"العنوسة".. الوجه المخيف الذي أفرزته الحرب في سوريا

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/6b5WJP

ظاهرة العنوسة انتشرت في سوريا بعد الحرب (تعبيرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 30-04-2019 الساعة 19:00

أفرزت الحرب المستعرة التي تشهدها سوريا منذ أكثر من 8 سنوات الكثير من المشكلات الاجتماعية، التي يرى مراقبون ومتابعون أن تداعياتها وآثارها السلبية ستستمر على المدى الطويل.

ولعل "العنوسة" كظاهرة اجتماعية تعد واحدة من أبرز المشكلات التي باتت تؤرق المجتمع السوري، وتلقي بظلالها السوداء على حياة الأسر السورية بشكل عام، وعلى حياة النساء بشكل خاص؛ وذلك بعد ازدياد نسبها ووصولها إلى حد مخيف.

و"العنوسة" تعبير عام يستخدم لوصف الأشخاص الذين تعدوا سن الزواج المتعارف عليه في كل بلد، ويظن بعض الناس أن هذا المصطلح يطلق على الإناث فقط من دون الرجال، لكن الصحيح أنه يشمل كلا الجنسين، بيد أنه أكثر تداولاً على الأغلب في وصف الإناث.

المواطن السوري عدنان محمد (35 عاماً)، وهو موظف يقول: "لم أتمكن من الزواج حتى الآن؛ لعدم قدرتي على تأمين أدني متطلبات الحياة الزوجية، فراتبي الشهري البالغ 40 ألف ليرة سورية ( 80 دولاراً) لا يكاد يكفي لمصاريفي شخصية".

ويضيف محمد في حديث لـ"لخليج أونلاين": "أعيش أنا وإخوتي في بيت مستأجر، ومواردنا المادية لا تكاد تلبي احتياجات الأسرة من طعام وشراب ودواء ومستلزمات ضرورية".

ويتمنى محمد أن يكمل "نصف دينه"، لكن إمكانية الزواج والارتباط في الوقت الحالي غير متاحة له.

عائدة (38 عاماً) وهي معلمة تؤكد أن قطار الزواج فاتها بعد أن تقلصت الفرص بسبب الأحداث التي تعيشها سوريا.

وتقول في حديث لـ"لخليج أونلاين": "كنت مخطوبة في العام 2010، وأصبحت على وشك الزواج، لكن ظروف خطيبي المادية منعته من الزواج في ذلك العام، على أمل أن نتزوج في العام الذي يليه".

وأردفت عائدة بالقول: "يبدو أنه لا نصيب لي في الزواج  بعد أن خطف الموت خطيبي في الحرب نهاية عام العام 2012، وبعد استشهاده لم يطرق أحد بابنا، وما زلت أنتظر القسمة والنصيب".

في حين تؤكد فضيلة عبد الرزاق (42 عاماً) وهي ربة منزل، أنها المسؤولة عن عدم ارتباطها، رغم تقدم عدة أشخاص لخطبتها.

وتوضح عبد الرزاق في حديث لـ"لخليج أونلاين" أن انتظارها لفرصة زواج أفضل ضيع عليها تلك الفرصة بشكل نهائي.

أرقام مخيفة

ويقول الباحث الاجتماعي عبد الله الحمد: إن "عمر العنوسة يختلف من مكان إلى آخر، ويخضع إلى مفاهيم هذا المجتمع أو ذاك، كما يختلف مفهومه بين سكان الريف وسكان المدينة؛ بحسب العادات والتقاليد والأعراف المتداولة".

ويضيف الحمد في حديث لـ"لخليج أونلاين: "في الوقت الذي ترى فيه المجتمعات البدوية والريفية أن العانس هي كل فتاة دخلت سن العشرين ولم تتزوج، ترى المجتمعات الحضرية في العانس تلك الفتاة التي وصلت إلى سن الثلاثين وأكثر ولم تتزوج؛ وذلك انطلاقاً من مفهوم أن على الفتاة أن تكمل تعليمها قبل الارتباط والإنجاب".

ويرى الحمد أن مفهوم "العنوسة" مصطلح متغير يخضع إلى مجموعة من العوامل والمتغيرات الاجتماعية، والبيئية، والسكانية، والنفسية، وإلى مجموعة من المؤثرات الثقافية، والاقتصادية، والذاتية لبعض الأشخاص.

ووصلت "العنوسة" في سوريا، وفقاً لآخر الدراسات والمصادر الرسمية، إلى نحو 70% خلال السنوات الثماني الماضية؛ وذلك بسبب الحرب وتداعياتها، التي حولت المجتمع السوري إلى مجتمع ذي أكثرية أنثوية؛ بعد فقدان السواد الأعظم من الشباب بين معتقل ومهاجر وقتيل، بحسب الحمد.

