مصر تعرّب التعليم بمدارس الدولة.. وخبراء: تسليع وتجارة

إلغاء تدريس اللغات بالمدارس الرسمية يثير جدلاً في مصر

إلغاء تدريس اللغات بالمدارس الرسمية يثير جدلاً في مصر

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 04-05-2018 الساعة 12:23


"من لا يعجبه القرار من أولياء الأمور أمامه بدائل أخرى"، بتلك الكلمات أغلق وزير التعليم المصري، طارق شوقي، الباب أمام المعترضين على قرار تعريب التعليم وإلغاء تدريس اللغات الأجنبية في المدارس الرسمية.

وكان الوزير المصري كشف في مؤتمر صحفي عقده الاثنين 1 مايو 2018، النقاب عن تعديل نظام التعليم بدءاً من العام الدراسي المقبل، حيث سيتم تعريب التعليم بالمدارس الرسمية للغات (المدارس التجريبية)، ما يعني وقف تدريس مادتي العلوم والرياضيات باللغة الإنجليزية واستبدالها بالعربية.

كما سيتم إلغاء منهج المستوى المتقدم للغة الإنجليزية، واقتصار تدريسه على المرحلتين الإعدادية والثانوية.

وأكد شوقي أن قراره يهدف لإتقان اللغة العربية، وأنه لا توجد دولة بالعالم تدرس المواد بغير لغتها إلا مصر، إلا أنه في الوقت ذاته أعلن الإبقاء على التعليم باللغة الإنجليزية كما هو في المدارس الخاصة للغات والمدارس الدولية.

ويُقبل كثير من المصريين على تعليم أبنائهم بالمدارس التجريبية التي تنخفض بها كثافة الفصول مقارنة بالمدارس الحكومية، وتقبل الأطفال بسن أكبر حيث يدرسون اللغة الإنجليزية من رياض الأطفال، ومقابل ذلك يدفعون مبالغ بسيطة مقارنة بمدارس اللغات والمدارس الدولية.

وقوبل القرار الأخير برفض واستهجان كبيرين من أولياء الأمور، ونظم عدد من أمهات طلاب المدارس التجريبية وقفة، الخميس 3 مايو 2018، أمام وزارة التربية والتعليم رفضاً للقرار.

اقرأ أيضاً :

مصر.. حين تتحوّل شاشات الهواتف المحمولة إلى "مشانق"

- قرار طبقي

وقال خبراء وتربويون إن القرار "طبقي ولا معنى له، ويصب في مصلحة تخصيص التعليم وتسليعه"، ومن بينهم الخبير التربوي، كمال مغيث، الذي انتقد القرار بشدة. وأكد أنه "قرار متناقض لا معنى له، ولا يصب إلا في مصلحة المدارس الخاصة وخصخصة التعليم".

وفي حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أبدى مغيث تعجبه من ربط وزير التعليم بين قرار منع تدريس اللغات بالمدارس الحكومية والحفاظ على الهوية الوطنية، قائلاً: "لو كان الأمر متعلقاً بالهوية الوطنية كان من الأولى أن ترعى وزارة التعليم الهوية الوطنية لطلاب جميع المدارس الحكومية والخاصة والدولية على حد سواء!".

وتساءل مغيث: "لماذا عربت الدولة التعليم بالمدارس الرخيصة التي تلجأ إليها الطبقة الوسطى وأبقت على العلوم باللغات الأجنبية في المدارس الدولية والخاصة؟"، مضيفاً: "هذا يؤكد أن القرار عبارة عن تجارة واتفاقات".

وشدد على أنه "لا توجد دراسة واحدة تقول إن تعليم اللغة الإنجليزية للأطفال بسن صغيرة يؤثر على الهوية الوطنية"، معتبراً أن "كل ما يقوله وزير التعليم محض تصريحات صحفية وكلام عام دون تجارب".

ولفت الخبير التربوي إلى أن "القرار لن يستمر؛ لأن المدارس الخاصة ستضاعف أسعارها بسبب الإقبال عليها"، وقال إن الحكومة كان أمامها بديل آخر وهو القيام بأنشطة تؤكد الهوية الوطنية، وتدريس اللغة العربية تدريساً فعالاً.

