في مصر.. الموت واحد والقبور "درجات"

الفوارق في شكل وأسعار المدافن يعكس التفاوت الكبير بين السكان

الفوارق في شكل وأسعار المدافن يعكس التفاوت الكبير بين السكان

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 05-05-2018 الساعة 18:44


لم يكن جمال عبد الفتاح، الذي باع مدفنه في مدينة السادس من أكتوبر قبل أكثر من 10 سنوات، يعلم أنه سيأتي اليوم الذي يزيد فيه سعر هذا المدفن 20 أو 30 ضعفاً على أقلّ تقدير، بعد أن تجاوزت أسعار المدافن أسعار الشقق السكنية في بعض المناطق.

وخلال السنوات القليلة الماضية وصل التفاوت بين المصريين إلى درجات غير مسبوقة، وامتدّ هذا التفاوت حتى إلى الأموات؛ بعد أن أصبحت الفوارق بين مدافن الموتى تعكس التزايد المستمرّ في الفجوة بين الأغنياء والفقراء في بلد ترتفع فيه معدلات الفقر المدقع تماماً كما ترتفع فيه معدلات الثراء الفاحش.

يقول عبد الرحيم، وهو موظف حكومي، إنه استلم شقة قبل أكثر من 10 سنوات في مدينة السادس من أكتوبر، واستلم مدفناً معها، لكنه باع الشقة لأن مساحتها كانت ضيقة (55 متراً)، وباع معها المدفن بأقل من 3 آلاف جنيه، ثم اكتشف أن سعره حالياً قد وصل إلى 100 ألف على أقل تقدير.

هذا الغلاء الذي ظهر مؤخراً على أسعار المدافن سبقه غلاء مماثل في أسعار الشقق السكنية، لكن اللافت أن أسعار المدافن في بعض الأماكن أصبحت أغلى بكثير من أسعار الشقق. وتختلف الأسعار، كما يقول بعض الملّاك والسماسرة، من مكان لآخر، وحسب التشطيب أيضاً.

مقابر 2

اقرأ أيضاً :

مصر.. حين تتحوّل شاشات الهواتف المحمولة إلى "مشانق"

- مدفن 5 نجوم

ويصل سعر المدفن (40 إلى 60 متراً) في بعض المناطق مثل القاهرة الجديدة إلى 350 ألف جنيه (20 ألف دولار)، وفي أماكن مثل مدينة السادس من أكتوبر (طريق الوحات) يصل سعر المدفن المماثل إلى 300 ألف.

ويقول عامل في المجال إن هناك من استغلّ الانفلات الأمني الذي مرّت به مصر وبنى مقابر دون تراخيص وباعها بأسعار كبيرة.

في أماكن أخرى مثل مدينة 15 مايو، جنوب شرقي القاهرة، وصل سعر المتر في الأرض المخصّصة للمدافن إلى 5 آلاف جنيه، ما يعني أن مقبرة مساحتها 20 متراً يصل ثمنها إلى 100 ألف جنيه، بالإضافة إلى مصروفات البناء التي لا تقلّ عن 20 ألفاً.

اللافت أن هناك شققاً مساحتها 140 متراً في منطقة مثل منطقة الهرم بمحافظة الجيزة قد لا تصل إلى هذا المبلغ، فضلاً عن أنه في الوقت الذي تُباع فيه المدافن بهذه الأسعار فإن ثمة من لا يجد مقبرة يدفن فيها، وهناك من يعيش وسط المقابر مع الأموات.

مقابر 1

وعلى عكس المقابر الفقيرة، تخضع تلك الراقية لنظام في البيع والشراء، ويتمّ التعامل عليها من خلال جهاز المدينة التي تتبعها، سواء في القاهرة الجديدة أو الجيزة، وإما عن طريق المحافظة نفسها؛ فتقسيم هذه المناطق الجديدة قائم على أن كل مالك لوحدة سكنية بها له الحق في الحصول على قطعة أرض بالمقابر التابعة لها.

