مقاطع فيديو تحذر مما يجري.. ما قصة الشعوذة والسحر في المغرب؟

"رُقاة" يمتهنون النصب والاستغلال الجنسي
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LxRxvy

المغرب.. هكذا يستغل الدجالون الرقية الشرعية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 18-02-2019 الساعة 22:04

في الأيام القليلة الماضية أثارت مقاطع فيديو الدهشة بين المواطنين في المغرب؛ حيث أصابت حالة من الهستيريا طالبات في مدرسة بمدينة الدار البيضاء (شمال غرب).

وتظهر الفيديوهات الفتيات وهن ممددات على الأرض، ويصرخن بصوت عالٍ وقد دخلن في نوبة بكاء لم تتوقف رغم تدخل أساتذة المؤسسة التعليمية.

واختلفت الآراء على مواقع التواصل الاجتماعي في تعليقات على الحادثة، وكان أغلب المعلقين ذهبوا برأيهم إلى أن للسحر علاقة بالموضوع، على الرغم من نفي المتحدثة باسم وزارة التربية والتعليم في المغرب، فاطمة وهمي، لـ"بي بي سي" تعلق الحالة بالسحر، لكنها قالت إنها ليست المرة الأولى التي تحصل مثل هذه الحالة.

ما قصة السحر والشعوذة؟

تنتشر في عدد من الأحياء الشعبية المغربية محال يقول أصحابها إنهم يبيعون الأعشاب الطبية والوصفات الطبيعية، فضلاً عن أنهم يُقدمون، "خلسة" أو علناً، خدمات علاجية روحية عن طريق ما يسمى بـ"الرقية الشرعية".

ويخلق هؤلاء الجدل في المجتمع المغربي، لا سيما في ظل انتشار قصص تورط بعضهم في قضايا "نصب واحتيال"، وأيضاً إدانة بعضهم بتهم تتعلق بالاستغلال الجنسي لزبائنهم، بالإضافة إلى وقائع تسمم؛ من جراء "الخلطات" التي يقدمونها لمرضاهم؛ بغرض "الشفاء" من هذا المرض أو ذاك.

هؤلاء يدعون أن لهم القدرة على "شفاء" الكثير من الأمراض المستعصية، بل حتى تلك التي قد يعجز عن علاجها الطب الحديث كالسرطان، ويرجعون أغلبها إلى "السحر" أو "المس".

"الخليج أونلاين" عاين مجموعة من الإعلانات المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأخرى معلقة على مداخل محال هؤلاء، التي تتحدث بالأساس عن قدرة هؤلاء على علاج "السحر والمس"، وأيضاً العقم واضطرابات النوم والاكتئاب، بالإضافة إلى أمراض أخرى مستعصية كالسرطان و"الروماتيزم".

إلى جانب الأمراض "العضوية" و"الروحانية"، يدعي هؤلاء علاج أمور أخرى، كـ"البطالة" و"العنوسة"، وأيضاً "تحسين العلاقات الزوجية والاجتماعية".

ووفق ما رصده "الخليج أونلاين"، سواء من محاولة تواصل مع الممارسين لهذه المهن، أو مع أشخاص سبق أن ترددوا على محالهم، فإنهم يرجعون هذه المشاكل الاجتماعية إلى وجود "سحر" أو "جني مُسخر"، يضع عقبات بين المرء وزوجته، أو بين الشباب ونصفهم الآخر، بحسب قولهم.

نصب واغتصاب

في هذا الخصوص التقى "الخليج أونلاين" مجموعة من "ضحايا" بعض الممارسين لهذه الأنشطة، الذين كشفوا تعرضهم لعمليات "نصب"، في حين تحدثت نسوة عن حوادث "تحرش" وأخريات عن "اغتصاب" كن ضحاياه أو تعرضت له قريبات لهن.

تقول "رشيدة"، وهي شابة في الثلاثين من عمرها، إنها كانت قبل أربع سنوات تعاني اكتئاباً حاداً، رافقه أرق وأحياناً كوابيس ليلية؛ وهو ما دفعها إلى زيارة أحد "الرقاة" المشهورين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بدعوى أن لديها أعراض مس أو سحر.

