على خُطا "الجاحظ".. احترقت المكتبة وتُوفي صاحبها في أسبوع

لطالما أسهمت مكتبة "خزانة الجاحظ" في الحالة الثقافية الأردنية

لطالما أسهمت مكتبة "خزانة الجاحظ" في الحالة الثقافية الأردنية

Linkedin
whatsapp
الأحد، 04-03-2018 الساعة 19:04


هي واحدة من أقدم المكتبات في العاصمة الأردنية عمَّان، يُطلِق عليها المثقفون والأدباء "خزانة الجاحظ"؛ لأن صاحبها، الجد الأول للعائلة، ممدوح المعايطة، كان قد أسس المكتبة من خلال خزانة صغيرة يحمل بها ما استطاع من الكتب قبل ما يقرب من مئتي عام، وانتقل بها من مدينة القدس إلى عمَّان في وسط البلد، لتكبر الخزانة وتصبح مكتبة تستقطب الشعراء والأدباء من كل مكانٍ، داخل الأردن وخارجه.

- خبر صادم

إلا أن الخبر المحزن في القصة، أن "مكتبة الجاحظ" تعرضت قبل أيام لحريق كبير، الْتهم ما يزيد على 10 آلاف كتاب من تلك الكتب النادرة، التي قلما تجدها في أي مكان آخر، منها كتب تاريخية ونادرة عُمرها يتجاوز مئتي عام؛ أضف إلى ذلك احتراق عدد آخر من الوثائق التاريخية الهامة التي تعود في تاريخها إلى العهد العثماني.

1

بل إن الخسارة التي لحقت بالمكتبة، تجاوزتها لتصل إلى مجمل الحالة الثقافية والتاريخية في الأردن؛ ما دفع العاهل الأردني، عبد الله الثاني، للمبادرة بالإعلان عن تقديمه دعماً مادياً لإعادة إحياء "خزانة الجاحظ"، بوصفها أحد أهم مصادر الكتاب القديمة في الأردن، والعالم العربي.

وما هي إلا أيام قليلة على حريق "مكتبة الجاحظ"، ولسوء الحظ، فإن السبب ذاته الذي أدى إلى مقتل الأديب والشاعر العربي أبو عثمان "الجاحظ" -الذي قضى نَحبه تحت مجلداته الضخمة التي انهالت عليه، فأردتْه قتيلاً- هو نفسه السبب في وفاة صاحب المكتبة هشام المعايطة، الذي حزن أشد الحزن وهو يشاهد مكتبته والنيران تلتهمها.

فبعد الحريق بأيام، وفي أثناء عودته إلى بيته في حالة يرثى لها، تعرض لحادث سيرٍ أُصيب على أثره برأسه؛ ما أدى إلى مفارقته الحياة فوراً.

4

يقول عارف المجالي، أحد شهود العيان، الذي كان بالقرب من حادثة الحريق: إن "قطة ضالة التقطها صاحب المكتبة وأخذها معه إلى داخل المكتبة؛ ليوفر لها بعض الدفء بجوار مدفأة الكاز، هي من تسبب في هذا الحريق"، وأضاف لـ"الخليج أونلاين": "كانت مفاجأتنا أكبر بوفاة صاحب المكتبة بعد أيام قليلة فقط على حادثة الحريق الذي أتى على مكتبته".

- مراسم دفن مشتركة

وأضاف: "في أثناء مراسم دفن هشام المعايطة، كانت هناك مراسم أخرى لدفن عدد كبير من الكتب المحترقة؛ لأنها تحمل مئات الآراء الشرعية الإسلامية، بالإضافة إلى وجود عدد من نسخ القرآن الكريم، والكتب التي تحتوي على آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة".

- نهاية رجل مثقف

لطالما أسهمت مكتبة "خزانة الجاحظ" في إثراء الحالة الثقافية الأردنية، فصاحب المكتبة المتوفى هشام المعايطة، كان رجلاً مثقفاً، ولطالما دخل في حواراتٍ فكرية طويلة مع المثقفين والمؤلفين، الذين دائماً ما يتوافدون على مكتبته.

ومما يُروى عن صاحب مكتبة الجاحظ، أنه "كان لا يعرض أي كتاب في مكتبته بغرض البيع، إلا بعد أن يقوم بقراءة ذلك الكتاب كاملاً".

وكانت المكتبة تقدِّم نظاماً جديداً في استعارة الكتب مقابل دينار أردني واحد فقط، وهي من الكتب التي طالها الحريق الأخير، حيث كانت مفهرسة للاستعارة لبعض القراء.

2

محمد المعايطة، الشقيق الأكبر لهشام المعايطة، قال لـ"الخليج أونلاين": "خسارتنا كانت كبيرة، وهي ليست مادية، بقدر الخسارة العلمية، فالكتب القديمة يصل عُمر بعضها إلى ثلاثمئة سنة في مجالات الأدب والعقيدة، والتاريخ، والرياضيات، والفلك، وبعضها مكتوب بخط أيدي أصحابها".

وقال: "نقوم بتحقيق جميع الكتب من مختلف المصادر، وإعادة نشرها وتقديمها إلى الباحثين وطلاب العلم، من خلال نظام إعارة للباحثين والدارسين ممن يقدمون رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات الأردنية، وتُعتبر المكتبة ملاذاً لأولئك الباحثين الذين يجدون ضالتهم في تلك الكتب النادرة، التي قلما تجدها في مكان آخر".

- جهاد وثقافة

يُذكر أن الجد المؤسِّس لـ"مكتبة الجاحظ"، ممدوح المعايطة، كان جندياً في الجيش الأردني بالقدس المحتلة، وأصيب بانفجار لغم أرضي بمنطقة قلنديا في أثناء واجب الدفاع عن المدينة عام 1948، وقُطعت قدمه على أثرها.

3

انتقل بعدها للعلاج في بيروت، التي شكَّلت بدورها نقلة نوعية في مسيرته الثقافية، حيث تعرَّف على تقنيات الوراقين ودُور النشر والمطابع، عاد بعدها إلى عمّان عام 1967، وبعد تقاعده بدأ بالتفكير في إنشاء المكتبة من جديد، وكان أول تأسيس لها في عمّان عام 1967 بالقرب من المدرج الروماني، وتُوفي في عمّان عام 1994، بعد أن ورث أبناؤه المهنة ذاتها.

مكة المكرمة