"التحرير".. من ميدان للثورة إلى "شادر" لبيع البطاطا

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GK8pR3

ميدان التحرير كان شاهداً على تغييرات جذرية في حياة السياسة المصرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 30-10-2018 الساعة 11:03

بعد أن كان أيقونة الثورة في مصر، ومقر انطلاق المظاهرات الحاشدة، وردود الأفعال القوية على كافة الأحداث المهمة بالبلاد؛ أصبح ميدان التحرير الآن معرضاً كبيراً "شادراً" لبيع البطاطا التي صُودرت على أيدي قوات الأمن المصرية.

هذا التحول الجذري الذي شهده الميدان أصاب الكثيرين بالصدمة من تحوّل رمز الحرية إلى محل كبير لبيع الخضراوات.

تاريخ من النضال

زغاريد في طوابير شوادر "الداخلية" لبيع البطاطس والكيلو بـ5 جنيهات، كان ذلك أحد عناوين الصفحة الأولى لصحيفة "الوطن" المصرية، يوم الأحد 28 أكتوبر الجاري، وهو العنوان الذي يعكس بالضبط ما حدث للميدان في الأشهر الأخيرة في مصر.

وأسس الخديوي إسماعيل الميدان على غرار ميدان الشانزلزيه بفرنسا، ويُعتبر من أكبر ميادين القاهرة.

ميدان التحرير

ميدان التحرير

ومن الميدان اندلعت شرارة ثورة 1919، بعد اشتباكات بين متظاهرين وقوات الشرطة، كما كان ساحة لمظاهرات 1935 ضد الاحتلال الإنجليزي، وفي الميدان تجمّع الآلاف ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

وبعد هزيمة 1967 خرج الآلاف أيضاً رفضاً لتنحّي جمال عبد الناصر عن الحكم، كما خرجوا عام 1968 احتجاجاً على محاكمة المسؤولين عن الهزيمة!

وقبل حرب أكتوبر بعام واحد، اشتعل الميدان بمظاهرات ضد الرئيس الراحل، أنور السادات؛ لتأخّره عن قرار الحرب.

وعلى أرضه كانت "ثورة الخبز"، في 18 و19 يناير 1977، كما كان الوجهة الأولى للاحتجاجات ضد حكم مبارك طوال 30 عاماً.

- عودة الروح في "يناير"

وتحولت المظاهرات التي دعا إليها الشباب في التحرير، يوم 25 يناير 2011، إلى ثورة عارمة أدت إلى إزاحة نظام مبارك، بعد ملحمة ثورية استمرّت 18 يوماً.

وكان البقاء في الميدان هو سر نجاح الثورة، حيث تمكّن الثوار من الصمود أمام كافة محاولات إخلاء الميدان، والتي كان أعنفها ما يُعرف إعلامياً بـ"موقعة الجمل"، يوم 2 فبراير 2011، التي كتب تصدي الثوار لها نهاية نظام مبارك.

وموقعة الجمل، هي هجوم بالجمال والبغال والخيول يشبه معارك العصور الوسطى للانقضاض على المتظاهرين في ميدان التحرير.

- أول رئيس منتخب

وفي الميدان تابع الآلاف فوز الرئيس محمد مرسي، برئاسة الجمهورية، بعد الثورة بعام، وهناك حصلت أكبر سجدة في تاريخ مصر، حيث سجد الآلاف بالميدان في لحظة واحدة بمجرد سماع نتيجة الانتخابات التي نُقلت على الهواء مباشرة عبر مكبرات الصوت للآلاف الذين احتشدوا بالميدان.

وبعد أيام قرّر مرسي أن يؤدي اليمين الدستورية في قلب الميدان.

وكما كان ميداناً للثوار، أصبح في يونيو 2013 مقراً للتظاهر أيضاً، ولكنه هذه المرة بمتظاهرين وضباط شرطة وجيش، للمرة الأولى في تاريخ الميدان.

- ممنوع الاقتراب

ومنذ ذلك الحين لم يعرف المتظاهرون الميدان إلا في مرات محدودة للغاية؛ كان بعضها خاطفاً من معارضي النظام، في حين كان البعض الآخر احتفالياً من جانب المؤيدين في العديد من المناسبات؛ على رأسها افتتاح قناة السويس الجديدة، في أغسطس 2015، وبذكرى حرب أكتوبر في 2014.

