"جرائم الشرف".. جرح نازف ينخر جسد المجتمع العربي

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Gxj4Pr

موت "إسراء غريب" كشف بشاعة "جرائم الشرف"

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 31-08-2019 الساعة 17:54

لا تزال قضية "جرائم الشرف" في الوطن العربي تستحوذ على مساحة واسعة في النقاش بين مختلف شرائح المجتمع، كما أنها لا تزال تعتبر جدلية بين فئتين؛ إحداهما مناصرة لها، وأخرى رافضة.

ويحسب لوسائل التواصل الاجتماعي أنها باتت توصل مثل هذه القضايا المهمة إلى أوسع فئة ممكنة، وطرحها كقضية رأي عام، لكنها على الرغم من هذا تبقى مثار جدل وخلاف.

الوسمان "#اسراء_غريب" و"#كلنا_اسراء_غريب"، عرّفا بموت فتاة فلسطينية، مؤخراً، تشير أصابع الاتهام إلى ذويها في قتلها، والسبب التقاؤها بخطيبها في مكان عام، والتقاطها معه مقاطع فيديو مصورة وبثها على منصة "سناب شات"؛ لتعتبر عائلتها أن هذا التصرف أساء إلى شرفها.

هذا ما كشفت عنه إسراء غريب قبل وفاتها، ومطلعون على قضيتها؛ بحسب ما يتضح من خلال التعليقات الواردة على "تويتر" وتابعها "الخليج أونلاين".

بداية القصة

يوم الخميس (29 أغسطس 2019) توفيت إسراء غريب (21 عاماً) من بلدة "بيت ساحور" قضاء بيت لحم، وعقب الوفاة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلات تشير إلى تعرضها لحالة عنف شديد من أسرتها.

 

عائلة المتوفاة قالت في بيان على منصة "فيسبوك" إن ابنتهم توفيت من جراء "تعرضها لنوبة قلبية، على إثر حادث سقوط بفناء المنزل، وبسبب معاناتها من اضطرابات عقلية".

بدورها فإن مديرة مركز الإرشاد النفسي والاجتماعي للمرأة، عضوة الأمانة العامة للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، خولة الأزرق، قالت: "من خلال عملنا في المؤسسة جمعنا بعض المعلومات حول ما حدث، وتبين أن إسراء لا تعاني من أي اضطرابات عقلية".

وتابعت "الأزرق"، التي تحدثت لموقع "نساء إف إم"، المتخصص بالدفاع عن قضايا المرأة، في 25 أغسطس 2019، أن إسراء "كانت تعمل في صالون تجميل معروف في منطقتها، وكانت ماهرة في مهنتها، بينما لم يذكر المحيط بها أنها تعاني من اضطرابات نفسية".

وأوضحت أنه في الكثير من الأحيان "يلجأ الأهل إلى هذا النوع من التشويه للتغطية على جرائمهم بحق الفتيات".

وأضافت: "وصلتنا معلومات بأنها تعرضت إلى عنف من أسرتها، حيث كانت مخطوبة لشاب وتم إنهاء الخطوبة بذرائع غير صحيحة، وعلى أثر ذلك تعرضت للعنف".

المسؤولة الفلسطينية أشارت إلى أن هناك "بعض التعقيدات الصحية التي واجهتها الفتاة، لكن ليس بصدد ذكرها؛ لأنها بحاجة إلى تحقيقات أوسع وبانتظار تقرير الطب الشرعي".

وحول بيان العائلة قالت: إن "حوادث وجرائم قتل سابقة تم تغطيتها في مثل هذه البيانات التي تدعي أن المغدورة كانت تعاني من اضطرابات عقلية؛ وهو أمر بحاجة إلى تقارير طبية موثقة من جهات الاختصاص".

متابعة "الخليج أونلاين" لتفاصيل هذه القصة كشفت عن وجود اتهام من قبل قريبة المتوفاة، بأن الأخيرة تصرفت تصرفاً غير لائق أخلاقياً بخروجها مع خطيبها وتسجيلها مقطع فيديو وهما يجلسان في مكان عام وبثه عبر حسابها على "إنستغرام".

وعلى ما يبدو فإن هذه الفتاة، وتدعى "ريهام"، أوصلت هذا الاتهام لوالد وإخوة إسراء؛ ما أدى إلى إنهائهم ارتباط ابنتهم بخطيبها ومعاقبتها.

بيان العائلة غير مقنع

كثيرون علقوا باستغراب على ما ذكرته عائلة إسراء في بيانها، وقولهم إن ابنتهم تعاني من اضطرابات نفسية، وسقطت من جراء ذلك في فناء المنزل وتعرضت لكسر في عمودها الفقري، نافين علاقتهم بوفاتها.

إحدى اللاتي علقن على البيان في "فيسبوك"، وأوضحت أنها تعرف الفتاة جيداً، نفت صحة ما ذكرته عائلة إسراء في بيانها.

وقالت بوسي عمار: "بحاول أستوعب وأصدق هذا الحكي (الكلام) بس بصراحة صعب لأنه بنعرف البنت منيح (جيداً) وكانت تشتغل وما كنا (لم نكن) نلاحظ عليها لا اضطرابات نفسية ولا غيرها".

في الشريعة الإسلامية

كثيرة هي التغريدات الغاضبة مما آل إليه مصير إسراء، وكان من بين التغريدات تلك التي أدلت بدلوها من معين الشريعة الإسلامية، لا سيما أن المجتمع الذي تنتمي إليه إسراء مجتمع إسلامي.

