ما سر "حملات العلمنة والتضليل" في رمضان على قنوات سعودية وإماراتية؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LPr35A

ظهور شخصيات لها آراء "شاذة" يأتي في وقت يقبع فيه كبار الدعاة والمفكرين بالسجون

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 26-05-2019 الساعة 15:00

كان لافتاً في السنوات الثلاث الأخيرة استضافة قنوات خليجية تابعة للسعودية والإمارات، في شهر رمضان المبارك، ضيوفاً عُرفوا بآراءٍ شاذة بعضها متناقض مع الفهم الصحيح للإسلام، وأُثير الجدل حولهم مرات عديدة.

ففي رمضان الماضي استضافت قناة "أبوظبي" المفكر السوري المثير للجدل محمد شحرور، وهو ما أثار اعتراضاً كبيراً على ذلك.

شحرور، الذي يثير بأفكاره لغطاً واسعاً يصل إلى حدِّ اتّهامه بتحريف القرآن الكريم، كما يصف نفسه بأنه صاحب مشروع تنويري، يلقى انتقادات واسعة من مسلمين ودعاة ورجال دين ومختصين بالشريعة الإسلامية، معتبرين آراءه مخالِفة لتعاليم الإسلام وعقائده.

لكن هذه الاعتراضات على استضافته العام الماضي، لم تُثن القناة خلال شهر رمضان الجاري، عن استضافة مفكر عُرف بآرائه "الإلحادية" وازدرائه للإسلام، وهو علي إسبر، المعروف باسم "أدونيس"، المتهم بنشر أفكارٍ تسهم في الإلحاد، والتشويه والتضليل، وبث السموم الفكرية.

هذه الظاهرة ليست حكراً على قناة "أبوظبي" وحدها، بل امتدت إلى قناة "روتانا خليجية" من خلال عرض برنامج "الليوان"، الذي يقدمه الإعلامي السعودي عبد الله المديفر، والذي وصل الأمر فيه إلى تشويه الحقائق التاريخية والتقليل من شأن الأحداث الإسلامية التي يتفاخر بها المسلمون.

فقد أثارت مقابلة ضيف إحدى حلقاته وهو الكاتب منصور النقيدان، الثلاثاء (21 مايو 2019)، جدلاً واسعاً بعد أن تحدث عن الإلحاد والإسلام.

وتحدث النقيدان، وهو سعودي حاصل على الجنسية الإماراتية، خلال اللقاء، عن ظاهرة الإلحاد، قائلاً: إن "الإلحاد عقيدة، وعليك أن تحترم الإلحاد لأنه خيار للإنسان"، على حد قوله.

وفي رأي مثير للجدل يرى الكاتب أن الإيمان القلبي هو الإيمان الحقيقي، دون النظر إلى القيام بالعبادات، كالصلاة، التي يراها غير ضرورية.

علي الهويريني، الفنان السعودي السابق والمفكر الحالي، ظهر ضيفاً على المديفر  أيضاً، وزعم أن الفتوحات العربية كانت نكسة على الإسلام، بالإضافة إلى عدم إيمانه بنظريات الجاذبية الأرضية وقوانينها.

وتساءل الهويريني: "لماذا نتجه إلى الأندلس؟! هل أمرنا الإسلام بعبور البحر لمحاربة النصارى؟! الفتوحات العربية كانت نكسة على الإسلام، والإسلام ليس توسُّعاً؛ هو بلاغ ورسالة".

ووصف الوصول إلى الأندلس بأنه كان تخلُّفاً عربياً، متابعاً: "الأندلس 800 سنة، دخلناها بالخيل والنفير وخرجنا منها حفاة على ظهور الحمير، ولم نَسلَم، حروب صليبية لحقتنا، أكلت الأخضر واليابس".

وهاجم الهويريني من يتغنى بالحروب الإسلامية، فقال: "تفاخَر بمجد لا يستحق الفخر به"، وبيَّن أن الفخر الذي يشعر به هو فخر العرب، وليس الإسلام.

