"ديستوبيا عربي".. محاولة لسد فراغ معرفي من قبوٍ على هامش العالم

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/zBBwYy

تتحدث القناة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 26-07-2019 الساعة 12:46

مع ألحان أغنية من التراث العربي الذي تربت عليه الأجيال في الـ 60 سنة الماضية، يظهر شاب ذو ملامح عربية، بمقاطع فيديو من قبو بارد بإحدى المدن الأوروبية، يرتدي قبعة فرو، ولفحة من الصوف وسترة زيتية اللون "عسكرية" تعيد المشاهد إلى دول يسيطر عليها العسكر بقوة السلاح، وتغيب عنها المدنية والديمقراطية.

إبريق من الشاي إلى جانبه، وحائط رمادي غير مطلي من خلفه، وبعض من الكتب الأجنبية والعربية. حالة من الفوضى، وأنتيكا قديمة تحيط بمقدم برنامج "ديستوبيا عربي" على موقع "يوتيوب".

ولعل الواقع المؤسف الذي تعيشه الشعوب العربية في السنوات الأخيرة دفع الكثير من شبابها للتفكير ملياً بمشاريع تسهم في الخروج من الحالة السيئة التي تزداد يوماً بعد يوم.

و"ديستوبيا عربي" مشروع قناة سياسية واجتماعية ساخرة، سعى الأخوان السوريان بشر وعمرو نجار، منذ إطلاقها عام 2017، لردم فجوة كبيرة في عالم المعرفة تعيشها الشعوب العربية، خصوصاً داخل عالم مفتوح يعيش على قوة الصورة وسرعة الوصول للمعلومة وغزارتها، واكتساح مهول للبرامج الشبابية المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

تعويض الغياب

بشر نجار أحد مؤسسي "ديستوبيا عربي" تحدث لموقع "الخليج أونلاين" عن تجربته، مؤكداً أنّ "ضعف المحتوى العربي على شبكة الإنترنت دفعنا إلى إطلاق القناة، لأن أكثر قنوات (اليوتيوب) انتشاراً في هذا المجال هي إما قنوات تتناول محتوى علمياً بحتاً (فيزياء، بيولوجيا، تكنولوجيا) أو قنوات تعمل على تفكيك الخطاب الإعلامي الرسمي بطريقة ساخرة".

وأضاف نجار، المقيم في فرنسا مع شقيقه، أنه "في الصنفين السابقين هناك حالات من النجاح الباهر، ولكن هناك جزء غائب وهو ما تهدف قناة ديستوبيا عربي إلى تعويضه ولو جزئياً".

وحول اختيار "يوتيوب" كبداية رغم ضعفه في بعض الدول العربية وإمكانية تفعيله أكثر، أوضح نجار: "هذا واقع بسبب تفضيل الجمهور للفيسبوك في سوريا، وقد يكون لمشاكل الاتصال بالإنترنت علاقة بالموضوع، لكن التفعيل يكون بدعم رأينا عن طريق المشاركة ونشر الفيديوهات والتفاعل معها، نحن بشكل عام نفضل (اليوتيوب) لأنه يمثل مكتبة تتيح الوصول للمقاطع كلها بسهولة أكبر بكثير من الفيسبوك".

وأردف أنّه بالنسبة لتقييم ما يقدمونه، "يكون من حيث ردود أفعال الجمهور، ونتابع أعداد المشاهدات والتعليقات، ونحاول الانتشار ضمن المتاح، ونحن سعداء جداً وفخورون بالدعم والتشجيع الذي تحصل عليه ديستوبيا عربي على شبكات التواصل الاجتماعي".

وبحسب "نجار" فإن عدد المشاهدات ليس معياراً وحيداً لتقييم الأداء والمساهمة التي يقدمونها عبر قناتهم.

بناء "يوتوبيا" (مدينة فاضلة)

وبيّن "نجار" أنه "بسبب فشل عدد من التجارب السياسية والاجتماعية التي حملت بعداً يوتوبياً في العقود الأخيرة، أصبح من المعروف أن بناء يوتوبيا (مدينة فاضلة) أمر محفوف بالمخاطر لأن النتيجة الفعلية قد تصبح ديستوبيا (مدينة فاسدة)".

وأكمل حديثه لـ"الخليج أونلاين" قائلاً: "بل وساءت سمعة اليوتوبيا لدرجة أصبحت فيها هذه الكلمة تستخدم بمعنى ديستوبيا كما هو الحال في المسلسل البريطاني الشهير الذي عرض على القناة الرابعة (عُرض لأول مرة عام 2013)".

وتابع أنّ "هذا لا يعني أن تثنينا هذه المخاطر عن العمل بأشكال مختلفة للدفع نحو التغيير والإصلاح؛ ربما ليس في وسع قناة يوتيوب أن تبني مدينة فاضلة في وعي المتابعين، ولكنها بذرة نأمل أن تكون صالحة".

و"الديستوبيا" هو أدب المدينة الفاسدة أو عالم الواقع المرير، وهو مجتمع خيالي، فاسد أو مخيف أو غير مرغوب فيه بطريقة ما. وقد تعني الديستوبيا مجتمعاً غير فاضل تسوده الفوضىٰ، فهو عالم وهمي ليس للخير فيه مكان، يحكمه الشر المطلق، ومن أبرز ملامحه الخراب، والقتل والقمع والفقر والمرض، باختصار هو عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته، ويتحوّل فيه المجتمع إلىٰ مجموعة من المسوخ تتناحر معاً.