وتكشف أنها اتصلت برقم "الراقي" الموجود على صفحته على منصة "فيسبوك"، ليرد عليها أحد مساعديه، ويخبرها أن زيارة "الشيخ" لا تكون إلا بموعد مسبق، موضحاً فيما بعد أن أقرب موعد متاح، سيكون بعد أسبوع من تاريخ المكالمة.

وتصف المتحدثة "عيادة الراقي" قائلة إنها شقة تتكون من عدة غرف، إحداها يتخذها الراقي مكتباً له، وفيها أيضاً يعقد حصص الرقية، وهي القاعة التي زوِّدت بكاميرات للمراقبة، بحسب قولها.

وتابعت قائلة: "في خلال أول زيارة طرح علي مجموعة من الأسئلة المتعلقة بحالتي النفسية، بعض الأعراض كضيق التنفس وآلام معينة في البطن، خاصة في فترة العادة الشهرية، وإن كانت تراودني كوابيس معينة".

وأضافت: "لكنه فيما بعد انتقل ليسألني عن أمور خاصة، من قبيل إن كنت متزوجة أو عزباء، وإن كنت عذراء، أو غير ذلك".

وشخص الراقي حالة رشيدة بكونها تعاني "مساً شيطانياً"؛ سببه "سحر مشروب" استقر في معدتها، وهو ما سيجعل علاجها رهيناً بإزالة "عش الجن" داخل أمعائها.

من أجل ذلك، تقول رشيدة، طلب منها "الاستفراغ" يومياً، أي التقيؤ كل صباح بعد شربها لخليط وصفه لها، ويتكون من أعشاب و"ماء مرقي"، بالإضافة إلى "عسل طبيعي"، وهي المواد التي اشترتها من محل تابع له يوجد في نفس الشقة، كلفتها نحو خمسمئة درهم (الدولار = 9.5 درهم تقريباً).

وتؤكد أنها كانت تتردد على محله مرة في الأسبوع على الأقل، إذ كان يقرأ آيات من القرآن عليها، ثم يطلب منها بين الفينة والأخرى شرب مشروب داكن اللون ثم التقيؤ فيما بعد، مضيفةً أنه قدم في إحدى الحصص مشروباً مخالفاً لما كان يقدمه في السابق، لكنه لم يكن بنفس المفعول؛ إذ لم تشعر برغبة في التقيؤ، لكنها أغمي عليها حينما رقاها، تقول المتحدثة.

وأضافت: "حينما استيقظت بعد أكثر من ساعة وجدت آثاراً لسائل منوي على جسدي، بالإضافة إلى مذاق غريب على شفتي"، فيما كانت ملابسها غير مرتبة، وحينما استفسرت من الراقي عما حدث بدأ يهددها بفضحها بنشر صور لها وهي عارية.

رشيدة تفيد بأنها تقدمت بشكاية ضد "الراقي"؛ لتثبت التحريات فيما بعد وجود عدة ضحايا سبق لهن السقوط في شراكه، وهددهن بنشر صورهن وهن عاريات، فضلاً عن أنه كان يطلب المال من أخريات مقابل "عدم فضحهن".

سوابق

وتتداول وسائل إعلام محلية، بين الفينة والأخرى، قصص اعتقال السلطات المحلية لأشخاص تصفهم بـ"ممتهني الشعوذة"؛ إما بتهم تتعلق بـ"هتك العرض"، أو "النصب والاحتيال".

في هذا الصدد، كتبت جريدة الصباح (محلية مستقلة)، في سبتمبر 2017، عن اعتقال شخص بمدينة الدار البيضاء يستغل "الرقية الشرعية" لممارسة الجنس بالقوة على زبوناته.

الجريدة ذكرت أن الشخص المعتقل كان خصص شقة بأحد الأحياء الشعبية في المدينة؛ بغرض استقبال الراغبين في الحصول على "حصص" من الرقية الشرعية.

وبحسب نفس المصدر، فإن هذا الشخص كان لا يستقبل إلا "المتزوجات"؛ ليجبرهن على "شرب" سائل يضم خليطاً من الأعشاب، بدعوى أنها ستساهم في استخراج السحر الساكن في أمعائها، قبل أن يمارس الجنس معها وهي تحت تأثير منوم وضعه لها في السائل.

