تونس.. البحر يواصل ابتلاع "الحرّاقة" والحكومة عاجزة عن الحلول

عالم اجتماع تونسي يؤكد أهمية توجيه الخطاب السياسي إلى الشباب

عالم اجتماع تونسي يؤكد أهمية توجيه الخطاب السياسي إلى الشباب

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 04-06-2018 الساعة 17:28


استفاق التونسيون على وقع كارثة جديدة راح ضحيّتها عشرات الشباب من جنسيّات مختلفة، إثر غرق مركب كان يقلّهم إلى إيطاليا قرب سواحل قرقنة بجنوب تونس فجر الأحد (3 يونيو 2018)، ولا تزال عمليّات البحث عن الناجين متواصلة.

وأكد الناطق باسم وزارة الداخلية التونسية، خليفة الشيباني، أن 48 شخصاً لقوا حتفهم، وتمّ إنقاذ 68 آخرين، معظمهم من التونسيين الذين كانوا يعتزمون الهجرة بطريقة غير شرعّية إلى إيطاليا، وهم من يطلق عليهم بالتونسية "الحرّاقة".

- قتلى ومصابون أغلبهم تونسيون

الشيباني أضاف أن "من بين القتلى 26 تونسياً و12 أجنبيّاً و10 آخرين جارٍ التعرّف عليهم، في حين تمّ إنقاذ 60 تونسيّاً و8 أجانب من دول أفريقيا جنوب الصحراء وليبيا والمغرب".

وكشف الشيباني، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، عن تعرّف الأجهزة الأمنية على 8 من منظّمي عمليّة الهجرة في جزيرة قرقنة، ولكن لم يجر إيقافهم حتى الآن، في حين أُدرجوا في التفتيش.

وحمّل ناشطون وزارة الداخلية مسؤولية وقوع هذا الحادث الأليم، متسائلين عن كيفيّة تجمّع أكثر من 100 شخص في منطقة واحدة، ومحاولتهم اجتياز الحدود البحريّة خلسة، خاصة أن البلاد في حالة طوارئ.

وأثارت الفاجعة التي هزّت تونس جدلاً واسعاً لدى الرأي العام، وتراشقاً بالاتهامات بين السياسيين، في وقت أكّد رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، ضرورة التفعيل السريع لقرارات المجالس الوزارية السابقة فيما يتعلق بتتبع الشبكات الإجرامية المختصة في استغلال الشباب الراغب في الهجرة، والمتاجرة بهم والمخاطرة بحياتهم، وتفكيك هذه الشبكات في أسرع وقت، ومعالجة كل أوجه القصور التي أدت إلى هذه الفاجعة.

وليست هذه المرّة الأولى التي يعود فيها موضوع الهجرة غير النظامية في تونس إلى الواجهة، ففي 8 من شهر أكتوبر الماضي، صدمت سفينة تابعة للجيش التونسي مركباً يقلّ مهاجرين تونسيين بطريقة غير شرعية على بعد 54 كم من شاطئ قرقنة، ما أدى إلى غرقه ومقتل عدد منهم.

- سياسات خاطئة

ويرى سياسيون وباحثون أن الحكومات المتعاقبة تتحمّل مسؤولية الهجرة الجماعية للشباب التونسي هرباً إلى الدول الأوروبية، بسبب سياساتها الخاطئة.

رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (مستقل)، مسعود الرمضاني، قال إن السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي انتهجتها الحكومات منذ سنوات طويلة هي السبب الرئيسي في هجرة الشباب بالطرق النظامية وغير النظامية.

وأضاف الرمضاني، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، أن "الخطاب السياسي المنحطّ، وتبرّؤ الشباب من الحياة السياسية، وارتفاع نسبة التضخّم والفقر والغلاء، وفشل منوال التنمية الحالي، إضافة للانقطاع المبكّر عن الدراسة (نحو 100 ألف سنويّاً وفق لآخر الدراسات التي أجراها المنتدى)، كلّها ظروف ساهمت في إقبال الشباب على الهجرة".

ويؤكد الرمضاني أن تغيير نمط التنمية انطلاقاً من تقييم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ومعالجة حالة اليأس التي يعيشها الشباب التونسي من خلال قراءة متأنّية لأسبابها من مختلف الأطراف، وفرض القانون على بارونات الهجرة، وتسليط عقوبات صارمة عليهم، من شأنه أن يضع حدّاً لهذه الظاهرة التي تهدّد الشباب التونسي.