أحد هذه التعليقات كان لمستشار شرعي وقانوني، ذكر أنه في حال ثبت الزنا محضاً لكان حده في كتاب الله 100 جلدة لا غير. وتساءل مستغرباً: "فكيف بمن تمارس حقاً مشروعاً في التعرف على خاطب بقصد النكاح؟"!

وتطرقت إحدى المعلقات إلى حادثة الإفك الشهيرة، وأوردت كيف تعامل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مع هذه الحادثة، التي يجب أن تكون نموذجاً يتعلم منه المسلمون كيفية التعامل مع مثل هذه القضايا.

بحسب ما يُعرف عنها فإن "جريمة الشرف" أو "القتل بدعوى الشرف" أو "القتل على خلفية ما يسمى الشرف"؛ هي جريمة تتم غالباً من قبل أحد أفراد الأسرة الذكور، أو أكثر من فرد ذكر واحد، ضد أنثى، أو أنثى ضد أنثى من نفس الأسرة؛ لأسباب تتعلق بمفهوم شرف الأسرة.

والمتعارف عليه في العرف الموروث أن ارتكاب الأنثى، أو مجرد الشك في ارتكابها أفعالاً تعتبر حسب العُرف الاجتماعي "مخلة بالأخلاق والآداب المجتمعية"، مثل علاقات خارج إطار الزواج، يعدّ فعلاً جالباً للعار، ويتم الدفاع عن هذه الجرائم وإعادة إنتاجها تحت اسم "الحفاظ على الشرف".

وترتكب تلك الجرائم على الرغم من أنها تخالف الشريعة الإسلامية، التي لم تصنف هذه الأفعال في خانة الأعمال الفاحشة الموجبة للعقاب الجسدي؛ بل إن الزاني والزانية لا يثبت اتهامهما بالزنا إلا بشهادة أربعة شهود من الرجال العدول تؤخذ شهادتهم في حال تأكد أنهم رأوا ارتكاب الزنا عياناً.

"جرائم الشرف" تتشابه قصصها بين الدول العربية؛ وفقاً لالتزام أسرها بالعادات والأعراف الموروثة، على الرغم من محاولات العديد من الجهات المحلية والدولية الناشطة في مجال حقوق الإنسان بالتثقيف للقضاء على هذا العرف باعتباره ينتهك حقوق المرأة ويمتهن كرامتها وإنسانيتها.

في هذا الخصوص تذكر أفراح شوقي، الصحفية العراقية، والناشطة في مجال حقوق الإنسان، أنها في مجال عملها واجهت العديد من هذه الجرائم التي تصفها بأنها "تشبه قضية إسراء غريب".

وقالت شوقي لـ"الخليج أونلاين": إن "ما حصل مع إسراء ليس غريباً على المجتمع العربي"، مؤكدة أن مثل هذه القصص موجودة في بلدها العراق، ويطلع عليها باستمرار المجتمع هناك.

وأشارت إلى أنها مطلعة على العديد من هذه القصص، التي تصفها بأن عددها يصل إلى "الآلاف"، وهي "جرائم مسكوت عنها"، بحسب قولها.

وأكدت أن القليل من هذه القصص تخرج إلى العلن؛ والفضل- بحسب رأيها- "يعود لمواقع التواصل الاجتماعي التي تكشف باستمرار عن حوادث غريبة تكشف عن واقع مرير تعاني منه المرأة العربية".

وتابعت تقول: "تصدر مثل هذه الأفعال عن الزوج أو الأب أو الأخ، ويسكت عنها أفراد العائلة، بل يبررون فعلتهم".

وترى أن "المجتمع والمحيطين بالمرأة الضحية يبررون هذه الجريمة لاعتقادهم أن هذه بنت، ومن الممكن الاستغناء عنها وعن حياتها في مقابل الذكر، ويعمدون إلى التستر على الموضوع والتغطية على الجريمة، بالاعتماد على تبريرات غير مقنعة وتلفيق التهم والأكاذيب".

الصحفية والناشطة العراقية أكدت أن "قضية إسراء اليوم تستدعي من الجهات الرسمية والجهات المدنية، لا سيما المنظمات الحقوقية والإنسانية، لأجل توعية وتنوير وتوجيه الناس، وإفهامهم بأن حياة الآخرين غالية، سواء كانوا نساء أم رجالاً، وأن هناك وسائل يمكن أن تعامل بها البنت بعيداً عن العنف والقسوة والقتل وغسل العار".

واستطردت: "للتوعية أهمية كبيرة، بالإضافة إلى ضرورة وجود قوانين رادعة لكي يكف الرجل عن مثل هذه الممارسات".

وبحكم عملها، تقول شوقي إنها واجهت العديد من القصص المشابهة لقصة إسراء غريب، مؤكدة أنها علمت من خلال لقائها بأطباء ومختصين في الشأن الصحي أن فحوصات لفتيات قتلن تكشف تقصير الأهل، لكن الأخيرين يدلون بإفادات للأجهزة الأمنية تخالف الحقيقة في سبيل دفع الضرر عن الفاعل، الذي يكون الأب أو الإخوان.

وفي ختام حديثها لفتت شوقي النظر إلى أن "الصمت على تلك الجرائم يسهم في استفحال ظاهرة غسل العار داخل المجتمعات العربية، التي ما زالت المرأة هي العنصر الأضعف فيها".

مكة المكرمة