المياه العادمة تبلع شاطئ غزة وتقضي على متنفَّس السكان الوحيد

بحر غزة

Linkedin
whatsapp
الأحد، 01-07-2018 الساعة 13:56

لم يعد شاطئ بحر غزة ذلك المكان المناسب والجميل بالنسبة إلى سكّان القطاع لقضاء أوقات الترفيه والاستجمام على رماله الصفراء واللهو بين أمواجه للهروب من حرّ الصيف وأزمات الحصار الخانقة، بعد أن لفظ ما فيه على أجسادهم التي توشّحت بالسواد بفعل المياه العادمة التي تصبّ فيه.

شواطئ غزة لطالما كانت المتنفَّس الوحيد للسكان، وحملت مياهها الكثير من هموم المواطنين وشكواهم، لكن هذا العام كان استقبالها للمصطافين على غير عادتها؛ فالروائح الكريهة تتناقلها الرياح لكل مكان، والمياه العادمة السوداء تسيطر على مساحات كبيرة من الشواطئ، ما جعل السباحة وحتى التأمّل أمراً صعباً للغاية.

شكاوى المواطنين من تلوّث مياه البحر، والروائح الكريهة القوية التي تنبعث من الشواطئ الممتدّة من أقصى الشمال حتى الجنوب، ترتفع بشكل جنونيّ، خاصة أن هذه الأوقات تشهد نزوح معظم عائلات غزة للشواطئ للهروب من الحرارة المرتفعة وانقطاع التيار الكهربائي لأكثر من 18 ساعة في اليوم.

الأربعيني إبراهيم الجعبري، من سكان بلدة جباليا شمال قطاع غزة، فضّل أن يُبقي عائلته داخل سيارته للاستجمام والنظر من بعيد لمياه البحر وأمواجه المتلاطمة والمتلألئة بدلاً من المخاطرة والنزول للشاطئ والسباحة في المياه التي غزاها اللون الأسود.

- المتنفَّس الوحيد

الجعبري يقول لـ "الخليج أونلاين": "هذا الصيف كان سيئاً للغاية بالنسبة إلينا، ومتنفَّسنا الوحيد والمكان الأول والأخير الذي نتوجه له لقضاء بعض الوقت للراحة والاستجمام ونسيان الهموم والمشاكل التي نعاني منها أصبح هو الآخر همّاً ثقيلاً على ظهورنا".

"في كل مكان تشتمّ رائحة مياه المجاري، وليس هذا فقط، بل إن الشاطئ لا يصلح أيضاً للسباحة بفعل المياه العادمة التي تصبّ فيه بشكل يومي ومباشر، وفي حال جازفتَ وسبحتَ فستخرج من البحر ولونك أسود ورائحتك كريهة للغاية، وخاصة شواطئ بيت لاهيا شمالاً ودير البلح جنوباً"، يضيف الجعبري.

ويشير إلى أن الكثير من الأهالي عزفوا عن القدوم لشواطئ غزة بسبب الخطر الذي يتربّص بهم هناك، وفضّلوا التوجه نحو استئجار "الشاليهات" للسباحة والاستجمام رغم ارتفاع سعرها، لكنها تبقى نظيفة ومضمونة.

وعلى بعد أمتار قليلة من سيارة الجعبري، يعكف الحاج أبو خالد اليازجي برفقة أحفاده الصغار على حفر حفرة صغيرة بعيداً كثيراً عن الشاطئ؛ ليملأها بالماء النظيف الذي جلبه في شاحنته الصغيرة ويُجلس بها أحفاده الصغار يلهون ويلعبون وأصوات ضحكاتهم تملأ المكان.

وعن هذا المشهد الغريب يقول اليازجي لـ "الخليج أونلاين": "أن تضحّي بأطفالك وتجعلهم يسبحون بهذه المياه الملوّثة والخطيرة فهذا أمر لا يمكن تقبّله، وأعتقد أن حفر حفرة صغيرة بجانب الشاطئ وملأها بالمياه النظيفة سيكون خياراً مريحاً وصائباً لك ولأطفالك".

