بحكاياه الغريبة.. الموت ضيف ثقيل على المصريين يخففونه بظرافتهم

أحرق شاب مصري نفسه اعتراضاً على سوء ظروفه

أحرق شاب مصري نفسه اعتراضاً على سوء ظروفه

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 18-10-2016 الساعة 17:05


يبدو أن للمصريين مع الموت علاقة مختلفة عن تلك التي تعرفها شعوب العالم الأخرى، علاقة ترويها الأزمنة قديمها والحديث؛ إذ إنهم يجددون حكاياهم تلك ويضيفون إليها على مر السنين.

أولئك الذين ما زالوا يبهرون العالم بالأهرامات إنما يبهرونه برمزية الموت عند أسلافهم، الذين جعلوا من الموت مصدر فخر لأجيالهم اللاحقة، ومصدر إعجاب تحسدهم عليها الشعوب الأخرى، فأعجوبة الدنيا التي بنوها منذ آلاف السنين إنما هي قبور تضم موتى، ودلالة تشير إلى الموت، لكنها أكبر قبور العالم حجماً.

وتعبيراً عن رفضهم لسياسات حكومتهم كان الموت انتحاراً خيار مصريين، في حين كانت حوادث مؤلمة تستمر في توثيقها سكك القطارات، معلنة استمرار كونها آلة موت تحصد أرواح المصريين.

وبينما عرف المصريون الموت غرقاً منذ أمد بعيد، حيث يبتلع النيل عدداً منهم من جهة، ويحظى البحر بحصته من مهاجريهم من جهة أخرى، دخلت الطائرات حاملة موتاً من نوع جديد للمصريين.

اقرأ أيضاً :

#ثلاجة_السيسي الخالية لـ10 سنوات تثير سخرية عارمة

لكن رغم كل تلك البشاعة التي يحملها الموت في حوادث قاسية للمصريين، ورهبته حين يُذكر، أدخل المصريون الموت في لطائفهم وجملهم المحببة الظريفة، بل كان الموت لصيقاً وما يزال بعبارات الغزل.

وربما لا يستعمل شعب آخر لفظ الموت بالقدر الذي يستخدمه المصريون؛ فوقت الحب يكون التعبير الأكثر دلالة على شدته "أحبك موت"، ولتأكيد أن الضحك من القلب يقفز التعبير "هموت من الضحك"، وحتى الغزل يتم فيه استخدام الموت، فقد يقول المغازل: "أموت في العيون السود". ويعتبر الهتاف الأشهر في تاريخ مظاهرات الحركة الوطنية المصرية هو "نموت نموت وتحيا مصر".

اهتمام المصريين بالموت يتضح جلياً عند الوفاة، إذ يقيم قطاع كبير من المصريين سرادقات عزاء فاخرة، ربما لم يتمتع الميت بمثلها في عرسه أو مناسباته السعيدة قبل الرحيل، وقد يستدين ذوو الميت لكي يقيموا سرادقاً فخماً يتضمن البوفيه (شاي وقهوة)، والمقرئ والأنوار والكراسي وطاولات القهوة وزجاجات المياه المعدنية و"طفايات" السجائر ويستمر العزاء 3 أيام.

ويهتم المصريون بشكل بالغ بمقابرهم التي ستؤول إليها أجسادهم بعد الموت، حيث يعتنون ببنائها وزخرفتها بشكل ربما لا يوجد في أي بلد آخر، كما تكتب لافتات كبيرة على القبور للتعريف بالميت وأسرته.

وللمقابر زيارات دورية عقب مرور أسبوع على موت الفقيد تسمى الأسبوعية، ثم عند الأربعين، ومع مرور كل عام على الوفاة، تسمى السنوية، وهي مناسبات يتم الاجتماع فيها، واستحضار مقرئين وتوزيع مشروبات على الحاضرين الذين يتذكرون الفقيد ومناقبه.

