درعا.. نبش القبور بحثاً عن آثار مدفونة تسد رمق العيش

عمليات التنقيب السري لا تزال متواصلة منذ بداية انطلاق الثورة

عمليات التنقيب السري لا تزال متواصلة منذ بداية انطلاق الثورة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 13-11-2016 الساعة 20:07


ما إن تهطل الأمطار وتصبح الأرض رخوة قليلاً، حتى يبدأ المئات من الشباب في مناطق حوران بالتنقيب عن الآثار، حيث تراهم يحملون أدوات الحفر والتنقيب اليدوي، متجهين صوب الأراضي الزراعية والخرب والتلال القريبة من مناطقهم، تحدوهم آمال كبيرة بأن يعثروا على بعض اللقى الأثرية، لبيعها والاستفادة من ثمنها بشراء بعض احتياجاتهم اليومية.

اقرأ أيضاً :

العقارات.. سلاح إيران الأقوى في غزو العواصم العربية ديموغرافياً

المختص بالتاريخ محمد القاسم يشير إلى "أن ظاهرة التنقيب السري عن الآثار كانت تنتشر في مناطق حوران بصورة محدودة قبل الثورة، وذلك لدى فئة من المواطنين، ممن لديهم شغف بالكنوز واللقى الأثرية، التواقين لمعرفة ما تخبئه الأرض في باطنها.

وكان هؤلاء مرتبطين بالأجهزة الأمنية، التابعة للنظام بصورة ما، ويعملون تحت حمايتها، وبترخيص منها، لأن القوانين تجرم كل من يحاول العبث بآثار البلد وموروثها المادي، وتنزل فيه عقوبات شديدة".

وبيَّن القاسم أن هذه الظاهرة تفشت بشكل أكبر في غياب الروادع الأخلاقية، والسلوكية، والمحاسبة؛ نتيجة الحرب التي تدور في البلاد.

وأضاف، في تصريح خاص لـ "الخليج أونلاين"، أنه "مع انتشار الفوضى والفقر والبطالة، وتوقف دورة الحياة الطبيعية؛ نتيجة ما حل بالبلاد من خراب، بسبب الحرب المشتعلة منذ أكثر من خمس سنوات، أصبحت ظاهرة التنقيب عن الآثار من الأعمال الاعتيادية في حياة الناس، ولم يعد أحد ينظر إلى هذه الظاهرة على أنها جريمة يعاقب عليها القانون، لأن ثمن لقمة الخبز أصبح- بنظر الجميع- أهم بكثير من كل الموروثات والتراث المادي، الذي لم يكن المنقبون وحدهم من أسهم في تخريبه ونهبه، وحسب، بل النظام والمليشيات المتعاونة معه".

ولنظام الأسد الدور الأبرز في ذلك، بحسب اتهامات السكان وجهات حقوقية، سواء من خلال النهب المباشر، كما حدث في كثير من المناطق، التي كان يسيطر عليها، أو من خلال استهداف المناطق الأثرية بالبراميل المتفجرة وبالصواريخ الفراغية، كما حدث في بصرى الشام ودرعا البلد والطيبة والمزيريب، وغيرها من المناطق.

ويقول عبد الله، موظف سابق: "لم أكن أعرف هذه الأعمال سابقاً، لكن عدم وجود مهن ومصادر رزق أعيش منها دفعني لنبش القبور".

وأضاف لـ "الخليج أونلاين": "ربما يكون رزقي في باطن الأرض، بعد أن فشلت في الحصول عليه فوق الأرض"، لافتاً إلى أن ما يتم العثور عليه، ورغم قلة مردوده المادي أحياناً، يؤمن له ولأسرته ثمن الطعام والشراب لفترة جيدة، حسب قوله.

وأشار إلى أن "القبور في المنطقة- وهي في معظمها رومانية وبيزنطية، حالها كحال أبناء المنطقة على ما يبدو، تعود لأناس فقراء، قلما يتم العثور فيها على أشياء ثمينة، وهي في معظمها مصنوعات فخارية، وزجاجية وبعض الحلي المعدنية".

اقرأ أيضاً :

زلزال بقوة 7.4 درجات يضرب نيوزيلندا وتحذير من "تسونامي"

ويقول طلال، شريكه في العمل وهو عامل حر: إن "أدوات العمل المستخدمة في التنقيب عن الآثار هي المعاول والفؤوس، وبعض الأدوات الدقيقة التي تستخدم بالرقم، لافتاً إلى أنه بعد انتشار الفوضى في المنطقة، وغياب الملاحقات، وعدم وجود سلطة تنفيذية تمنع وتحاسب على ذلك، بدأ بعض المنقبين باستخدام المعدات الثقيلة، كالحفارات والمتفجرات، ما تسبب بتخريب مناطق أثرية بشكل كامل، وإلحاق أضرار جسدية ببعض المنقبين".

