النازحون العراقيون.. معاناة تستغلّها عصابات التسوّل لجمع المال

أصبح التسوّل في العراق ظاهرة مخيفة جداً

أصبح التسوّل في العراق ظاهرة مخيفة جداً

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 05-06-2018 الساعة 16:36


"أختكم نازحة.. ممكن مساعدة"، عبارة كثيراً ما تمرّ على مسامع الجميع يومياً في الساحات العراقية العامة والشوارع والأسواق ونقاط التفتيش وقرب المساجد، كل ذلك بهدف نيل استعطاف الآخرين من أجل الحصول على المال.

التسوّل في العراق أصبح ظاهرة مخيفة جداً؛ بسبب كثرة المتسوّلين الذين أصبحت أعدادهم بالآلاف، لا سيما بعد الأحداث التي شهدتها مناطق الموصل وديالى والأنبار وصلاح الدين، التي تعرّضت لأكبر عملية تدمير رافقها نزوح ملايين الأشخاص، فضلاً عن جيوش الأرامل والأيتام التي خلّفتها المعارك ضد تنظيم داعش.

المتسوّلون في العراق وجدوا ضالّتهم منذ أول موجة نزوح شهدتها مدينة الموصل ومدن أخرى، بعد أحداث العاشر من يوليو 2014 ولغاية اللحظة، فقد استغلّت عصابات التسوّل اسم النازحين ومعاناتهم من خلال سرد قصص وهميّة مؤثّرة على الناس مشابهة لما تعرّض له النازحون، وذلك لكسب عطف الناس والحصول على المال.

بالقرب من إحدى الإشارات المرورية وسط العاصمة بغداد رصد مراسل "الخليج أونلاين"، وفي أوقات متعدّدة، انتشار عدد من النساء المتسوّلات يطلبن المساعدة بحجّة النزوح والظروف المعيشية الصعبة.

المتسوّلة أم أحمد، وبعد محاولات عديدة للتحدّث، قالت إن الظروف المعيشية الصعبة وعدم قدرتها على توفير السكن ولقمة العيش لعائلتها المكوّنة من 5 أبناء، لا يتجاوز كبيرهم الـ 12 من عمره، دفعتها للانضمام إلى إحدى عصابات التسول في بغداد.

وحول سبب استغلال اسم النازحين وظروفهم الصعبة قالت: إنها "مأمورة تنفّذ ما يملي عليها (العميد)"، وهو لقب يُطلق على كبير ورئيس العصابة، مبيّنة أن "عبارات الاستجداء وطلب المساعدة تختلف باختلاف المكان والزمان وما يرافقها من أحداث".

وأضافت أم أحمد لمراسل "الخليج أونلاين": إن "معاناة النازحين كانت أفضل فرصة استغلّها المتسوّلون للحصول على المال طوال السنوات الثلاث الماضية"، منوّهة بأن "التسوّل مهنة غير شريفة؛ تتعرّض خلالها بعض النساء إلى ابتزاز جنسيّ من قبل أفراد العصابات، بعد أن دفعتهن الظروف إلى امتهان هذه المهنة القذرة"، على حدّ وصفها.

وتابعت أم أحمد حديثها قائلة: إنها "وما إن تجد الظروف الملائمة وتوفر لها ولأطفالها ملاذاً آمناً فإنها ستترك مهنة التسوّل؛ لكونها ستكون مستهدفة من قبل أفراد العصابة التي انتمت إليها خوفاً على أنفسهم من الفضيحة وملاحقتهم من قبل الحكومة العراقية".

اقرأ أيضاً :

تركيا: قد ندخل جبال قنديل شمالي العراق في أي لحظة

وعلى مقربة من أم أحمد تقف الطفلة فرح البالغة من العمر 13 عاماً بثيابها الرثّة ووجها الذي كساه الغبار، وهي تتنقّل بين السيارات تحت أشعة الشمس الحارقة لطلب المساعدة من أجل تأمين المبلغ المفروض عليها يومياً من قبل عميد عصابة المتسوّلين.

تقول فرح في حديث مع مراسل "الخليج أونلاين" إنها منذ أكثر من سنتين وهي تعمل مع إحدى عصابات التسوّل مع والدتها بعد فقد أبيها في تفجير إرهابي في سوق جميلة وسط بغداد عام 2015، مبيّنة أنها انتمت مع والدتها لإحدى العصابات لغرض الحصول على مسكن يؤويها هي ووالدتها التي تقف بالقرب من إحدى نقاط التفتيش.

وأضافت: إن "المسؤولين عن العصابة يقومون بتوزيعنا على المناطق بسيارات خاصة منذ الساعة 7 صباحاً حتى الخامسة مساء، كما يقومون بتحفيظنا عبارات الاستجداء، كل حسب مهمّته، ومن أبرز هذه العبارات عبارة (أختكم أو ابنتكم نازحة ممكن مساعدة)".

ومن جانبها قالت الباحثة الاجتماعية غدير محمد الربيعي، في حديث مع مراسل "الخليج أونلاين": إن "90% من المتسوّلين، لا سيما الأطفال والنساء، فقدوا مُعيلهم بسبب الصراعات الطائفية والحزبية والمعارك الأخيرة ضد تنظيم داعش"، مبيّنة أن "جميع هؤلاء يعانون من تردّي الوضع الاقتصادي، ما دفعهم إلى التسوّل".

وأضافت: إن "المتسوّلين، وخصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى من الرجال، لهم حقوق، لذا فإن على الحكومة العراقية والجهات المعنيّة متابعة خلفيّات المتسوّلين والأسباب التي دفعتهم للانضمام إلى عصابات التسوّل، ومعالجة وضعهم الإنساني والمادّي، وإنقاذهم من حالة الفقر والحرمان التي عاشوها، التي دفعتهم إلى أحضان أناس مجرمين همّهم الوحيد الحصول على المال".

وحول هذا الموضوع قال الخبير الأمني خالد عبد الكريم، إن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت تضخّماً مخيفاً في ظاهرة التسوّل في العراق، التي باتت تضمّ شرائح وأعماراً مختلفة تُمارس عملها بحرية وبأساليب مختلفة مستغلّة غياب سلطة القانون"، مشيراً إلى أن "انتشار هذه الظاهرة يعكس مدى تراجع البلد حضارياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً".

وأضاف في حديث لمراسل "الخليج أونلاين": إن "الحكومة العراقية ومع تفاقم ظاهرة التسوّل بكافة أشكالها مطالبة بتشكيل لجنة مشتركة من وزارتي الداخلية وحقوق الإنسان؛ لدراسة ظاهرة التسوّل وتأثيراتها في الواقع الحضاري والأمني، وحتى الاجتماعي، للحدّ من هذه الظاهرة الخطيرة".

مكة المكرمة