- حوادث موت مشهورة

الموت بعضه في مصر يجلب شهرة لأصحابه، كذلك الشاب المدعو أشرف محمد شاهين، الذي أشعل النار في نفسه يوم السبت 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ليصبح أقرب إلى الموت منه إلى الحياة، مفضلاً أن ينتقل للدار الآخرة على أن يبقى في الدنيا التي لم يتمكن فيها من مسايرة الأوضاع الاقتصادية، إذ سحقته للدرجة التي قرر معها الرحيل.

حادث الانتحار هذا جاء بعد ليلة واحدة من مقتل 12 عسكرياً في سيناء، ونشر صورهم عقب الحادث بشكل أثار استياء البعض، لما تضمنته الصور من بشاعة.

الموت أيضاً من بين أشكاله في مصر أن يكون جماعياً، وهو أمر اعتاده المصريون، ففي الأيام الأخيرة على سبيل المثال فقط سجل رحيل 4 مواطنين؛ بسبب حادث على الطريق الصحراوي بالمنيا، مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، مؤكداً استمرار مسلسل نزيف الدم على الطرقات؛ بسبب سوء حالة الطرق أو السيارات، في حين ودع أهالي "رشيد وكفر الشيخ" جثث نحو 300 من أبناء كفر الشيخ وغيرها؛ غرقوا مع أحلامهم في مياه البحر المتوسط، في 22 سبتمبر/أيلول الماضي، قبل أن يسافروا إلى أرض أحلامهم في إيطاليا.

ذلك ليس الغرق الأول بالطبع؛ حيث تعود أبناء تلك المناطق فقد أبنائهم في مياه البحر خلال رحلة هروبهم من بلادهم إلى دول سبق أن نجح فيها بعض أقرانهم فقرروا أن يسافروا مثلهم؛ رغم أن أضعاف هؤلاء الناجحين ماتوا في الطريق.

وقبلها بأيام شيع أهالي مدينة العياط ، جنوب الجيزة، جثامين 4 من الضحايا الذين ماتوا بسبب خروج عجلات قطار عن القضبان، في حادث آخر من حوادث القطارات التي طالما دعست أو اشتعلت في مصريين من ركابها البسطاء.

"قطار العياط"

ولم ينس المصريون حتى الآن حادث سقوط الطائرة المصرية قبالة سواحل جزيرة كارباثوس اليونانية، التي راح ضحيتها 56 راكباً؛ منهم 30 مصرياً، بالإضافة إلى 10 آخرين هم إجمالي طاقم الطائرة في 19 مايو/أيار الماضي.

الموت في شوارع مصر لم يعد مستنكراً بشكل واسع كما كان منذ سنوات؛ حيث اعتاد الناس على مشهد مظاهرات رافضي الانقلاب في مصر، التي قد تخلف وراءها عدداً من الضحايا برصاص قوات الأمن، وعلى ذكر قوات الأمن تشير إحصاءات إلى أن أكثر من 300 مصري ماتوا في السجون بسبب الإهمال الطبي أو التعذيب، وسبق أن سقط خلال مذابح "ماسبيرو"، "رابعة"، "النهضة"، "العباسية"، "الجمل" عدة آلاف لم يتم إصدار رقم واحد يوضح عددهم بشكل حاسم. وأصبحت "مشرحة زينهم" من أشهر المعالم في القاهرة خلال السنوات الأخيرة.

"مشرحة زينهم"

المصريون يموتون أيضاً في ملاعب الكرة، حيث قتل 72 مشجعاً كروياً في ملعب بورسعيد يوم 1 فبراير/شباط 2012، ثم 22 آخرون في "الدفاع الجوي" يوم 8 فبراير/شباط 2015، فضلاً عن حرق 50 مثقفاً وفناناً داخل مسرح بني سويف (جنوب) في 5 سبتمبر/أيلول 2005.

كما يسقط مرضى السرطان و"فيروس سي" بشكل أوتوماتيكي، وحتى في موسم الحج يحظى المصريون بالنصيب الأكبر بين أعداد الموتى؛ لسبب لا يستطيع أحد الوصول إليه بدقة.

مكة المكرمة