"الإرهاب الأبيض".. شبح يطارد الديمقراطية الغربية ويهدد أمن العالم

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gAvdY1

مجزرة مسجدي نيوزيلندا الأخيرة حملت بصمات الإرهاب الأبيض (أرشيفية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 23-03-2019 الساعة 18:37

عندما هاجمت مجموعة من المتشددين مبنى التجارة العالمي بأمريكا في 11 سبتمبر 2001، لم يقل أحد إن المهاجمين أفراد متطرفون قاموا بفعلتهم معبرين عمَّا يؤمنون به، بل أجمع العالم على أن الجريمة مصدرها فعل منظم، يستند إلى رؤية منهجية عقائدية تستهدف المصالح الغربية، وهذا ما ثبت صوابه لاحقاً.

في المقابل عندما يطلق وحش مذبحة نيوزيلندا برينتون تاران (28 عاماً)، النار على جمع من المصلين الآمنين في زاوية من العالم الحر ، ويردي 50 بريئاً لا ذنب لهم سوى مخالفته في اللون والدين، لا ينظر للمسألة بالمعيار ذاته، رغم عديد القرائن والأدلة التي تثبت أن الجرم ارتكب بدوافع دينية تستند إلى عداء للعرق غير الأبيض المهاجر للغرب، وليس آخر هذه الأدلة اعتراف المجرم نفسه، عبر بيان مفصل ثابت النسب إليه.

ظاهرة مستفحلة

طريقة تنفيذ جريمة مسجدي نيوزيلندا تعكس حقيقة أن الفعل لم يكن جرماً فردياً، بل كان إرهاباً مخططاً له مستنداً إلى رؤية وأيدلوجية، لها شواهد من التاريخ القريب، وسيكون لها جرائم مماثلة في المستقبل القريب.

منفذ الهجوم الوحشي تاران حرص على أن يشرح دوافعه الإرهابية في بيان من 74 صفحة نشره عبر الإنترنت، ثم وضع على سلاح الجريمة كل التواقيع والرموز التي تدل على مدرسة عنفية إرهابية لها أصول وجذور وتأثير في المجتمع الغربي.

إرهابي مذبحة نيوزيلاندا أشاد في بيانه بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، باعتباره "رمزاً للهوية البيضاء المتجددة"، وهذا الأخير لم يتبرأ من هذا الاعجاب، بل اكتفى بالتعليق على الجريمة بتغريدة جاءت متأخرة، ليثبت التهم التي تلاحقه بتغذية التوجه العنصري والتطرف اليميني الأبيض الذي يجتاح الغرب، حيث عبر عن تعاطفه وتضامنه مع الضحايا وعائلاتهم وكأنه يعزي في حادث سير، بحسب تعبير أحد المعلقين على "تويتر".

محمد ناصر الحسني، الناشط الحقوقي في مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) قال: إن "مطلق النار لم يكن ذئباً وحيداً، بل هو جزءٌ من حركة أوسع منظمة بجدية، وهي خطرة على مستقبل الديمقراطيات الغربية إلى جانب خطورتها العالمية".

وأضاف الحسني لـ"الخليج أونلاين": إن "ما يؤكد ذلك تقرير نشرته الاستخبارات البلجيكية بعد المذبحة،  بيّن أن عناصر اليمين المتطرف بأوروبا بدؤوا التدريب على الرماية وحيازة الأسلحة بطرق قانونية وغير قانونية، مؤكداً وجوده في بلجيكا وبقية الدول الأوروبية".

الحسني أشار إلى أن "معاداة الإسلام والمهاجرين أصبحت من أهم المواضيع على أجندة الأوساط المتطرفة منذ أزمة المهاجرين عام 2015".

وأوضح أن من أهم مجموعات اليمين المتطرف في أوروبا "حركة جنود أودين" التي تتخذ من فنلندا مقراً لها، و"حركة جيل الهوية" في فرنسا وألمانيا، و"مجموعة الدروع والأصدقاء" في بلجيكا.

وأضاف المحامي الأمريكي: إن "المدافعين عن القوميين المتعصبين البيض والمتعاطفين معهم أصبحوا شبكات تكاد تكون جزءاً لا يتجزأ من النسيج السياسي والاجتماعي في أوروبا وأمريكا، والرئيس ترامب واحد منهم، فهو بات رمزاً لتجديد الهوية البيضاء، مثلما كتب سفاح نيوزيلندا في بيانه".

خطر على الديمقراطية

تصاعد مد التيار القومي المتطرف دفع بالعديد من الصحف والكتاب الغربيين إلى دق ناقوس الخطر والتحذير من كارثة تتهدد الديمقراطية.

وبهذا الخصوص قالت صحيفة "ديلي بيست": إن "برينتون تاران ليس شخصاً مستقلاً بذاته في جريمته، بل هو جزء من حركة الإرهاب القومي الأبيض، تماماً مثل تنظيم القاعدة عندما هاجم الولايات المتحدة عام 2001".

وأضافت في تقرير لها: إن "حركة القوميين البيض أخطر بكثير على مستقبل الديمقراطيات الغربية من الإرهاب المنسوب للإسلام، ومن الضروري أن تبدأ مكافحة التطرف بمخاطبة الأفكار بلغة واضحة، فقد حان الوقت لشن حرب عالمية على الإرهاب القومي الأبيض".

وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية، فقد تمكن المتطرفون البيض خلال أقل من عقد من ارتكاب عدد من الجرائم البشعة بحق المهاجرين.

وأضافت في تقرير: إن "الهجمات توزعت على قارات العالم الخمس، وتنوعت بين إطلاق النار والطعن والتفجيرات والهجمات بالسيارات، مهددين بذلك حياة اليهود والمسلمين والمهاجرين واللاجئين والحركات النسائية والسياسيين اليساريين".

وذكرت أن "المهاجمين لاينتمون لمجموعة واحدة بيضاء، إلا أن ما يجمعهم هو تبني الخطاب العنصري المعادي، وعادة ما يشير مرتكب هجوم واحد إلى أسماء من سبقوه في تنفيذ هجمات مماثلة، مثل تاران الذي قال إنه استوحى هجومه من أندرس بيرينغ بريفيك مرتكب هجمات النرويج عام 2011".

أبرز الهجمات خلال 5 سنوات

عند تتبع الهجمات التي شنها المتطرفون البيض التي استهدفت المهاجرين والأشخاص الملونين، نجد وتيرة الهجمات خلال خمس سنوات في تصاعد ملحوظ.

حيث شهد العام الماضي 2018 هجومين في أمريكا؛ الأول في أكتوبر قتل فيه مهاجم سيدتين من ذوي البشرة السوداء في أحد المحلات الكبرى بولاية كنتاكي الأمريكية، وبحسب شهود عيان قال القاتل أثناء العملية: إن "البيض لا يقتلون البيض".

وفي نوفمبر استهدف قاتل أبيض كنيس شجرة الحياة اليهودي في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، وقتل 11 شخصاً، كما شهد 2017 خمس هجمات، بدأت في كندا بشهر يناير، حيث هاجم الإرهابي ألكسندر بيسونيت أحد مساجد مقاطعة كيبيك الكندية، وقتل ستة أشخاص أثناء صلاة العشاء، وأصاب 19 آخرين.

وفي مارس استهدف أحد قدامى المحاربين بالجيش الأمريكي -يؤمن بتفوق العرق الأبيض- رجلاً أسود بمدينة نيويورك، معتبراً الأمر "عملية تدريب" على هجوم أكبر.

كما أقدم رجل في مدينة بورتلاند الأمريكية على قتل رجلين وطعن ثالث على متن قطار، في يناير من العام نفسه، عندما حاولوا الدفاع عن امرأتين مسلمتين كان القاتل يهاجمهما بألفاظ عنصرية؛ وخلال المحاكمة زعم أن ما قام به ليس إرهاباً وإنما عمل وطني.

وقتل وأصيب 12 مصلياً في يونيو 2017، بمنطقة "فينزبري بارك" البريطانية بعملية دهس نفذها المهاجم دارين أوزبورن، الذي قال معلقاً: "أريد قتل كل المسلمين، لكنني أنجزت جزءاً فقط ممَّا يتعيّن علي فعله".

وفي أغسطس هاجم مؤمن بتفوق العرق الأبيض بعملية دهس محتجين مناوئين للنازية في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا الأمريكية، ممَّا أدى إلى مقتل سيدة وإصابة العشرات.

كما شهد عام 2016 مقتل النائبة عن حزب العمال بالبرلمان البريطاني جو كوكس، حين أطلق توماس ماير أحد المؤمنين بنظرية تفوق العرق الأبيض النار عليها، بسبب دعمها بقاء بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي.

وتسبب هجوم استهدف بالسكاكين ثانوية محلية في مدينة ترولهاتان بالسويد، بها نسبة عالية من المهاجرين، في أكتوبر 2015، بمقتل 3 طلاب وطعن العشرات، قالت الشرطة إن المهاجمين استهدفوا ذوي البشرة الداكنة.

وفي شهر يونيو من العام نفسه قتل متطرف أبيض 9 أشخاص أثناء جلسة لدراسة الإنجيل بكنيسة لذوي البشرة السوداء في مدينة تشارلستون بولاية ساوث كارولينا الأمريكية.

زعيم سابق لمنظمة "كو كلوكس كلان" التي تؤمن بتفوق العرق الأبيض أطلق النار، في أبريل 2014، على مركز يهودي في ولاية كانساس الأمريكية، وقتل 3 أشخاص.

وفي سبتمبر 2013 قام عضو بحزب "الفجر الذهبي" المنتمي لتيار النازية الجديدة في اليونان بطعن مغني الراب والناشط المناهض للفاشية بافلوس فيساس حتى الموت في مدينة بيرايوس اليونانية.

وشهد 2011 الهجوم الأبشع في أوروبا، والذي قتل فيه 77 شخصاً في شهر يوليو، كما أصيب مئة آخرون معظمهم فتيان من الناشطين السياسيين أنصار التعدد الثقافي، نفذه المتطرف النرويجي أندرس بيرينغ بريفيك، وقال إن دافعه "منع غزو المسلمين" للبلاد.

هذه الوقائع والأرقام تطرح عدة تساؤلات مشروعة أهمها؛ ألا تستحق ظاهرة "الإرهاب الأبيض" حرباً عالمية كما استحق "إرهاب القاعدة"؟ وألا يشكل خطراً على الديمقراطية الغربية العتيدة وعلى العالم؟ وأليس ضعف استجابة المؤسسات الغربية لمكافحة هذا النوع من الإرهاب والتطرف ازدواجاً في المعايير؟

مكة المكرمة