ويحصل أصحاب الوحدة السكنية على أرض المقبرة بأسعار يحدّدها جهاز المدينة، ويفترض أن أرض المقابر التي تتبع جهاز المدينة لا تُباع إلا لأصحاب الوحدات السكنية التابعة لها، لكن ما يحدث أن بعض أصحاب الوحدات يشترون أرض المقبرة في هذه المدن ثم يبيعونها بأسعار أعلى بعض الشيء.

ويحدث ذلك لأن هؤلاء لديهم مقابر من قبل، خاصة للقادمين من المحافظات، فهم لديهم مقابرهم في مدنهم ولا يريدون من هذه المقابر شيئاً. وهناك جزء آخر من هذه المقابر يتبع المحافظة، ومن يرغب في الحصول عليها يقدّم طلباً للمحافظة، ثم تحدّد من يحصل عليها.

المقابر في مدينة نصر ومصر الجديدة والقطامية شرقي القاهرة تضمّ أغلى المدافن سعراً، وذلك نظراً لارتفاع سعر الأرض، وكذلك لقلّة مساحة أراضي المقابر بها، وتبدأ أسعار المقابر هناك من 200 ألف جنيه. كما أن الطبقة الاجتماعية في هذه الأماكن تهتمّ بشكل المدفن ومساحته، بالإضافة إلى جودة الرخامات المستخدمة في بنائه، وغالباً يستخدمون أفضل وأغلى أنواع الرخام في تجهيزها. وبالطبع كلما كانت المدن الجديدة ممتلئة بالسكان ارتفعت أسعارها.

اقرأ أيضاً :

هاجس الغلاء يسيطر على السوق المصري مع اقتراب شهر رمضان

- مقابر الفقراء

وليست كل المقابر بهذه الأسعار وعلى هذا النحو من "الرفاهية"؛ إذ إن هناك في مقابر "الغفير" و"باب النصر" مئات الأحياء الذين يعيشون مع الأموات في مقابر أقلّ فخامة وسعراً.

ففي ترب "باب النصر"، ينام الأحياء مع الأموات في غرفة واحدة؛ هذا فوق الأرض وهذا تحتها، وكلها غرف يسطو عليها فقر المظهر وتملؤها القصص. ففي هذه المقابر تتم مئات الأمور المخالفة للقانون، وتُرتكب جرائم وتُباع مخدّرات وتُخفى مسروقات وتمارس فواحش. أما هناك في مقابر القاهرة أو طريق الواحات فلا مجال لهذا إلا في أضيق الحدود وبمعرفة أصحاب المقابر نفسها.

مقابر

تقول سيدة في مقابر "الغفير" شرقي القاهرة، لـ "الخليج أونلاين"، إنها تعيش في هذا المكان منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت واحدة ممن احتموا بالمقابر من الشارع بعدما هدم الزلزال بيوتهم في منطقة المقطم.

وتضيف السيدة، وهي أم لأربعة لأولاد، أن كثيرين في هذا المكان يعيشون على الصدقة، وبعضهم يدفع إيجارات لكنها أقل من إيجارات الشقق، كما أن هناك آخرين يعيشون في مقابر مقابل حراستها باتفاق مع أصحابها.

هذه المقابر القديمة لا تصل أسعارها إلى أسعار تلك الجديدة، بل إنها تكاد تكون بلا سعر أصلاً، فغالب من يمكلون مقابر في هذا المكان يبحثون عن الشراء في مكان آخر هرباً من "البلطجة" المنتشرة في المقابر القديمة، ونادراً ما وجد هؤلاء من يشتري منهم هذه المقابر.

وهناك مقابر مجهولي الهوية (مقابر الصدقة)، وهي موجودة وسط مقابر مصر القديمة في منطقة زينهم، ويُدفن فيها ضحايا حوادث الطرق المجهولون، أو السجناء الذين يتوفَّون وليس لهم عائلات، أو من يتوفَّون في المستشفيات الحكومية، وكل من يُتوفَّى دون أن يتعرَّف أحد على هويته، وهي بالطبع مقابر فقيرة في كل شيء وتفتقر لكل شيء.

مكة المكرمة