- أرضيّة مهيّأة للهجرة

وتؤكد دراسات محلية ودولية أن أسباب الهجرة غير الشرعية لا تزال قائمة في تونس رغم اندلاع ثورة 14 يناير، حيث أظهرت دراسة أجراها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومنظمة روزا لكسمبورغ بعنوان: "الشباب والهجرة غير النظامية"، أواخر العام 2016، أنّ 30.9% من الشباب التونسي عبروا عن استعدادهم للانخراط في الهجرة غير الشرعية، في حين ذكر 45.2% من المستجوبين أنهم بصدد التفكير حالياً في الهجرة نحو أوروبا.

اقرأ أيضاً :

تونس.. ارتفاع حصيلة ضحايا غرق قارب إلى 48 شخصاً

ويرى الدكتور الطيب الطويلي، عالم الاجتماع التونسي، أن ظاهرة الهجرة غير الشرعية أو "الحراقة" لا تقتصر على الشباب التونسي، وإنما تشمل الشباب المغاربي والأفريقي، فالهجرة إلى أوروبا هي حلم للشباب في العالم الثالث، الذي يبحث عن أفق ومستقبل مهني واجتماعي أفضل بعد أن انسدّت في نظره الآفاق في بلاده.

ويضيف الطويلي، في حديث لـ"الخليج أونلاين": "لقد تحولت (الحرقة) إلى أوروبا إلى شكل من أشكال التمرّد والاحتجاج على الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه الشباب، الذي رسّخ لديه مشاعر الإحباط والتهميش، التي تولدها البطالة، وهو ما رفّع من رغبة الشباب في الهجرة والتخلص من الواقع المرير الذي يعيشه والذي لا يرى له حلاً إلا بمغادرة البلاد".

كما أسهم "الخطاب المهزوز" للطبقة السياسية، وتعاطيها المضطرب مع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى انخفاض إحساس الشباب بالأمان، وبمقدرته على بناء مستقبله داخل أرضه، التي يبدو مستقبلها الاقتصادي غير واضح المعالم، وفق الباحث التونسي.

- أوروبا جنّة المهاجرين الموعودة

وتابع: "هذا مع ما تضيفه عودة المهاجرين إلى أرض الوطن في العطل، وما يبدونه من بذخ ومظاهر حياتية مرفهة، تقدّم للشباب المهمش صورة وردية عن الهجرة، وترغّبه في خوض غمار التجربة، وترفّع من منسوب انتظاراته منها، وتتحول أوروبا في المخيال إلى الجنة الموعودة، ومن هنا تتحول الهجرة إلى (حلم) أو (هدف سام) يعيش الشاب من أجل تحقيقه ويضحي من أجله بالغالي والنفيس".

ويستطرد بالحديث قائلاً: "بل ويلاقي عديد (الحارقين) المباركة من طرف الأولياء الذين لا يمانعون، وأحياناً يشجعون أبناءهم على الهجرة السرية، ولدينا عديد الشهادات في الأمهات اللاتي بعن مصوغهن أو أعطين مدخراتهن من أجل تمويل رحلات أبنائهن السرية".

وعن أسباب استفحال هذه الظاهرة، يؤكد الطويلي ارتفاع عدد منظمي رحلات الهجرة السرية "الحرّاقة" ودخولهم في شبكات للتهريب والاتجار بالبشر لما لهذه العمليات من مرابيح مالية ضخمة، "حيث يمكننا أن نذكر على سبيل المثال أن كلفة الحرقة لشاب وزوجه التي قد تناهز كلفة مشروع تجاري محترم يمكن أن يقوما به في تونس، ساعدت على استفحال هذه الظاهرة".

وختم الطويلي حديثه قائلاً: "في تقديري أنه للحد من ظاهرة الهجرة السرية هناك مستويات عديدة، منها الأمني خاصة في مقاومة الشبكات المنظمة للهجرة السرية، ومنها ما هو سياسي، عبر محاولة إيجاد منافذ للهجرة الشرعية للشباب مثلاً، ومنها الثقافي ومنها التعليمي، ومنها الاقتصادي والاجتماعي".

ويقول: إن "الأهم هو في الخطاب السياسي أو الرمزي الموجه إلى الشباب، حيث يجب أن يحس الشاب بأن له مستقبلاً في بلاده، وأنه قادر على إبراز قدراته ومواهبه وأن التعطيلات الإدارية والاجتماعية التي كانت تكبله هي في طور الاندثار، وأن الشاب قادر على تحديد أفقه المستقبلي في بلاده وقادر على تحقيقه لو كانت له الكفاءة اللازمة".

مكة المكرمة