جدل الإلحاد.. ظاهرة عربية منتشرة أم مجرد تضخيم؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gKJPX4

مختصون: الإحباط وراء إلحاد البعض

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 31-01-2019 الساعة 12:55

شهدت الأعوام السبعة الماضية التي أعقبت ثورات الربيع العربي صعوداً لافتاً لما يُعرف بتيار الإلحاد، خاصة وسط الشباب. وكثر الحديث عبر مختلف المنابر الدينية والثقافية والإعلامية عن هذا الأمر، حتى تحوّل في اعتقاد البعض إلى ظاهرة.

ولعل أبرز وأحدث من تناول هذا الموضوع عرضاً وتحليلاً الفيلم الوثائقي لقناة الجزيرة، الذي حمل عنوان: "في سبع سنين"، لمُخرجه محمد رشيدي، الذي اختار مجموعة من شباب ثورة يناير في مصر؛ تعرّضوا لصدمات بسبب الانقلاب على مُخرجات الثورة، ما تسبّب بخروجهم عن المسار الاجتماعي وتوجّههم نحو مسارين: الأول اتجه نحو الإلحاد ورفض فكرة وجود الإله والأديان بشكل عام، والثاني اتخذ من العمل المسلّح سبيلاً للتعبير عن سخطه ممّا آلت إليه الأمور.

في ختام الفيلم أشار المنتجون إلى دراسة مُحَكّمة قدّمها مركز الجزيرة للدراسات، عام 2017، خلصت إلى أن 6.5٪ من الفئة العمرية التي تبدأ من سن 18 وحتى سن الـ35 في مصر لا تعرف إن كان هناك إله أم لا، و4٪ منهم ملحدون، بينما يرى 11٪ منهم في العمل المسلّح حلاً وحيداً في التعامل مع سلطة الانقلاب.

هل الإلحاد ظاهرة؟

لا يكاد يخلو تاريخ البشرية على مرّ العصور من الإلحاد والملحدين، بل إن بدايات القرن العشرين شهدت تحوّل تيار الإلحاد إلى فكر ثوري تأسّست عليه إمبراطورية حكمت العالم حقباً زمنيةً متتابعة؛ هي دولة الاتحاد السوفييتي، التي تأسست على الفكر الشيوعي، وبناءً على فلسفته حظرت الأديان، وطاردت رجالها وغيّبتهم، وسجنت بعضهم وعذّبته، وقتلت البعض الآخر.

بهذا الخصوص يرى مراد العلوي، أستاذ الفلسفة في جامعة محمد الخامس المغربية، أنه لكي يُحكَم على أمر من الأمور أنه ظاهرة اجتماعية فيجب أن تتوفّر فيه مجموعة من الشروط تجعله يخرج من سياقه الطبيعي ليكون حدثاً خارج السياق.

وقال علوي في حديثه لـ"الخليج أونلاين": إن "الظاهرة حدثٌ له ارتدادات اجتماعية لا تحتاج معه للبحث لكي تجد الآثار؛ فالحكم على أمر ما أنه ظاهرة يتطلّب أن يُصبح سلوكاً عاماً، كما حصل مع الحركة الشيوعية مطلع القرن الماضي".

علوي يرى أن ما تشهده الساحة العربية من حديث عن الإلحاد "هو مجرّد تضخيم لأمر حدث ويحدث على مر العصور دون أن يلتفت إليه أحد".

وبحسب تقديره فإن "أجندات سياسية قادمة من خارج المنطقة وداخلها" هي التي تكمن "وراء محاولة وضع الأمر خارج حجمه الطبيعي"، مشيراً إلى أن الهدف من هذا هو "إشغال الساحة عن الهزات الارتدادية لزلزال الربيع العربي الذي كاد يقلب المنطقة رأساً على عقب".

أستاذ الفلسفة في جامعة محمد السادس يجد أن "هناك من يريد أن يشغلنا بمعارك جانبية تُستنزف فيها الأمة، وتُفرّغ من خلالها شحنات الغضب التي تراكمت على مدار عقود في جدل قديم وعقيم لا مخرج له، بدل الانشغال بقضايا الفساد والديكتاتورية والظلم التي طغت على حياتنا".

ولفت النظر إلى أن "أمراً مشابهاً حدث في ثمانينيات القرن الماضي؛ حين حُوّلت الطاقات الشبابية في الدول الإسلامية نحو ما يُعرف بالجهاد الأفغاني".

وأوضح: "حين تعود للوقائع تجد أن الحكومات والأحزاب الحاكمة والمخابرات كلها كانت منشغلة بقضية الجهاد الأفغاني وكأنها قضية الأمة المركزية، في الوقت الذي اختفت فيه فلسطين وراء هذا التهويل وأصبحت قضية ثانية".

بحسب علوي فإن الأمر لم يتوقف عند الجهاد الأفغاني لإخفاء قضية فلسطين، بل استمر ليشمل "سقوط الاتحاد السوفييتي، وغزو الكويت، وقضية فتح وحماس، وها نحن اليوم نشهد هرولة نحو التطبيع، وتوسّط دولة مثل الإمارات لتمكين الصهاينة من أملاك القدس وأوقافها".

أما اليوم، يقول علوي، فيُراد للساحة أن تنشغل بقضية الإلحاد، وأن تُجيَّش طاقات الشباب والحركات المجتمعية باتجاه مواجهة المارد المفترض.