ومعنى الديستوبيا باللغة اليونانية المكان الخبيث، وهي عكس المكان الفاضل "يوتوبيا". وقد ظهرت قصص مثل هذه المجتمعات في العديد من الأعمال الخيالية، خصوصاً في القصص التي تقع في مستقبل تأملي. والديستوبيات تتميز غالباً بالتجرد من الإنسانية، والحكومات الشمولية والكوارث البيئية أو غيرها من الخصائص المرتبطة بانحطاط كارثي في المجتمع.

الهدف والجمهور

ورداً على أن فريق "ديستوبيا" لا يغطي دول الربيع العربي بشكل مباشر وكأنه "رمادي"، قال "نجار" لـ"الخليج أونلاين": "لا أعتقد أن وصف الرمادية ينطبق على ما نقوم به، فالقيم التي تحملها حلقاتنا واضحة، (حقوق الإنسان، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والوعي السياسي والاجتماعي والبيئي)".

وأكّد أنه في ذات الوقت "نحن وجدنا لخدمة نفس القيم والأهداف، والوصول إلى الجميع بغض النظر عن الانتماءات السياسية والدينية والعرقية، ربما يكون من الأجدر لقناة تحاول أن تتبع منهجية علمية أن تعطي الأولوية للفكرة والرسالة وأن تتجنب التنميط أو الوسوم".

وحول المصادر التي تذيل في أسفل كل مقطع مصور ينشرونه قال "نجار": إن "المصادر المتعددة متجذرة في الأسلوب العلمي الذي نحاول اتباعه، والذي اعتاد عليه المؤلف (عمرو نجار) خلال خبرته الأكاديمية لأكثر من عشر سنوات".

وشدد على أنّ "هذا الأسلوب، المتبع في المنشورات الأكاديمية، يعتمد بالدرجة الأولى على عرض وجهات النظر المختلفة ثم طرح الفكرة الأساسية بعد بيان موقعها من وجهات النظر المختلفة، وهذه الطريقة واضحة من ترتيب الفيديو وفقراته".

وأشار إلى أنّ تعدد المصادر لا يعني الحياد التام، لنقل إننا "نحاول إيصال الفكرة للمشاهد مع أقل قدر ممكن من رأينا الشخصي".

أما عن السؤال حول حتمية بناء منظومات فكرية جديدة بعد التهجير واللجوء الذي تعيشه سوريا ودول الربيع العربي فقال "نجار": "هذا سؤال هام يثير الفضول، ولكننا لا نملك الجواب عنه، ربما نبحث عن إجابة له من خلال مراجعة تجارب اللجوء المشابهة ودراسة أثرها الفكري".

كوميديا سوداء

وبخصوص الطابع الكوميدي الساخر الذي يقدم به محتوى معرفياً، كشف نجار لـ "الخليج أونلاين" أنه يعتقد أن "الكوميديا السوداء العربية كانت قوية وذات أثر في فترة ما قبل الانهيار، يعني لنقل قبل فترة السقوط الديستوبي التام، حيث إنه في ذلك الوقت كانت الكوميديا العربية السوداء تستطيع الضرب على الوتر الحساس والسخرية من الوضع القائم".

واستدرك: "أما اليوم فقد تخلّفت الكوميديا العربية السوداء عن مواكبة الانهيار الديستوبي لأسباب مختلفة، أهمها تضييق مساحة حرية التعبير (التي كانت ضيقة بالأساس ولكنها ضاقت أكثر) وصعوبة مقاربة الوضع الكارثي مقاربة كوميدية حتى وإن كانت كوميديا سوداء".

وبيّن أنّ "الكاركتر المقدم أمام الكاميرا يحمل عدة رسائل للمشاهد، من حيث الملابس أو الإكسسوارات أو من حيث الأداء الساخر تارة والجدّي تارة أخرى، بالإضافة لطريقة اختيار الكلمات والتعبير الحركي واستخدام الأدوات المتاحة في محاولة لإيصال الفكرة، كما كان للكادر المعروض للمشاهد بما فيه من إضاءة وتفاصيل وألوان وتقطيع، دور مهم للمتابع".

الفريق والمستقبل

ويعمل عمرو نجار على كتابة أغلب الحلقات، وهو باحث في مجال الذكاء الصنعي وتكنولوجيا المعلومات، حاصل على الدكتوراه من فرنسا سنة 2015، وعمل باحثاً زائراً في جامعات أوروبية مختلفة.

في حين أنّ بشر يقدمها ويسهم في كتابة النص، وهو حائز على درجة الماجستير في الإدارة من فرنسا أيضاً، وعمل في عدة شركات فرنسية وسيبدأ التدريس في الجامعة مع بداية العام الدراسي القادم.

واختتم بشر نجار حديثه: "نود توسيع الفريق خصوصاً في الجانب التقني، وتنظيم وزيادة عدد الحلقات وزيادة الانتشار طبعاً".

وحقق البرنامج منذ انطلاقته قبل عام ونصف أكثر من 40 ألف معجب على فيسبوك، وقرابة الـ30 ألف مشترك على يوتيوب، فيما بلغ عدد مشاهداته على الموقعين أكثر من مليون مشاهدة.

ولا تقتصر القناة على برنامج واحد بل يتعدى ذلك لبرامج أخرى حملت اسم "سيرة بتجر سيرة" و"ديستوبيات رمضانية"، وطرح الأخوان نجار مشروعاً تشاركياً تطوعياً على شكل مجلة علمية تحمل اسم "منبهات فكرية".

مكة المكرمة