تتجدّد مع رمضان.. مساعٍ فقهية لإنهاء جدلية ساعات الصوم في أوروبا

تتسبّب مشكلة عدم تحديد المواقيت في انقسام المسلمين بالقارة الأوروبية

تتسبّب مشكلة عدم تحديد المواقيت في انقسام المسلمين بالقارة الأوروبية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 19-06-2015 الساعة 14:33


مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك وعيد الفطر، يعاني مسلمو أوروبا، سنوياً، مشكلة تحديد بدء شهر الصيام وانتهائه؛ بسبب غياب التوافق بين المرجعيات الفقهية والمراكز الإسلامية حول وضع آلية واضحة لتحديد بداية الأشهر العربية.

ويثير طول ساعات الصيام في الدول الأوروبية جدلاً واسعاً بين المسلمين الذين يقيمون في هذه البلاد، خاصة أن عدد ساعات الصيام يقترب من 19 ساعة يومياً في دولة مثل بريطانيا، ويزيد عن 20 ساعة في الدول الإسكندنافية؛ مثل السويد، والنرويج، التي تشهد انعدام الليل بشكل كامل في هذا الوقت من السنة.

وتتسبّب تلك المشكلة في انقسام المسلمين في القارة الأوروبية بين مقدّم ومؤخّر في الإعلان عن بداية شهر رمضان المبارك، وفق الرؤية الفقهية التي تتبعها مراكزهم الإسلامية والمساجد في مدنهم.

ومع تصاعد الجدل حول اعتماد الحسابات الفلكية في تحديد بداية شهر رمضان المبارك، وخروج بعض الآراء التي لا تستند إلى رأي فقهي واضح حول تقليل ساعات الصيام الطويلة، عقد المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ومقرّه العاصمة الإيرلندية دبلن، دورة استثنائية عام 2015، في السويد؛ للاطلاع على ساعات الليل والنهار مباشرة، وإصدار رأي فقهي واضح حول ساعات الصيام الطويلة في مناطق شمالي أوروبا.

وقد أعلن المجلس آنذاك اعتماد آلية الحسابات الفلكية التي اعتمدها المجلس في تحديد الأشهر العربية، بناء على مجموعة من الدراسات والبحوث والمؤتمرات الفقهية التي خلصت إلى ذلك، ومن بينها ما صدر عن المؤتمر العالمي لإثبات الشهور القمرية بين علماء الشريعة والحساب الفلكي، الذي عقده المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، في الفترة من 19-21 ربيع الأول 1433هـ، الموافق لـ 11-13 فبراير/شباط 2012.

وكان المؤتمر الذي شارك فيه عدد كبير من الفقهاء والعلماء الفلكيين، أكّد أنه لا عبرة باختلاف المطالع، والأخذ بالرؤية العالمية لا المحلّية؛ لعموم الخطاب: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".

اقرأ أيضاً:

مشروع سعودي لإفطار 234 ألف يمني يومياً في رمضان

وفي حديث خاص لـ "الخليج أونلاين"، تحدّث الدكتور خالد حنفي، عميد الكلية الأوروبية للعلوم الإنسانية، ورئيس هيئة العلماء والدعاة في ألمانيا، عضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، عن مساعي المجلس لتوحيد المسلمين في أوروبا حول آلية تحديد مواقيت الصيام والإفطار، واعتماد الحسابات الفلكية لتحديد الأشهر العربية.

وأشار حنفي إلى وجود توجّه حقيقي ومساعٍ حثيثة للمجلس منذ أعوام لتحقيق هذا الهدف الذي يتبنّاه، وفق آلية منهجية متدرّجة، حتى يفهم الناس ويستوعب الأئمة في أوروبا الموضوع بأبعاده المختلفة، وببعديه الفلكي والفقهي، بالإضافة إلى بعده الواقعي، والمآلات التي تنبني على هذا الاختيار.

وأضاف حنفي بقوله: "إن المجلس قد قطع شوطاً لا بأس به في هذا الصدد، وإن ثمار هذه الجهود بدأت تؤتي أُكُلها وتتّضح صورتها في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وفي غيرها من البلدان الأوروبية الأخرى، واستقرّت إعلانات بداية الأشهر الهجرية، وخاصة أشهر رمضان وشوال وذي الحجة، في عدد من البلدان الأوروبية، وبعض هيئات الأئمة التي تتخذ من المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث مرجعية لها".

وتابع: "كما شرعت في الإعلان عن اليوم الأول من شهر رمضان قبل حلوله، وكذلك يوم العيد، حيث بدأت هيئات ومراكز إسلامية في مدن أوروبية كبرى في جمع المسلمين في المدينة الواحدة على صلاة واحدة، وعلى صلاة عيد واحدة، وهو تطوّر جيد جداً، ونأمل أن يبني عليه المجلس خلال السنوات القادمة".

وحول الفتوى التي صدرت عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في ندوة استوكهولم، التي انعقدت تحت شعار "الصيام وأحكامه الفقهية في الدول الإسكندنافية"، في التاسع من شهر يونيو/حزيران 2015، حول ساعات الصيام الطويلة في بعض البلدان الأوروبية، أوضح الدكتور حنفي، وهو عضو بالمجلس، أن مجلسه لم يتبنَّ تحديداً معيناً أو مواقيت معيّنة ومحدّدة؛ "حتى لا يشقّ على الناس بإلزامهم بمواقيت محددة ويضيّق عليهم الواسع".

