المعتقلة السورية.. دمارٌ نفسي ومواجهة مجتمع ومحاولات تدويل

معتقلات سوريا .. قوارير مهشمة وعالَم لا يسمع الصوت
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/6E2KYZ

8 آلاف معتقلة في سجون نظام الأسد

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 03-03-2019 الساعة 10:35

لمْ تشهد قوارير سوريا أيَّ رفقٍ أو تحييدٍ من قِبل نظام الأسد بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، إذ لم تمضِ أيام حتى شنت قواته عقوبات جماعية شملت اعتقال النساء والأطفال.

وكان اعتقال السوريات هو الحلقة الأضعف في جسد الثورة، لكن مع تطور الأحداث وامتداد المظاهرات لتعم كل المناطق ثم تحوُّل الثورة إلى ثورة مسلحة، مارَس نظام الأسد كل أنواع التعذيب، التي تشمل المعاملة السيئة والاعتداء والاغتصاب والبغاء القسري وأشكال التحرش الأخرى.

ووثقت منظمات حقوقية وعالمية، بينها "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية" والشبكة السورية لحقوق الإنسان، جرائم كثيرة، منها التعذيب حتى الموت أو الشبْح للأعلى، إضافة إلى حلق الشعر والضرب والحرق، واستخدام الشتائم والنعوت القبيحة بحق نساء مدنيات.

قصص مرعبة 

و"يخيم العذاب النفسي في روح المعتقلة حتى كأنه لا يفارقها وإن خرجت من السجن"، هكذا بدأت رفاه عواد حديثها لموقع "الخليج أونلاين"، في سردها لقصة اعتقالها، متابعةً القول: "لم تكن المرة الأولى التي أدخل فيها إلى فرع المنطقة بدمشق، فقد سبق أن اعتُقلت مع زوجي قبل ذلك بثلاث سنوات، ولكن خرجت بعد ساعات وبقي هو قرابة عام كامل".

وأضافت عواد: "عندما دخلت إلى السجن كانت الرائحة مزعجة للغاية، رائحة عفونة ودماء وصرف صحي، كنتُ خائفة جداً رغم أنني أمتلك شخصية قوية. أدخلوني إلى مهجع فيه كثير من المعتقلات، كأني دخلت كهفاً لم يخرج أهله منه منذ سنوات طويلة. الرعب بادٍ على وجوههن جميعاً، منهن من لا يكترثن بمن يدخل، وأخريات يقتربن منك ويسألن: من أين أتيت؟ كيف هي الأوضاع في الخارج؟ لكن، لا تستطيع الإجابة عن أغلب الأسئلة؛ خشية أن تُحسب عليك تُهمة".

وقالت المعتقلة السورية: "بقيت أسبوعاً كاملاً ثم استدعوني إلى التحقيق، نلتُ بعض الضرب والنعرات في الطريق نحو الضابط، جلست في مقابله وهددني بكل أنواع التعذيب، ومن ضمنها الاغتصاب والقتل والحرق إن لم أعترف. تعرضت لبعض اللكمات والشتائم الفاحشة التي لم أسمع مثلها ربما في حياتي، ثم أعادوني، وتكرر الأمر أكثر من مرة".

وتابعت القول: "في المهجع، كنت أستمع إلى أصوات التعذيب.. صراخ مستمر وأنين ممن يتألم، حتى الآن يدوّي في أذني بعضه، كانت توجد عائلات كاملة، وشهدتُ كل أنواع التعذيب. أستمع إلى قصص يشيب منها الوِلدان، كنت أظن أنني سأبقى معهن أشهراً وربما سنوات، ولكنني خرجت بعد شهر فقط، لم أعترف رغم كل التهديد، لأني على يقين بأنه ليس معهم أي دليل ضدي، لقد نجوت بالصدفة ربما".

واسترسلت عواد في سردها، قائلة: "دخلتُ إلى المعتقل الذي كانت فيه فتيات حوامل وولدن أبناءهن هناك دون أي عناية؛ لا أدري هل فقدت إحداهن حياتها بسبب الولادة أو لا، حيث كل أنواع الأمراض موجودة، الجميع لديهن نقص في التغذية ويقتربن من الموت شيئاً فشيئاً".

وأردفت بقولها: "كان أغلب الفتيات والسيدات يخشين من الخروج؛ خوفاً من تصرفات مجنونة من قِبل أزواجهن أو إخوتهن، حيث يحمّلونهن ذنب الاغتصاب أو التحرش الذي تعرضت له".

وختمت عواد قصتها قائلة: "خرجت من السجن بعد أن عشت قصصاً مرعبة، كانت سنوات وليست شهراً، بعض نظرات من يهنئني بالسلامة كلها شفقة (الله يعينها، أكيد صاير معها شي جوا، بمعنى "اغتصاب")، ولكنَّ تفهُّم عائلتي لوضعي، وأنه مهما حصل معي فهو ظلم عظيم لا يقارَن بأي ظلم؛ خَفَّفَ عني".