اقرأ أيضاً :

"هوم سكولينج" ينتشر.. هل يصبح بديلاً للتعليم الرسمي في مصر؟

- تسليع التعليم

في السياق، أكد عبد الحفيظ طايل، مدير مركز الحق في التعليم، أن الدولة تعمل على تسليع التعليم وخصخصته، ووضعه أمام سياسات السوق الحر دون شفافية.

وأوضح، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن الحكومات المصرية المتعاقبة ترى أن التعليم سلعة، وشجعت القطاع الخاص على الاستثمار في التعليم، وأن سياستي خصخصة التعليم والتحكم الأمني في المدارس مستمرتان بمصر منذ أربعين عاماً على الأقل.

وأشار إلى أن هناك إقبالاً من المصريين على تعليم أولادهم بالمدارس التجريبية ومدارس اللغات، مؤكداً أن "القرار سيزيد الانتقالات من المدارس التجريبية للقطاع الخاص، في محاولة لترجيح كفته على حساب التعليم الحكومي".

ووصف مدير مركز الحق في التعليم رؤية النظام المصري الحالي للتعليم بـ"المعطوبة"، القائمة على التمييز ضد غير القادرين، معتبراً أن القرار الأخير "طبقي بامتياز"؛ ويُعطي أبناء المقتدرين مادياً الفرصة في التعلم بالمستويات العالمية، في حين يُحرم عموم المصريين من هذا الحق.

وتابع: "القرار يؤكد أن المصريين حريصون على تعليم أولادهم أكثر من حرص الدولة على تعليم مواطنيها"، مضيفاً: "القرار سيؤثر على الظروف الاقتصادية للمواطنين الذين سيلجؤون إلى الاقتراض، وسيبحثون عن طرق مشروعة وغير مشروعة لأنهم يعلمون أنهم سيدفعون في كل الأحوال لتعليم أولادهم".

كما ألمح مدير مركز الحق في التعليم إلى أن المصريين مجبرون على دفع أموال طائلة مقابل إنقاذ أولادهم من البيئة المعادية للأطفال في المدارس الحكومية، والبحث عن بيئة أكثر حفاظاً على صحة الأطفال النفسية والبدنية في المدارس الخاصة والدولية.

ولفت إلى أن "معدل إنفاق المصريين على التعليم يُعد أعلى إنفاق على التعليم في العالم، رغم أن مصر خارج التصنيف العالمي للتعليم"، مشيراً إلى أن فرصة خريجي المدارس والجامعات الخاصة في الحصول على وظائف مميزة أعلى من نظرائهم في التعليم العام.

وأضاف: "النظام لا يتعامل مع التعليم على أنه حق للأفراد، ولا حل لما يمر به التعليم بمصر سوى النظر له باعتباره حقاً أصيلاً للأفراد، بغض النظر عن الاختلاف أو التمييز بين المواطنين".

وتابع: "التعليم بمصر لا بد أن يكون مجانياً مقابل ما يدفعه المصريون من ضرائب"، لافتاً إلى أن الحكومات "غرست فكرة دفع الأموال للحصول على التعليم داخل عقول المصريين".

- الدولة لا تريد التطوير

وتساءل مدير مركز الحق في التعليم عن أوجه صرف القرض الذي أعلن وزير التعليم المصري اقتراضه من البنك الدولي، والمقدر بخمس مئة مليون دولار، والذي سيدفعه ويدفع فوائده المصريون، مستنكراً عدم الحديث عن قيمة فائدة القرض وعدم تشكيل لجنة مستقلة للإشراف على إنفاقه.

ولفت إلى أن تغيير التعليم سيحدث بضغط من أولياء الأمور على الحكومة، مشيراً إلى أن البعض سيلجأ إلى الحلول الفردية لتعليم أولاده بشكل جيد.

وأكد "هناك تطوير من الممكن أن يحدث دون تكليف وزارة التعليم أموالاً؛ كتغيير المحتوى التعليمي"، وأن "المناهج المصرية قائمة على معلومات منقطعة من سياقها، ولا تشجع الطالب على الابتكار والتفكير".

أوضح أن الأموال التي اقترضتها الحكومة لإدخال الأجهزة اللوحية (التابليت) في المدارس كانت كافية أن تطور التعليم بمصر، وتنشئ مئات المدارس للقضاء على الازدحام الشديد بالمدارس الحكومية. وخلص إلى أن "الدولة لا تريد تطوير التعليم".

مكة المكرمة