مسلمو سريلانكا.. اضطهاد مستمر لـ"أقلية مثقفة"

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/x89DnY

المسلمون يشكلون 10% من سكان سريلانكا

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 16-11-2019 الساعة 18:18

لم تكن مشاركة المسلمين في إدارة سريلانكا، رفقة بقية الأعراق والأديان الأخرى التي تنتمي إلى هذه البلاد، تمنع أن تعيش هذه الفئة اضطهاداً على هذه الأرض، مثلما هو حال ملايين المسلمين الذين يعيشون في دول جنوبي آسيا.

السبت (16 نوفمبر الجاري)، تعرضت قافلة حافلات لناخبين مسلمين، في شمالي سريلانكا، لهجوم بأسلحة نارية والرشق بالحجارة، قبل ساعات من فتح مراكز الاقتراع في انتخابات الرئاسة، بحسب جماعة رقابية محلية.

ونقلت وكالة "أسوشييتد برس" عن المتحدث باسم مركز مراقبة العنف الانتخابي (مستقل)، مانجولا غاجانايكي، أن الهجوم لم يسفر عن إصابات، مبيناً أن المهاجمين أشعلوا إطارات سيارات في طريق الحافلات، لمنعها من السير.

ولم يُكشف عن هويات المهاجمين أو دوافعهم، ولم ترِد أيضاً أنباء عن اعتقال أي منهم.

لكنَّ البوذيين دائماً هم المتهم الأول في أي عمليات مسلحة أو انتهاكات يتعرض لها المسلمون في هذه البلاد؛ وذلك على خلفية اعتداءات سابقة.

وفي سريلانكا يشارك المسلمون في الحياة السياسية، ولهم ممثلون بالبرلمان والوزارات، ولهم هيئات تمثّلهم، على غرار المجلس الإسلامي السريلانكي، الذي يضم ممثلين من المجتمع المدني.

مسلمو سريلانكا

المسلمون في سريلانكا

تشير المعلومات الموثقة حول مسلمي سريلانكا إلى أنهم يشكلون نحو 10% فقط من نسبة السكان؛ بناءً على إحصائية صدرت عام 2015، من مجموع نحو 21 مليون نسمة.

ينقسم مسلمو سريلانكا من ناحية العِرق إلى ثلاثة أقسام، فهناك مسلمو "مورو"؛ وهم من البرتغاليين الذين احتلوا الجزيرة في القرن السادس عشر، وهم الأغلبية الساحقة بين المسلمين.

أما مسلمو الـ"ملايو" فهم غالباً من الجنود الإندونيسيين بالجيش البريطاني، في حين يشكل مسلمون هنديون الضلع الثالث من مسلمي سريلانكا، وهم جاؤوا تجاراً من الهند واستقروا في البلاد.

ويشعر مسلمو سريلانكا بقوة انتمائهم الديني بغضّ النظر عن الاختلاف العرقي والإثني فيما بينهم.

في سريلانكا أكثر من ألفي مسجد، أشهرها مسجد "بيرولا"، ومسجد "كولمبو"، بالإضافة إلى عديد من المساجد الصغيرة الموزعة بحسب مواقع المسلمين في الجزيرة.

ويتلقى أبناء المسلمين في سريلانكا تعليماً إسلامياً، ولهم مدارس خاصة؛ إذ يوجد فيها نحو 500 مَدرسة إسلامية ابتدائية تخضع لإشراف حكومة البلاد.

وتوجد أيضاً مدارس تفتتح أبوابها لأبناء المسلمين أيام الأحد وتسمى "الأحدية"، أسستها جمعيات إسلامية، لتعليمهم مبادئ الدين الإسلامي وحفظ القرآن.

وتضم العاصمة كولومبو نحو 25 معهداً إسلامياً، ومكتبة تحتوي على مئات الكتب الإسلامية، بالإضافة إلى محكمة لتطبيق الشريعة الإسلامية وقوانينها.

