المجالس في الخليج.. جسر للتماسك الاجتماعي وانعكاس لعراقة التراث

يتنافس أصحاب المجالس في الخليج على إبراز التصاميم والديكورات التراثية

يتنافس أصحاب المجالس في الخليج على إبراز التصاميم والديكورات التراثية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 19-04-2016 الساعة 15:49


تعتبر المجالس في دول الخليج العربي من أهم العادات المتبعة في المجتمعات الخليجية، وتحتل ركناً أساسياً في قلوبهم؛ لما لها من أهمية في تعزيز العلاقات، والتواصل الاجتماعي بين أفراد المجتمع.

ويحرص الكبار على الجلوس في المجالس في الفترة المسائية، واستقبال الضيوف من الأقارب والأصدقاء، وتبادل أطراف الحديث حول مختلف القضايا الاجتماعية والدينية، وحتى السياسية.

والمجلس يقوم بالعديد من الوظائف الثقافية والاجتماعية، ولذا حرص أفراد المجتمع الخليجي على استمراريته والمحافظة على دوره؛ بوصفه جسراً للتواصل والحوار، وبناء العلاقات الاجتماعية، حيث تعتبر المجالس مدارس، تحمل على عاتقها الترابط الاجتماعي بين أبناء المجتمع؛ وذلك لما تشكله من رمز للترابط الاجتماعي، وانعكاس للتراث العريق، وذلك للإبقاء على النسيج الاجتماعي، والترابط الشعبي.

-جسور التماسك

وما زالت المجالس في الخليج تتميز بالطيبة، وجسور التماسك، التي لم تنقطع عبر عصور وعهود مختلفة، سواء قبل حقبة النفط أو بعد التطور الاجتماعي، والذي ظهر مع التطور الاقتصادي في المجتمع الخليجي، حيث لا يزال أفراد المجتمع الخليجي يحرصون على الحضور، والزيارات المتبادلة.

وفيها تروى الأحاديث والذكريات والقصص من كبار السن فتحلو هذه المجالس، حيث تتحول إلى مراكز تروي قصصاً تاريخية واجتماعية عن تغيرات المجتمع، والعمل على الحفاظ على هذه العادات الخليجية المتميزة منذ مئات السنين، والتي لم تتغير بسبب التغيرات الاقتصادية.

وتفتح المجالس الخليجية أبوابها بشكل يومي لاستقبال الزوار والضيوف، كما أن للمجالس عادات خاصة في المناسبات الاجتماعية والدينية الأخرى؛ مثل مجالس رمضان، ومناسبات الأعياد، حيث يحرص الجميع على تبادل الزيارات، والانتقال من مجلس إلى مجلس؛ لإلقاء التحية والتهاني والتبريك بهذه المناسبات، ما يعزز الترابط الاجتماعي، ويزيد من التواصل بين أفراد المجتمع الخليجي، الذي يحرص على التزاور، سواء في المناسبات الاجتماعية، أو حتى في الأيام الأخرى، حيث إن المجالس لا تغلق أبوابها أبداً أمام الضيوف في أي وقت.

-تعليم العادات

ولا تقف المجالس عند هذا الحد، فهي تعتبر مدارس، ومراكز لتعليم التراث، ونقل العادات والتقاليد إلى الآجيال القادمة، فالصغار من خلال الحضور والمداومة على هذه المجالس يتعلمون من الكبار العادات والتقاليد الاجتماعية، وخاصة في كيفية احترام الضيف وتوقيره، وتعلم آداب المجالس، وكيفية التعامل مع الحضور، فينشأ الصغار نشأة اجتماعية صحيحة، تعزز من الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع.

وللمجالس آدابها الخاصة في إكرام الضيوف، وفي مقدمتها القهوة والعود، فلا يخرج الضيف إلا بعد أن يرشف القهوة، ويتطيب بأفخر أنواع العود، فالقهوة والعود لا تفارقان المجالس الخليجية، فهما متربطتان في إكرام الضيوف، وتعتبران رمزاً للضيافة والإكرام، ولا تكتمل المجالس إلا بهما.

ولتقديم القهوة العربية آداب خاصة، حيث يحمل "المقهوي" دلة القهوة بيساره، والفناجين بيمينه، ويصب القهوة للضيف، وصاحب المجلس، والحاضرين، وبعد الاكتفاء من شرب القهوة يهز الضيف الفنجان، كما يقدم الشاي للضيف، وكذلك الفوالة، التي تكون من الرطب والفاكهة والحلويات.

كما تقام للضيف وليمة، ويوضع صحن الذبيحة مع الأرز، وبعض الأكلات الشعبية، ويقدّم الضيف عليها، وهذه العادة يفخر بها صاحب المجلس، وبعد الانتهاء من تناول الوليمة وغسل الأيادي تقدم القهوة العربية والشاي للضيف مرة أخرى.

ثم يحمل "المدخن" الذي تفوح منه رائحة العود الطيبة، ويقدم أولاً للضيف، ويطاف به مرتين في المجلس للتطيب بالبخور، وهناك مثل متداول حول هذه العادة هو "ما بعد العود قعود"، ويعد استعمال العود السائل، أو البخور من العادات والتقاليد المتوارثة في المجتمع الخليجي، ولا تخلو البيوت والمجالس من استخدام العود بشكل يومي، وفي المناسبات.

-التصاميم التراثية

ويتنافس أصحاب المجالس في الخليج على إبراز التصاميم والديكورات التراثية، حيث يفضلون استخدام الجلسات التراثية والتحف التي تعكس التراث والتاريخ في دول الخليج، إلى جانب استخدام الأدوات التراثية، من دلال القهوة والمباخر، وأيضاً اللوحات الفنية.

إلى جانب الصور القديمة التي تحكي الأزمان الجميلة في الماضي، كما يفضل بعض أصحاب المجالس وضع خيام تراثية لاستقبال الضيوف، ويندرج جميع ما سبق في خانة الحفاظ على التراث الخليجي الأصيل.

والجدير بالذكر أن اللجنة الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي باليونسكو، أقرت إدراج ثلاثة ملفات مشتركة تقدمت بها دولة الإمارات بالتعاون مع دول خليجية؛ لتسجيل القهوة العربية، والمجالس، والرزفة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو.

كما تقدمت كل من الإمارات، والسعودية، وسلطنة عمان، وقطر بملفين مشتركين لتسجيل المجالس والقهوة العربية، في حين تعاونت الإمارات، وسلطنة عمان في ملف الرزفة، وتحظى هذه العناصر الثلاثة بقيمة تراثية كبيرة في العادات والتقاليد العريقة بمنطقة الخليج العربي.

وجاءت ملفات تسجيل هذه العناصر التي أصبحت جزءاً من التراث الإنساني العالمي؛ نتيجة تعاون دولي وخليجي مشترك، وهي نموذج لدور التراث في بناء الجسور الحضارية والإنسانية بين الشعوب، ودليل على أصالة التراث الخليجي، ووحدته الجغرافية والتاريخية والإنسانية، بالإضافة إلى الدور المهم الذي تقوم به وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في صون هذه العناصر.

مكة المكرمة