وأوضح لـ "الخليج أونلاين"، أن "أعمال التنقيب بدأت تشهد تطوراً واستخداماً لأجهزة الكشف والتنقيب المتطورة بشكل كبير، بعد أن كانت هذه الأجهزة حكراً على مسؤولي الدولة ومؤسساتها المعنية"، لافتاً إلى أن عمليات التنقيب كانت في السابق تتم ليلاً، لكنها أصبحت الآن تنفذ في وضح النهار.

من جهته، قال عزام، وهو عامل بناء: "وجدت الكثير من القطع خلال عملي في التنقيب ولكني كنت أبيعها بأسعار بخسة، لعدم معرفتي وخبرتي في ذلك، لافتاً إلى أن همه كان الحصول على المال، ليستطيع الإنفاق على أسرته المكونة من خمسة أفراد، ولم يفكر في القيمة الحقيقية للقاه الأثرية"، وفق ما ذكر.

وأشار، في حديث لـ "الخليج أونلاين"، إلى أن "تجار الآثار في المنطقة يرتبطون مع تجار كبار خارج البلاد، والكل يراهن على جهل وعدم خبرة المنقبين، ويحصلون على لقاهم الأثرية بأبخس الأسعار، مستغلين حاجاتهم وعدم معرفتهم بالقيمة الفعلية لها، مؤكداً أن هذه اللقى تهرب خارج الحدود وتباع بمبالغ مالية عالية جداً".

ويقول غسان، سائق سيارة أجرة سابق: "ماذا علينا أن نفعل؟ كما ترى لا عمل لنا ولا نشاط، ومصادر الرزق مغلقة أمامنا، جربت العمل في معظم المهن لكن لم أنجح في أي مهنة، أردت الهجرة لكني لم أستطع جمع المال الكافي، فعملت بالحفر والتنقيب عن الآثار، لعل وعسى أن أجد أي شيء يساعدني على الخروج من هنا"، لافتاً إلى أنه عثر على بعض اللقى، لكن ما جمعه حتى الآن لا يغطي نفقات هجرته".

وقال لـ "الخليج أونلاين": "أعلم أن ما أقوم به هو خطأ كبير، وأعلم أنني أخرب تاريخ بلدي، لكني مجبر، أنا أصارع الظروف كي أعيش".

من جهته، عبر مصدر في مجلس محافظة درعا الحرة عن أسفه لتعرض المناطق الأثرية لهذه الانتهاكات الخطيرة من قبل قوات النظام، ومن قبل لصوص الآثار ومن بعض المواطنين، مؤكداً أن تاريخ المنطقة ومورثوها المادي يهدران جهاراً نهاراً، دون أن يحرك أحد ساكناً لوقف ذلك.

ودعا الجهات الثورية "كلّاً في مكان وجوده، إلى ضبط هذه الانتهاكات، ووضع حد لها؛ لأن الكل مسؤول عن ذلك".

وأشار إلى "أن عمليات التنقيب السري لا تزال متواصلة منذ بداية انطلاق الثورة، وتتم من قبل أشخاص لا تجربة لهم بأعمال التنقيب، وهم كثيراً ما يخربون اللقى ويكسرونها، وهو ما يجعلها تفقد كثيراً من قيمتها وخواصها"، موضحاً أن ذلك يفوت الفرصة على معرفة أهمية هذه اللقى وتاريخها والحقبة الزمنية التي تعود لها، والتي عادة ما يكون لها قيمة تاريخية مادية، تعرف بحضارة ما أو نمط حياة الشعوب الذين سكنوا هذه المنطقة، وأقاموا حضارتهم عليها.

ومحافظة درعا تعد من أهم المحافظات السورية بالمواقع واللقى الأثرية، وكثيراً ما يتفاخر أبناؤها بمتاحفها الموجودة في الهواء الطلق، وبقدم الحضارات التي عاشت على أرضها، والتي تبدأ من فترات ما قبل التاريخ وصولاً إلى العصر الإسلامي.

ولفت المصدر إلى أن التنقيب السري، للأسف، لا يقف فقط على نبش القبور في المناطق الأثرية، بل تجاوزها إلى تغيير معالم مناطق أثرية كاملة، من خلال نقل مكوناتها إلى مناطق أخرى، والعبث بحجارتها، وإعادة استخدامها في أبنية حديثة وفي مناطق غير أثرية".

مكة المكرمة