ويتميز المسلمون في سريلانكا بأنهم الفئة الأكثر تعليماً؛ إذ أشارت المصادر إلى ارتفاع نسبة عدد الطلاب المسلمين الذين يلتحقون بالمدارس والكليات المختلفة، وهو ما جعلهم يتبوَّؤون مناصب ووظائف مهمة في البلاد.

مسلمو سريلانكا.. اضطهاد لا يتوقف

لكنَّ المسلمين السريلانكيين ومنذ عقود، يتعرضون لأعمال عنف تصل إلى القتل والتهجير. وتتهم قيادات مسلمة في سريلانكا متطرفين بوذيين بالمسؤولية عن هذه الأعمال.

وما يؤكد صحة هذه الاتهامات ما أعلنته الشرطة السريلانكية العام الماضي، حول اعتقالها أشخاصاً ينتمون إلى جماعة بوذية متشددة، وقالت إن الجماعة نشرت تسجيلات مصورة تتضمن عبارات تحض على كراهية المسلمين.

وسبق أن حمّلت "المنظمة الألمانية للدفاع عن الشعوب المهدَّدة" حركةَ "القوى البوذية" -ذات التوجهات القومية البوذية المتطرفة- مسؤولية ما جرى من اعتداءات وتحريض على مسلمي سريلانكا في سنوات ماضية.

وذكرت المنظمة أن هذه الحركة، المسماة اختصاراً "بي بي إس"، تتبنى شعار "سريلانكا للبوذيين"، وتطالب بعزل الأقلية المسلمة، بالإضافة إلى أنها أطلقت دعوات على موقع "فيسبوك" لرفض العادات والتقاليد الإسلامية في سريلانكا، خاصةً الأطعمة الحلال وحجاب النساء.

أحداث مؤلمة لمسلمي سريلانكا

عانى المسلمون في سريلانكا بشدة، بسبب الحرب بين "التاميل" و"السنهال" خلال الفترة بين عامي 1983 و2009، إذ شردت حركة التمرد التاميلية حينذاك أكثر من سبعين ألف مسلم من شمالي البلاد.

وبقي استهداف المسلمين واضطهادهم قائماً، ومن أبرز ذلك انفجار قنابل يدوية ألقاها مجهولون على مسجد مدينة أكاراباتو، التي تبعد 350 كيلومتراً شرقي العاصمة كولومبو، في مارس 2006، حيث كان مئات الأشخاص يُصلّون، وأدت إلى مقتل أربعة مسلمين وإصابة آخرين بجروح.

مسلمو سريلانكا

وفي أغسطس 2013، شن بوذيون هجمات عنيفة على مسجد بأحد أحياء العاصمة؛ وهو ما جعل المسلمين يغلقون المسجد وينقلون مكان عبادتهم إلى مسجد قديم.

وتجددت أعمال العنف التي استهدفت المسلمين في يونيو 2014، مستهدفةً منطقتين سياحيتين ساحليتين تسكنهما أغلبية من المسلمين، ووقف وراءها بوذيون، وأدت إلى مقتل أربعة أشخاص وإحراق مئات المنازل والمحلات.

وفي عام 2017، تم تنفيذ أكثر من عشرين هجوماً على المسلمين على مدى شهرين بمنطقة "جينتوتا" على بُعد 115 كيلومتراً جنوبي العاصمة، تضمنت إحراق شركات يملكها مسلمون وهجمات بقنابل بنزين على المساجد.

وفي بداية مارس 2018، دُمرت منازل ومتاجر مملوكة للمسلمين في منطقة كاندي، إثر اشتباكات بين بوذيين ومسلمين أدت إلى سقوط قتلى، ودفعت السلطات إلى إعلان حالة الطوارئ.

السياسة وراء الاضطهاد

الاعتداء الأخير الذي تعرَّض له مسلمون بتعرُّض قافلتهم لاعتداء وهي في طريقها لمراكز الاقتراع شمالي سريلانكا، يصفه مدير وكالة أنباء أراكان، عبد الله عبد القادر أحمد، بأنه يمثل "نتيجة من نتائج ارتفاع مستوى الإسلاموفوبيا في العالم".