ويبين أن الحرب الدائرة في سوريا تسببت في فقدان مئات الآلاف من الشباب، ممَّن هم في سن الزواج مابين 20 و40 عاماً، كما تسببت في إفراز جيش كبير من الأرامل والعوانس من سن 20 إلى سن خمسين عاماً.

ويوضح أن الكثير من البلدات والقرى، لا سيما في بعض المناطق الموالية للنظام، فقدت معظم رجالها وشبابها في الدفاع عن نظام الأسد، ولم يتبق في تلك القرى والبلدات سوى الشيوخ والأطفال؛ الأمر الذي ضاعف من مهام النساء، وألقى على عاتقهن المزيد من المسؤوليات.

ويشير الباحث الاجتماعي إلى أن "العنوسة" في سوريا هي ظاهرة اجتماعية قديمة قدم المجتمع السوري؛ لكنها لم تصل إلى هذه النسب العالية جداً، التي وصلت إليها مؤخراً.

ويلفت إلى أن الحرب بتداعياتها الاقتصادية وتغيراتها الديموغرافية، هي المسؤول المباشر عن ازدياد نسبة "العنوسة" في سوريا بهذا الشكل اللافت، وجعلها في صدارة الدول العربية والعالمية بنسبة العنوسة.

مجتمع أنثوي

بدوره يؤكد الناشط الحقوقي أبو قصي الحوراني أن المجتمع السوري، بسبب تفوق عدد الإناث على عدد الذكور؛ أصبح مجتمعاً أنثوياً بامتياز.

ويقول الحوراني في حديث لـ"الخليج أونلاين": إن "المراقب لحركة الجنسين في المجتمع يشاهد الحضور النسائي دائماً أكبر في جميع الأنشطة والفعاليات، وفي مواقع العمل والجامعات والمدارس وغيرها".

ويضيف الحوراني: "هذا التفوق العددي للإناث على حساب الذكور لن يتم ترميمه بسهولة، وهو سيحتاج إلى سنين طويلة، وسيترافق مع العديد من المشكلات الأخلاقية والسلوكية، التي ستهدد بنية المجتمع الأخلاقية".

أسباب العنوسة

الشيخ عبد الرحمن العوض الله، وهو شيخ أحد المساجد، يرجع أسباب "العنوسة" في معظم المجتمعات العربية بشكل عام، وفي المجتمع السوري بشكل خاص، إلى الأزمات اقتصادية؛ وعدم قدرة الشباب على تأمين تكاليف الزواج وبناء أسرة.

ويؤكد العوض الله في حديث لـ"لخليج أونلاين" أن أبرز أسباب العزوف عن الزواج ارتفاع المهور التي تصل إلى (1000 دولار مقدم و1000 دولار مؤخر) وغلاء المعيشة، والشروط التعجيزية أحياناً، التي يتم وضعها من أهالي الفتيات المطلوبات للزواج.

ويوضح العوض الله سبباً آخر "للعنوسة" وهو وعزوف بعض الفتيات عن الزواج؛ لعدم رغبتهن في تحمل مسؤوليات الزواج وبناء أسرة؛ لانشغالهن ببعض الوظائف.

ويلفت إلى أن السبب الرئيسي في انتشار "العنوسة" بين الفتيات هو عدم وجود شباب في سن الزواج، بسبب الحرب، واعتقال وتهجير وقتل العديد منهم.

ويشير إلى أن مفهوم "العانس" مصطلح اجتماعي، ولا وجود له في الشرع والدين، أو أي أدبيات إسلامية.

ويستطرد بالقول: إن "الدين الإسلامي لم يحدد سناً معيناً للزواج، بل ربط الأمر بالبلوغ والكفاءة والقدرة على تأسيس بيت زوجية".

يشار إلى أن "العنوسة"؛ التي تسببت الحرب في مضاعفة نسبها، لم تكن المشكلة الاجتماعية الوحيدة التي تثقل كاهل المجتمع السوري فحسب، بل هناك مشكلات أخرى ظهرت وتعاظمت خلال الحرب.

وأصبحت تلك المشاكل تؤرق وتهدد استقرار المجتمع بمنعكساتها السلبية بشكل فعلي عليه، ومن أبرزها ارتفاع نسب الطلاق، وزواج القاصرات، وازدياد عدد الأرامل والمعتقلات، وكلها تدفع المرأة السورية أثماناً باهظة لها.

مكة المكرمة