هذا ويتجاوز عدد المعتقلات السوريات 8 آلاف معتقلة في سجون نظام الأسد، بينهن مئات الطفلات دون سن الثامنة عشرة، ونحو 2000 مختفية قسرياً، بالإضافة إلى النساء اللواتي خرجن من المعتقل، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

مواجهة المجتمع 

وقالت الكاتبة السورية والناشطة في قضايا المرأة إيمان محمد، في حديث مع "الخليج أونلاين": "يصل العذاب النفسي بالمعتقلة إلى حد الدمار واستلاب كل ركائز القوة، والعمل على التلاعب بالعقل، لكسر إرادتها وإجبارها على الاستسلام والخضوع".

وأضافت محمد: "أعرف سيدات رجعن من الاعتقال بصمت وتكتُّم، لكون المجتمع سيتعامل إما باللوم وإما بالشفقة، وسيندر من يساند ويقف إلى جوارها، بل قد يساء إلى المعتقلة بأساليب مختلفة".

وأشارت في كلامها إلى أن "هناك سيدة أعرفها، اعتُقلت شهراً، وبعد خروجها تنكَّر لها زوجها وطلَّقها وعمل على إبعاد أطفالها عنها؛ إمّا خوفاً من أن تجلب إليه تهمة، وإما لأنه اعتبر ما تعرضت له عاراً يجب الخلاص منه".

وأكدت الكاتبة السورية أنه "من الضروري مخاطبة المجتمع بالعقل والعاطفة معاً، وتكريس مفاهيم الظلم وبشاعته، خاصة إنْ وُجِّه إلى هذه الفئة، وتأكيد حق تقديرها ورعايتها ومساندتها حتى تصل إلى الاستقرار ولو جزئياً. كما للإعلام دور مهم، ولكل فرد مؤثر دور في التوعية والتوجيه والدفاع عن حقوق المعتقلات".

وطالبت محمد بالتصعيد في قضية المعتقلات وتحويلها إلى قضية عالمية، "من خلال تأكيد ما تعرضن له حقوقياً، والسعي لمعاقبة ومحاكمة من قاموا بالاعتقال والتعذيب".

تدويل قضيتهن 

وفي سياق متصل، أطلقت "حركة الضمير الدولية"، المعنيّة بملف المعتقلين لدى سجون نظام الأسد، الجمعة (1 مارس 2019)، حملة توقيع مليونية تهدف إلى لفت أنظار المجتمع الدولي إلى مأساة المعتقلات السوريات والإسهام في إطلاق سراحهن.

وقال المتحدث باسم الحركة الدولية، مراد يلماز: "إن هناك أكثر من 7 آلاف طفل وامرأة معتقلون في سجون نظام بشار الأسد"، مضيفاً أنهم سيجمعون مليون توقيع لتقديمها إلى الأمم المتحدة والدول الراعية لمباحثات أستانة، للإسهام في إطلاق سراح المعتقلات، بحسب وكالة "الأناضول" التركية.

الصحفية والناشطة الحقوقية السورية سُعاد خبية قالت لموقع "الخليج أونلاين": "أي أنشطة تلفت الأنظار إلى قضية المعتقلات والمعتقلين على درجة عالية من الأهمية، وعلينا استخدام أساليب منوعة لفرض الاهتمام الدولي بهذه القضية، بل الحشد لخلق رأي عام عالمي حولها أيضاً".

وأضافت "خبية" أنّ أفضل دور تقدمه المنظمات هو ممارسة ضغوط كبيرة وحقيقية على المنظمات الدولية الرسمية، ورفع دعاوى لا تتوقف ضد مجرمي الحرب في سوريا.

وشدّدت على أن "العدد الذي ذكرته حركة الضمير هو الرقم الموثق فقط، في حين أن هناك آلاف المعتقلات لم تُوثَّق أسماؤهن، خصوصاً ممن هم في الداخل، بسبب سيطرة نظام الأسد، وهو ما قد يعرضهن لخطر الاعتقال مجدداً أو القتل".

وأشارت الصحفية السورية إلى أن "توثيق حالات الاعتقال بالغ الأهمية، وسيأتي يوم وتُستخدم بشكل فعال، وعلينا تشجيع المعتقلين والمعتقلات الذين تعرضوا لصنوف التعذيب والانتهاكات على رفع دعاوى في المحاكم الدولية ضد نظام الأسد".

ولفتت إلى أن "قضية المعتقلين ارتبطت بالملفات السياسية، وهذا جعلها ورقة ضمن (البازار السياسي)، وكان يُفترض العمل أولاً على هذا الأمر، لكونه إنسانياً وحقوقياً خارج أي تفاوض".

وبحسب حركة الضمير، يوجد في معتقلات نظام الأسد بين 220 و450 ألف معتقل يتعرّضون لأنواع التعذيب والعنف والاغتصاب كافة، في حين "قُتل حتى الآن أكثر من 100 ألف داخل السجون"، وما زال نظام الأسد مستمراً في ذلك.

مكة المكرمة