وأضاف: "أرى أن هذا التوجه (الإلحاد) حقّق نجاحاً جلياً ينعكس في حجم الحديث عن القضية والانشغال بها؛ فلا تكاد تخلو ندوة أو ملتقى ثقافي من طرح هذه المسألة، بل إن بعض الباحثين سخّر نفسه ووقته للكتابة والرد على شبهات ليست وليدة اليوم، أثارها شباب اختار أن يعبّر بهذه الطريقة عن غضبه من الأوضاع القائمة".

غزو فكري

باحثون ودعاة يرون في المقابل أن الإلحاد أصبح ظاهرة اجتماعية مستفحلة؛ جاءت كرد فعل على الثورات المضادّة التي قادتها الدولة العميقة في البلدان العربية ضد الربيع العربي، بدعم دولي وإقليمي، إلى جانب ظهور تنظيم الدولة في البلاد الإسلامية، وما تبع ذلك من قتل وترهيب وسفك للدماء وانتهاك للحرمات باسم الله والإسلام.

عبد السلام السيد عوض، الأستاذ السابق بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر بمصر، قال لـ"الخليج أونلاين": إن "ما يدلّ على أن الإلحاد بات ظاهرةً لا أمراً عارضاً هو عدد صفحات التواصل الاجتماعي التي انتشرت بشكل يُثير الريبة والعجب، مع عشرات آلاف المتابعين".

وأضاف: "يكفيك أن تذهب إلى موقع فيسبوك وتكتب في البحث عبارة (الإلحاد) أو مشتقاتها، وستجد في النتائج مئات الصفحات، أقل صفحة فيها 10 آلاف متابع. ستجد صفحة باسم (كوكب الإلحاد) وفيها 710 آلاف عضو، وستجد مجموعة (الإلحاد دين العقل) وفيها 10 آلاف عضو، وغيرها الكثير مما لا يتّسع المقام لتعداده، ونفس الأمر على تويتر، وعلى ما سواهما من وسائل التواصل الاجتماعي".

وتابع: "نحن لا نملك مراكز دراسات مُعتبرة تقدّم لنا تحليلاً لواقعنا عبر بحوث واستطلاعات كما هو الحال في الغرب، لكننا نملك وسائل التواصل الاجتماعي التي يقضي الشباب العربي فيها أوقاتاً أعلى في المعدل من باقي دول العالم".

وأشار إلى أن "الاستقراء يوصلنا إلى أن موجة غزو فكري تستهدف عقول شبابنا اليوم، وتدقّ ناقوس الخطر أمام المؤسسات الدينية المستقلّة، والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني، والعلماء والدعاة، وكل معنيّ بالدفاع عن هذا الدين للوقوف أمام الموجة الجديدة من الغزو الفكري الذي يستهدف الأمة"، مشدداً على وجوب "اتخاذ خطوات مضادّة تعتمد الأسلوب العلمي لا الارتجالي في المواجهة".

السعودية في المقدمة

شيوع الإلحاد في بلاد الربيع العربي قد يكون له مسوّغ، لكن أن تتصدَّر بلاد الحرمين الشريفين قائمة الدول العربية في عدد الملحدين فهو أمر يُثير الكثير من علامات الاستفهام والتعجّب بين المسلمين خاصة؛ لكون السعودية حاضنة الدين وقِبلة العالم الإسلامي، وفيها حكم مستقرّ، مع وجود الثروة.

معهد "غالوب" الدولي، الذي يتخذ من زوريخ مقراً له، ذكر في دراسة له أعدّها عام 2014، أن نسبة الإلحاد بلغت بين 5 إلى 9% من مجموع عدد السكان في السعودية، وتُعدّ هذه النسبة الكبرى مقارنة بالدول العربية مجتمعةً.

وقد أنشأ مجموعة من الناشطين السعوديين حساباً على "فيسبوك" تحت مسمّى "جمعية الملحدين السعوديين"، بموازاة ظهور حسابات على "تويتر" تتبنّى علناً الظاهرة في السعودية.

الحادثة الأخيرة للفتاة السعودية رهف القنون (18 عاماً)، جاءت لتسلّط الضوء على ظاهرة الإلحاد في المملكة التي تدّعي أنها تتّخذ من الشريعة الإسلامية منهجاً وحيداً في نظام حكمها.

وفي ديسمبر الماضي، هربت القنون من بلادها طلباً للجوء في تايلاند، معلنة ردّتها عن الإسلام، واستقبلتها كندا، قبل أن تتخلّى عن لقب عائلتها؛ بعد أن تبرّأت الأخيرة منها على خلفيّة فرارها من المملكة واتهام العائلة بإساءة معاملتها.

ويرى مراقبون أن حالة القنون تعكس نموذجاً من حالة الازدواجية التي يعيشها الشباب العربي في ظل الأنظمة الشمولية التي تحكم بالحديد والنار.

ويرون أيضاً أن الربيع العربي كان سيمثّل فرصةً للأجيال المكبوتة سياسياً واجتماعياً وثقافياً لتعبّر عن نفسها في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات، التي جعلت المعلومات تتدفّق بشكل موجات غير قابلة للصد، وأن الثورات المضادّة التي دعمتها السعودية والإمارات تسبّبت بحالة من فقدان الأمل والشعور بالضياع والتيه، وأن الإلحاد سواء كان ظاهرة مستحكمة أو حدثاً عابراً ما هو إلا انعكاس لحالة الإحباط تلك.

مكة المكرمة