كما شهد الميدان اعتداء من قوات الشرطة على حاملي الماجستير والدكتوراه، الذين تظاهروا في العام 2015 للمطالبة بالتعيين.

وتمكّنت قوات الأمن من منع التظاهر بالميدان عن طريق إغلاقه مع أي مناسبات يُتوقّع أن تشهد حشداً جماهيرياً، أو عقب إقرار زيادات الأسعار خشية من غضبة جماهيرية قد تتسبّب بها تلك الزيادات.  

وبسبب إغلاق الميدان في وجوه المتظاهرين، لجأ عدد من الأفراد للتظاهر منفردين، ووقفت مواطنة بمفردها بالميدان مردّدة هتافات مناهضة للنظام الحالي، بعد الحكم ببراءة مبارك وحبيب العادلي في قضية قتل المتظاهرين.

- احتفال واستعراض وتحرش

لم يتوقّف دور الميدان على الحشد السياسي فحسب، بل كان ساحة للعديد من الفعاليات؛ منها فرحة المصريين بالتأهل لمونديال روسيا 2018، كما فضّل الرحالة محمد نوفل أن يبدأ منه رحلته إلى روسيا لمؤازرة منتخب بلاده.

وفي 2015، شهد الميدان وصول سيارة بدائية أطلق عليها صاحبها "الوحش المصري" إلى هناك لتجربتها أمام الناس، إلا أنها لم تُغادر مكانها!

كما احتفلت القوات المسلحة بالمولد النبوي في قلب الميدان عام 2015، واضعة صورة ضوئية لـ"عروسة المولد".

وكان الميدان ملتقى مفضّلاً للتحرش بالفتيات، خاصة في الأعياد والمناسبات التي تحتشد فيها أعداد كبيرة داخله.

وكانت أشهر حوادث التحرش ما حدث ليلة تنصيب السيسي، في يونيو 2014، حين اعتُدي على سيدة وابنتها في قلب الميدان.

- صدمة "البطاطس" والانتماء

ومؤخراً، فُوجئ المصريون بأزمة الارتفاع الشديد في أسعار البطاطا، حيث قفزت من 3 إلى 15 جنيهاً، كما فُوجئوا تماماً بطوابير طويلة من المصريين تقف في ميدان التحرير للحصول على كيلو أو اثنين من البطاطس التي صادرتها قوات الأمن من بعض التجار.

المشهد كان مؤلماً، إلا أن متابعين رأوا فيه نزعاً لثورية الميدان تم بالتزامن مع انتزاع الأمل من نفوس الشباب الذين كانوا يملؤون المكان حيوية ونشاطاً، فاضطرّت أعداد كبيرة منهم للهجرة، في حين يقبع آخرون في السجون، وفضّل آخرون العزوف عن الاهتمام بالقضايا الوطنية بعد التعنّت الذي شاهدوه خلال السنوات الأخيرة.

 واللافت أن تلك الطوابير الباحثة عن البطاطا حلّت بديلاً من طوابير التصويت في الاستحقاقات الانتخابية.
 

- مفارقات من الميدان

أُطلق على ميدان التحرير عدد من الأسماء؛ حيث كان اسمه الأول ميدان الكوبري، ثم الإسماعيلية، فميدان الخديوي إسماعيل، والحرية، إلى أن أصبح اسمه ميدان التحرير، في سبتمبر 1954.

وعن ميدان التحرير زعمت الكاتبة نوال السعداوي أنها رأت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، توزّع دولارات لانتخاب "الإخوان المسلمين"!

 

وثمة مفارقة حدثت في الميدان؛ الذي كان منطلقاً للمتظاهرين الذين توجّهوا إلى مقر السفارة الإسرائيلية لاقتحامها في 2011، في حين احتُفل في فندق "الريتز كارلتون" المطلّ على الميدان بذكرى "النكبة"، التي أطلق عليها الصهاينة "عيد استقلال إسرائيل الـ70".

مكة المكرمة