ويضيف: "منذ ساعات الصباح الأولى ونحن نبحث عن مكان مناسب وجيد يمكن أن نضع خيمتنا فيه ونُنزل أطفالنا وأفراد عائلتي للسباحة، لكني للأسف لم أجد ذلك، فاللون الأسود بات يغزو المياه، والرائحة الكريهة تنبعث من كل مكان، في مشهد لم يسبق أن رأيناه منذ سنوات طويلة".

وطالب اليازجي الجهات المسؤولة في غزة، وعلى وجه الخصوص البلديات، بإيقاف ما أسماه بـ"مجزرة قتل شواطئ غزة"، مؤكّداً أن ما يجري سيتسبّب بضرر صحي كبير وخطير على آلاف السكان، وسيحرمهم من متنفّسهم ومكان استجمامهم الوحيد.

المتضرّر من تلوّث شواطئ غزة ومصبّات المياه العادمة ليس المصطافين وحدهم؛ فهناك فئة أخرى أكثر تضرّراً ويعانون الأمرّين؛ وهم أصحاب الاستراحات البحرية الذين تكبّدوا خسائر مالية فادحة هذا الصيف، بحسب ما صرّح به إيهاب أبو حصيرة، صاحب استراحة "أبو حصيرة" على شاطئ مدينة غزة.

وأكّد لـ "الخليج أونلاين" أن "الروائح الكريهة والقوية المنبعثة من البحر، إضافة لتغيّر لونه وإغراق الرمال الموجودة على الشواطئ باللون الأسود، أجبر المصطافين على العزوف عن النزول في الاستراحات، والابتعاد عنها خوفاً من الأمراض والأوبئة التي يسبّبها التلوّث، وهذا الأمر كبّدنا خسائر مالية مضاعفة".

وعلى مدار الساعة تواصل مصبّات مياه الصرف الصحي ضخّ ما بجوفها داخل شاطئ البحر، بعد عجز البلديات في القطاع عن توفير الوقود اللازم لتشغيل محطّات المعالجة، في ظل انقطاع التيار الكهربائي لساعات متواصلة، الأمر الذي أدّى لتلوّث المياه وانبعاث روائح كريهة، إضافة لحظر السباحة وفقاً لمعايير الصحة العالمية.

ونتيجة للتلوّث الكبير في المياه أطلقت بلديات غزة نداءات للمصطافين لاتّباع تعليماتها والابتعاد عن مصبّات المياه العادمة والمناطق الملوّثة وعدم السباحة أو الوقوف قربها، أو قد تلجأ لإغلاق الشاطئ بأكمله، وسط تحذيرات من كارثة بيئية تهدّد شواطئ البحر، في ظل العجز عن تصريف مياه الصرف الصحي عبر محطات المعالجة؛ بسبب انقطاع الكهرباء ونقص السولار لتشغيل المولدات.

وتُشير أرقام طرحتها مراكز حقوقية إلى ضخّ ما يزيد على 120 ألف متر مكعب يومياً من مياه الصرف الصحي في غزة بالبحر، وعلى مسافات قريبة جداً لا تتجاوز الـ300 متر في أفضل الأحوال.

 

 

- الكارثة القادمة

وكشفت تحاليل مخبريّة أجرتها جهات رسمية مختصّة في قطاع غزة عن تسبّب أزمة الكهرباء في تدهور الوضع البيئي، وتلوّث 75% من مياه الساحل الممتدّ على مسافة 40 كيلومتراً.

وبحسب مختصّين من وزارة الحكم المحلي، وسلطة جودة البيئة، ووزارة الصحة، ومصلحة المياه، وبلديات الساحل، والشرطة البحرية في قطاع غزة، فإن تلوّث البحر "البيولوجي والكيميائي والفيزيائي" طال معظم السواحل بفعل ضخّ مياه الصرف الصحي من المدن والمرافق السكنية والصناعية والطبية بشكل مباشر إلى البحر.