ومن اللافت أن ظهور هذه الشخصيات، أصحاب الآراء التي توصف بـ"الشاذة"، يأتي في وقت يقبع فيه كبار الشخصيات، من دعاة ومفكرين ونشطاء ذوي ثقل وجمهور، منذ سنوات، خلف قضبان السجون، في حين تم تهميش آخرين وإسكاتهم، باعتبار أن آراءهم تخالف توجُّهات السلطة القائمة.

كما تأتي في وقت تشهد فيه السعودية موجة انفتاح غير مسبوقة بالبلاد، والترويج لأفكار ومشاريع بعيدة عن المجتمع المحافظ، أدت إلى إباحة ما كان محرَّماً في المملكة.

عهد ما بعد الربيع العربي

يحلل الباحث أحمد دعدوش، هذه الظاهرة التي كثرت في السنوات الأخيرة، بأنها من مظاهر مرحلة ما بعد الربيع العربي، موضحاً أن "الأنظمة الديكتاتورية كانت تجامل شعوبها سابقاً، ولكن بعد إعلان الحرب بين الشعوب والأنظمة ودخول مرحلة الإبادة الجماعية والتهجير الجماعي؛ زالت كل الخطوط الحمراء".

وأوضح في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن "القمع أصبح الآن ممنهجاً ومعلناً وبلا أي أدوات تجميل، وأصبحت أدوات التضليل الإعلامي والديني أكثر وضوحاً ومباشرة".

واستطرد بالقول: إنه "إذا كانت بلاد الحرمين نفسها قد وصلت إلى مرحلة المجاهرة بالإفساد وعلمنة المجتمع وسجن -وربما إعدام- كبار الدعاة والمشايخ الذين وصفتهم السُّلطة نفسها سابقاً بالاعتدال، ودون أدنى اعتبار لموقف الملايين من أتباعهم، فلا داعي إذن لنذكّر الناس بقيمة الإنسان نفسه في نظر هذه الأنظمة، فضلاً عن حرمة رمضان وشعائر الله".

أما عن سبب اختيار رمضان تحديداً لمضاعفة ما وصفها بـ"حملات العلمنة والتضليل"، فأرجع ذلك إلى أنه "موسم يقبل فيه الناس على مشاهدة البرامج الدينية أكثر من بقية السَّنة، وتزيد لديهم قابلية التأثر روحياً وعقلياً، وقد يستبعد فيه البسطاء أن يتعمد أحدٌ الظلم والأذى والعبث، فتسهل بذلك مهمة اختراق العقل الباطن".

وتابع في هذا الصدد، قائلاً: إنه "قبل الربيع العربي كانت الأنظمة وأدواتها الإعلامية والنخب الرأسمالية المرتبطة بها تحرص كثيراً على الاستقرار، كي يستتب لها الحكم دون منغصات، ولكن الاضطرابات الهائلة التي تعصف بالمنطقة أسقطت الحواجز النفسية، وصارت الأنظمة نفسها تسعى إلى زعزعة ثوابت الناس، كي يشعروا بالحنان إلى الأمان النسبي الذي افتقدوه".

وأشار إلى أنه "بهذا المنطق يمكننا فهم كثير من التصرفات المثيرة للدهشة، مثل تقديم جائزة الأم المثالية لراقصة مشهورة من قِبل نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في بداية حكمه، وظهور شباب ملحدين في برامج حوارية للدفاع عن إلحادهم، وإسناد تقديم برامج دينية إلى شخصيات تقف على النقيض تماماً مما هو معلوم من الدين بالضرورة".

كما شدد على أن الهدف من هذه السياسة التي تدعمها الحكومات القائمة حالياً، "هو هدر إنسانية المُشاهد بعد هدر عقله، وإسقاطه في هوَّة العدمية، مع ضياع كل الثوابت، حتى يكاد يشعر بأنه يعيش في مستشفى للأمراض العقلية بحجم المجتمع كله".

مكة المكرمة