بين هرب ومنع وموت.. حرب النظام تفتت العائلة السورية

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LWzJro

عوائل كثيرة شردتها قنابل الأسد

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 09-03-2019 الساعة 02:01

ما تزال صورة ذلك الأب من أهالي بلدة الحراك في محافظة درعا بالجنوب السوري، والذي ظهر في مقطع فيديو وهو يمزّق البطاقة العائلية (دفتر العائلة)، مطبوعة في أذهان السوريين؛ إذ قُتل جميع أفراد أسرته (تسعة أولاد ذكوراً وإناثاً وأمّهم) في قصف شنته طائرات نظام الأسد؛ فلم يبقَ مسوّغ لوجود هذا الدفتر بعد فناء العائلة.

قصة هذه العائلة ليست فريدة؛ فمثلها وقريب منها عدد كبير من العوائل التي فقدت جميع أو بعض أفرادها في قصف قوات نظام الأسد والقوات المتحالفة معه للمدن التي يقطنها مدنيون معارضون لحكمه!

أكثر الجهات التي وثقت مآسي السوريين هي المنظمات المدنية المتخصصة في توثيق الانتهاكات، وإيصال المساعدات الإغاثية إلى السكان داخل هذه المدن.

محمد الأسعد، الخبير الاجتماعي، وهو مسؤول سابق في إحدى المنظمات المعنيّة بالشؤون الاجتماعية العاملة بالمناطق المحررة، يقول إنه جمع بيانات شاملة عن معظم الأسر في المناطق المحررة من خلال المنظمة التي عمل فيها.

وأشار إلى أنه ورفاقه، في جميع تنقلاتهم بين المدن والقرى بالجنوب السوري بين محافظتي درعا والقنيطرة، نادراً ما وجدوا أسرة واحدة يجتمع أفرادها تحت سقف واحد.

وأضاف الأسعد وهو يتحدث لـ"الخليج أونلاين": إنهم في المنظمة التي عمل فيها كانوا يخرجون إلى القرى والمدن لغرض "جمع البيانات عن الأسر المستحقّة للمساعدة، وتسجيل الحالات الاجتماعية المختلفة، من أجل معرفة نوع المساعدة الواجب تقديمها".

الحرب تسببت في تفريق العائلة الواحدة، بحسب الأسعد، الذي أشار إلى أن عدداً كبيراً من العوائل توزع أفرادها بين مناطق تسيطر عليها قوات النظام وأخرى تحت سيطرة قوات المعارضة.

وبيَّن أن أفراد الأسر الموزعين بين هذه المدن بسبب الدراسة أو العمل، لا يمكن أن يتواصل بعضهم مع بعض، بسبب قطع الطرق بين هذه المناطق من قِبل قوات النظام "الذي يعتبر التواصل مع المناطق المحرّرة جريمة".

محمد الأسعد، وهو له اطلاع كبير على ظروف السوريين في هذه المناطق، يقول: إن من بين ما سجَّله "سكن الأب في مناطق النظام والابن في المناطق المحررة، ومرّت السنوات دون أن يكلّم أحدهما الآخر. ربما يموت أحدهما فلا يسمع الآخر به، فضلاً عن أن يحضر جنازته أو يشارك فيها!".

فوق هذا كله، يوضح الأسعد أن ممتلكات الناس ومنازلهم تعرضت للهدم والخراب؛ نتيجة القصف والمعارك.

وقال إنه بعد هذا الخراب تشردت الأسر وأصبحت بلا مأوى، مستطرداً بالقول: "ونظراً إلى انعدام فرص العمل؛ وسعياً وراء الأمان الذي فُقد، ولتأمين حياةٍ أفضل للأسرة، تشتّت أفراد العائلات كلٌّ في اتجاه. فالشباب منهم مثلاً كانت وِجهتهم أوروبا أو دولاً أخرى".

لعل أبرز أسباب ما أصاب الأسرة السورية من ضياع وتفكك هو موت رب الأسرة وتركه وراءه زوجة وأولاداً، خاصة أن نسبة كبيرة من حالات الوفاة هي لشباب في مقتبل العمر، أو لم يمضِ على زواجهم سوى بضع سنوات وربما أقل، بحسب محمد الأسعد.

وأضاف: "هناك حالات كثيرة مثلاً لسيدات في العشرين من العمر أو أقل، قُتل الزوج ثم تزوجت، ثم قُتل الزوج الثاني، وهذا الأمر أصبح ظاهرة ولم يعد مجرد حالات فردية".

واستطرد قائلاً: "قد يترافق ذلك بحالات ولادة من الزواجين الأول والثاني، وهذا الأمر تترتب عليه أمور كثيرة وتعقيدات اجتماعية لا تنتهي؛ فقد يكون لأهل الزوج المتوفَّى دور في فصل الطفل عن أمه بسبب زواجها الجديد، وهكذا ينشأ هذا الطفل خارج المنظومة الأسرية الطبيعية".

الأسعد يؤكد أن "ظاهرة أرامل الحرب يصعب إحصاؤها بدقة؛ فالأعداد كبيرة جداً".

ولفت الانتباه إلى أن "الزواج -وهو السبيل الطبيعي لتكوين أسرة- تراجع بشكل كبير جداً؛ إما بسبب هجرة الشباب، أو مقتلهم في الحرب، وإما بسبب الحالة المادية المتردّية، وهكذا تكون الصورة القاتمة عن وضع الأسرة السورية قد اكتملت أجزاؤها".

عائلة زياد الخطيب من بين الأسر التي تعبر عن واقع الحال في الجنوب السوري، إذ يقول: "نحن أربعة إخوة، هُجّر اثنان منا قسرياً إلى محافظة إدلب (شمال) بعد سيطرة النظام على الجنوب السوري، وبقي اثنان في المنزل عند والدنا المصاب بالسرطان".

الخطيب تابع في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن أخويه حاولا إجراء تسوية مع النظام، لكي يبقيا إلى جانب والدهما، ولكنهما فشلا، وتم سَوقهما إلى الخدمة الاحتياطية؛ فبقي الوالد المريض دون مُعيل. ولا تستطيع الأم القيام بخدمته.

أما عبد الله رمضان، فيقول إن كثيراً من الأسر في قريته الصغيرة لم يبقَ منها أحد، أو غادر معظم أفرادها.

رمضان يوضح لـ"الخليج أونلاين" وهو يشرح حال أسرته المكونة من خمس بنات وولدين، أنه اضطر إلى إخراج أولادهم خارج البلد، "لكي لا يُساقوا إلى الخدمة في جيش النظام".

أولاد رمضان يعيشون اليوم في أوروبا، وهو يقول: إنه "مضت ست سنوات على سفرهم دون أن أراهم ولو مرة واحدة. هناك في أوروبا تزوجوا وأصبح لديهم أولاد. أصبحت جداً دون أن أرى أحفادي!".

الأمر نفسه حصل مع ثلاث من بنات رمضان الخمس، إذ يقول: "تزوجت اثنتان من بناتي بالقرب مني وكنا نتبادل الزيارات باستمرار، ولكن الحرب أجبرت زوجيهما على السفر، فسافروا ولم نعد نلتقي إلا عبر شاشات الجوالات، ثم تبعتهما ابنتي الثالثة التي سافر خطيبها إلى بلد أوروبي ثم لحقت به بعد سنة من سفره".

لم يعد في بيته سوى ثلاثة أفراد، هو وزوجته وابنة واحدة، يقول رمضان، مشيراً إلى أنَّ ألم الفراق أكثر مرض يعانيه، ويتشوق إلى رؤية أولاده وبناته وأحفاده قبل موته.

مكة المكرمة