وأضاف حنفي أن الندوة الفقهية في العاصمة السويدية استوكهولم، رفعت توصية إلى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بتشكيل لجنة فقهية فلكية، بالاشتراك بين المجلس ورئاسة الشؤون الدينية التركية، لتوحيد المواقيت على الساحة الأوروبية، وحلّ إشكالاتها في المناطق الشمالية وفي أوروبا كلها.

وأكّد الدكتور خالد حنفي، عضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، أن المجلس قد خطا خطوة مهمة من خلال فتواه الأخيرة المتعلّقة بأحكام ساعات الصيام الطويلة، وسبل التيسير على المسلمين في أوروبا لحل هذه الإشكالية، وأراد بهذه الخطوة التي انتهى بها التوسيع على الناس في وقت الإمساك وفي وقت الفجر؛ من خلال تحديد المدة بين وقت شروق الشمس ووقت الفجر بساعة وخمس دقائق.

وعبّر الدكتور حنفي عن اعتقاده بأن المجلس، من خلال هذه الخطوة، حافظ على ثابت مهم؛ متمثل بالإبقاء على الإفطار إلى وقت غروب الشمس، تمسّكاً بقول الله تعالى: "ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ"، وهي مسألة لا تقبل الخلاف ولا تقبل الجدال؛ لأن الآية قطعيّة عامّة لم ينسخها شيء، لكن التوسّع وارد جداً في وقت الإمساك، مستعرضاً النصوص القرآنية، وما ورد عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي اعتمد عليها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في فتواه.

واستدرك الدكتور حنفي خلال حديثه للخليج أونلاين قائلاً: "إن الفتوى لم تحسم الجدل حول هذا الموضوع بشكل نهائي، لكنها ستوسّع على المسلمين، وستقطع الطريق على الفتاوى الشاذّة التي لجأ إليها بعض المسلمين على الساحة الألمانية والأوروبية، خروجاً من المشقّة التي أحدثتها التقويمات والمواقيت التي تتشدّد في التبكير بالإمساك، وتجعل الفاصل بين وقت الشروق وبين الفجر أكثر من ساعتين إلى ثلاث ساعات أحياناً، وهذه مشقّة وتكلّف بدون دليل".

وأنهى الدكتور حنفي حديثه بالقول: "إن ألمانيا بالتحديد ستشهد نهاية للجدل الحاصل حول هذا الموضوع؛ بعد أن اعتمدت هيئات ومراكز إسلامية كثيرة للدرجة 13 تبعاً لهيئة الأئمة والدعاة في ألمانيا، والعدول عن الدرجة 18 السائدة في ألمانيا لتحديد المواقيت؛ وذلك بسبب اعتماد المراكز والهيئات الإسلامية التركية والبوسنية في ألمانيا -التي تشكّل غالبية عظمى للمسلمين في ألمانيا- للدرجة 13".

وهذا العام، سيصوم مسلمو السويد، والنرويج، وفنلندا، نحو 20 ساعة ونصف الساعة، بينما لا تغيب الشمس إلا دقائق قليلة، أو لا تغيب إطلاقاً في بعض مدن هذه الدول؛ مثل كيرونا السويدية.

وتختلف الاجتهادات حول وجوب صوم المسلمين طيلة هذه الساعات، فبينما يلتزم القسم الأكبر منهم بالساعات الطويلة هذه، يختار آخرون الصوم والإفطار بحسب توقيت مكة المكرّمة.

وسبق أن صدرت فتوى عن مؤسسة الأزهر في مصر، في عام 1982، ترى أنه في الدول التي يطول فيها اليوم بشكل غير طبيعي، كما هو الحال في دول شمال أوروبا، يجوز للمسلمين الاختيار بين أمرين؛ الصوم حسب مواقيت البلاد المعتدلة التي نزل فيها التشريع الإسلامي، مثل مكة والمدينة، أو أن يحسبوا وقت الصوم باعتبار زمنه في أقرب البلاد اعتدالاً إليهم.

ومالت الفتوى إلى أن يصوم المسلمون في البلاد التي يطول نهارها نفس عدد الساعات التي يصومها المسلمون في مكة أو المدينة.

غير أن كثيراً من المنظمات الإسلامية في أوروبا فضّلت التزام الصمت تجاه هذه القضية، أو اختارت القول بوجوب صيام النهار كاملاً، ولو بلغ عدد ساعاته 20 ساعة يومياً، ورفضت الصيام حسب توقيت مكة.

ويرى أصحاب هذا الرأي أنه طالما كان هناك شروق وغروب للشمس فيجب الالتزام بالصيام من طلوع الشمس إلى غروبها حسب البلد الذي يقيم فيه الفرد.

هذا ويُعدّ المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث واحداً من أبرز الهيئات الفقهية على مستوى القارة الأوروبية والعالم، ويضمّ مجموعة من كبار علماء العالم الإسلامي، عملوا خلال العقدين الماضيين على دراسة واقع المسلمين في الغرب، والاطلاع على أنماطهم المعيشية كافة في البيئة الأوروبية، وكيفية التعايش مع تلك البيئات وفقاً لرؤى فقهية واقعية مدروسة، تجمع بين وسطية الإسلام واحتياجات المسلمين في الغرب.

مكة المكرمة