وأضاف أحمد في حديثه لـ"الخليج أونلاين": إن "استهداف المسلمين سمة بارزة في كل المناطق التي تشهد صراعات دينية أو سياسية"، مشيراً إلى أن "بعض الأحزاب والطوائف تستغل مناسبات مثل الانتخابات وغيرها لتحقيق مآرب خاصة على حساب المدنيين والمسالمين".

واعتبر أن هذا "اعتداء على الإنسانية أولاً ثم على أبرياء ثم على مواطنين يشاركون المعتدين في كل الحقوق السياسية والوطنية والاجتماعية". 

وأياً كانت أهداف هذا الاستهداف ودوافعه، يقول أحمد، فإن الاعتداء على الأبرياء أمر مجرَّم أخلاقياً وإنسانياً، ومجرَّم في كل الأديان والمعتقدات سوى تلك الأفكار المتطرفة والمنحرفة، ولا يمكن أن يقر عاقل بمثل هذا. 

وأكد أن "العالم اليوم يسكت عن انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا، بل يؤيدها في بعض الأحيان، لمنع المسلمين من ممارسة حقهم الطبيعي، رغم أنهم يدَّعون الديمقراطية والتعددية واحترام الرأي الآخر".

ولكون المسلمين يشكلون أقلية في سريلانكا؛ فإن هذا -بحسب مدير وكالة أراكان- يشجع المتطرفين على ارتكاب العنف، ونشر الفوضى، ورفع خطاب الكراهية ضدهم.

واستطرد: "هذا العنف قد يكون أحياناً مدعوماً من قيادات دينية لها الغلبة من داخل البلاد وخارجها؛ فالأحداث التي جرت في ميانمار انعكست سلبياً على الآخرين في المنطقة، وباتوا يشعرون بتعرض الهوية البوذية للتهديد من قِبل المسلمين، وهذا غير صحيح كما نعلم".

واستدرك: "لكن السماح للمتطرفين واليساريين بارتقاء المنابر ووسائل الإعلام ونشر الكراهية؛ خلق صورةً مشوهة عن الإسلام والمسلمين، وأيضاً هو المناخ الذي يسود العالم".

من جانب آخر يصف عبد الله عبد القادر أحمد، وهو مطَّلع على الوضع في سريلانكا، وعلاقة المسلمين ببقية السكان من الأديان الأخرى في منطقة جنوبي آسيا، العلاقة بين المسلمين والبوذيين بأنها "علاقة تشاركية إنسانية بالدرجة الأولى".

وأضاف: "هناك قيم أخلاقية جميلة يحث عليها الإسلام، موجودة أيضاً في عقيدة البوذيين بشكل عام، ولطالما تعايَش البوذيون والمسلمون في هذه المنطقة، وعاشوا جنباً إلى جنب يقتسمون الخبز والماء ويصاهرونهم".

واستطرد قائلاً: "ثم نشأت حركات بوذية متطرفة في سريلانكا وميانمار وغيرهما، وأصبح لها تأثير على أتباعها ونجحوا في تخويفهم من المسلمين وإيهامهم بأنهم ينوون غزوهم بالإسلام".

وقال: إنه "في الحالة الميانمارية والسريلانكية لاحظنا بوضوحٍ أن هذه الحركات يدعمها ويحركها السياسيون، لتحقيق مكتسبات سياسية مرحلية؛ ومن ثم هناك ضحايا بوذيون ومسلمون"، واصفاً هذه الحالة بأنها "أشبه بتحريك الدُّمى". 

وختم أحمد حديثه قائلاً: إن "إشعال فتيل الخلافات الدينية لا فائدة منه لأي طرف من الأطراف سوى أولئك الذين يختبئون خلف الستار"، لافتاً النظر إلى أن ما يجب فعله هو "أن نُظهر للعالم ومن يخالفوننا في المعتقد أننا لا ننظر شزراً ولا نضمر لهم الكراهية كما تصور ذاك الحركاتُ الراديكاليةُ".

مكة المكرمة