجبل من الاحتلال الإسرائيلي. كما استشهد العديد من أبنائهم إبان الجهاد ضد القوات الإنجليزية كالحاج عثمان التكروري الذي ارتقى شهيداً أمام أحد أبواب المسجد الأقصى برصاص القوات الإنجليزية، خلال منعه لتلك القوات من إلقاء القبض على المجاهد الحاج أمين الحسيني.

africajerusalem6

ويذكر أن طريق علاء الدين هو الطريق الوحيد الذي يخلو من وجود المستوطنين اليهود؛ بفضل وجودهم هناك، كما قالت إحدى نساء الجالية لـ"الخليج أونلاين". بالإضافة إلى وجود قاعة للفعاليات خاصة بالجالية في الرباط المنصوري، يقام فيها العديد من الفعاليات الثقافية والاجتماعية التي تخص جميع أبناء البلدة القديمة، ويتم دعمها من عدة مؤسسات في الداخل والخارج.

هذا وتنحدر أصول الأفارقة المقدسيين من عدة دول أفريقية. فهناك عائلة "السلامات"، وهي قبيلة عربية ممتدة من آسيا إلى قلب أفريقيا. وهناك عائلة "هوسا"(هاوسا)، شعب هوسَا (هوسَاوة) إحدى أهم المجموعات البشرية في غرب أفريقيا، وهناك عائلة "الفلاتة" هي قبيلة سودانية من أصول نيجيرية، وعائلة "بري – قبائل الكانوري أو البرنو". مجموعة عرقية تقطن ولاية بورنو، شمال شرق نيجيريا. وعائلة "بولالة"، و"كانبمو" من النيجر، و"الفور" كبرى قبائل دارفور. و"البرقو" إحدى القبائل الوافدة إلى دارفور، و"الزغاوة" المنحدرون من العرب العاربة من عرب الجنوب.

africajerusalem7

مكة المكرمة