وتصل الكهرباء إلى المواطنين بما لا يزيد عن 4 ساعات في اليوم، في أفضل الأحوال، مقابل فصل يستمرّ من 16 إلى 18 ساعة، منذ أشهر طويلة، بعد توقّف محطة الكهرباء عن العمل وتعطّل الخطوط المصرية، ما أثّر في الخدمات الحيوية.

ويقول مدير عام الحماية في سلطة جودة البيئة، بهاء الآغا: إن "الأوضاع الصحية والبيئية على شواطئ القطاع باتت خطراً كبيراً يهدّد حياة المواطنين بشكل مباشر؛ نتيجة تلوّث المياه وانبعاث روائح كريهة وضارّة".

وفي تصريحات خاصة لـ"الخليج أونلاين"، يؤكّد الآغا أن الشواطئ تتآكل، ونسبة التلوّث في مياه ساحل القطاع تجاوزت الـ75%، وهذا الرقم بالنسبة إلى الصحة العالمية في قمّة الخطورة، وقد يسبّب أمراضاً مزمنة للمصطافين ستؤدّي في النهاية إلى وفاتهم.

وذكر أن التحاليل المخبريّة الرسمية توصّلت إلى أن معظم شواطئ غزة ملوّثة ولا تصلح للاستجمام، مؤكّداً أن استمرار ضخّ المياه العادمة في البحر بهذه القوة سيترتّب عليه نتائج خطيرة وكارثية يصعب توقّعها بعد ابتلاع المياه أثناء السباحة؛ كالالتهابات الجلدية والحساسية والإسهال والتهاب الجهاز الهضمي.

ودعا الآغا إلى التحرّك العاجل والفوري من قبل الدول المانحة والبلديات لتوفير الوقود اللازم لتشغيل محطّات معاجلة المياه العادمة قبل تصريفها في البحر وإنقاذ ما تبقّى من الساحل.

وتوفّي، في يوليو الماضي، الطفل محمد السايس (6 أعوام)، نتيجة تلوّث مياه البحر، بعد إصابته بجرثومة في الدماغ، وفقاً لما ذكره مركز الميزان لحقوق الإنسان.

وكان اتحاد بلديات قطاع غزة قد أعلن، قبل أسابيع، إغلاق عدد من المناطق المقابلة لشواطئ القطاع بالكامل؛ لضخّ مياه الصرف الصحي فيها، لعجز البلديات عن توفير الوقود لمحطة المعالجة.

وفي ذات السياق أوضح مدير عام المياه والصرف الصحي في بلدية غزة، المهندس ماهر سالم، أن البلدية تقف عاجزة عن إيجاد حلول جذرية للتخلّص من مياه الصرف الصحي، والتي تعتمد بشكل أساسي على الكهرباء، حيث تتم عملية التكرير في الوقت الطبيعي على مدار اليوم، من ثم يتم الضخّ لشاطئ البحر، فهي تكون بوضع أقلّ خطورة مما يحدث الآن.

وأضاف: "انقطاع التيار الكهربائي منذ  أشهر متواصلة، وغياب الحلول أمام طواقم البلديات المنتشرة، دفع إلى ضخّ تلك المياه إلى شاطئ البحر، وذلك لارتفاع المنسوب في الأحواض المخصّصة لتجميع مياه الصرف الصحي الذي قد ينذر بكارثة تصيب المنازل المحيطة بالمنطقة".

ولفت إلى أن ما يقرب من 100 ألف لتر مكعب من المياه العادمة تتدفّق لمياه البحر بشكل يومي، أكثرها في منطقتي غرب وشمال مدينة غزة، حيث تصبّ بشكل مباشر في البحر دون معالجة أو تكرير، وهذا الأمر خطير وساعد على تلوّث الساحل وتآكله بفعل العوامل الطبيعية والصناعية.

وتحتاج محطّات ومضخّات الصرف الصحي القريبة من شاطئ غزة، والبالغ عددها 5، إلى 200 ألف لتر من السولار بشكل شهري، هذا عدا المحطات المنتشرة في داخل المدينة التي لو تم توقيفها عن العمل فستغرق بعض شوارع ومنازل المواطنين، بحسب المهندس سالم.

مكة المكرمة