وفي مارس 2017، قال موقع "Le360" المغربي، إن رجال الأمن ألقوا القبض على شخص بمدينة تيزنيت (جنوب) "هتك عرض طفلة"؛ وذلك بعدما جلبها له والدها لعلاجها من "المس".

ولم تكتشف أسرة الضحية الواقعة إلا حينما أرادت مرة أخرى الذهاب إلى الفقيه؛ بعد أن حدد لها موعداً آخر لاستكمال حصص العلاج، إذ رفضت الطفلة الانصياع لطلب والديها؛ ما دفع بأمها إلى الضغط عليها لمعرفة أسباب امتناعها؛ لتكشف لهم تفاصيل ممارسته الجنس معها، وتهديده لها في حال أخبرت أسرتها.

استغلال التكنولوجيا

ويوظف ممتهنو "الرقية" بالمغرب وسائل الاتصال الحديثة لغرض الوصول إلى أكبر عدد من الزبائن؛ إذ تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلات لأشخاص يدعون محاربة الجن والسحر من خلال "الرقية الشرعية".

من بين أشرطة الفيديو تلك التي يظهر فيها هؤلاء وهم في "معارك" و"حوارات" مع الجن، أو حين قيامهم برحلات للكشف عن أماكن يخزن بها السحر، بالإضافة إلى تسجيلات أخرى "يسدون فيها النصائح إلى الناس لتفادي تأثير الجن عليهم".

وتجد فيديوهات هؤلاء إقبالاً كثيفاً من طرف مستخدمي الشبكة العنكبوتية؛ إذ يبلغ عدد مشاهدات بعضها على موقع "يوتيوب" الملايين.

من جهة ثانية، يقدم البعض خدمات عن بعد، إما من خلال الاتصالات الهاتفية، أو عبر رسائل تطبيق "واتساب".

الدين بريء

وفي هذا الصدد، اعتبر لحسن السكنفل، رئيس أحد المجالس العلمية بالمغرب (حكومية) أن "الدين بريء من مثل هذه الممارسات".

وأوضح، في تصريح لـ "الخليج أونلاين"، أن السحر والعين والحسد والمس وغيره من الأمراض الروحانية، موجودة بدليل الكتاب والسنة، وحتى الأحداث التاريخية، معلقاً: "والدليل أن الرسول عليه السلام قد سُحر".

ويضيف: "فعلاً الرقية الشرعية موجودة، لكن ليس من هب ودب يمكنه ممارستها"، موضحاً أن "الراقي يجب أن يكون شخصاً ورعاً بعيداً كل البعد عن الشبهات، وما نسمع عنه من اعتداءات جنسية على نساء هو أمر يدخل في إطار الدجل والشعوذة باسم الرقية الشرعية".

المتحدث يشير إلى أن "البعض يستغل هذا الأمر لتحقيق أرباح مالية باسم الدين"؛ وذلك من خلال "إجبار الزبائن على اقتناء بعض المواد التي يسعرونها بأثمان مبالغ فيها"، بحسب قوله.

وشدد قائلاً: "يمكن للإنسان أن يرقي نفسه بنفسه، وهذا هو الأصل الذي كان يقوم به رسول الله عليه الصلاة والسلام".

بين الجهل والحق خيط رفيع

ويقول السكنفل: إن "هناك خيطاً رفيعاً جداً بين الشعوذة والدجل من جهة والرقية الشرعية من جهة أخرى، خاصة في ظل الجهل الذي يستشري في صفوف المواطنين، وهو ما يتطلب حذراً أكبر".

وزاد: "أيضاً هناك خيط أرفع بين ما يمكننا تسميته بالأمراض الروحية ونظيرتها النفسية؛ وذلك نظراً لتشابه الأعراض بين الاثنين، ومن ثم يجب وضع كل شيء في مكانه، فنعم القرآن الكريم شفاء لكل داء، لكن للطب أيضاً مكانته في ديننا الحنيف".

من جهته، يرجع الخبير في علم الاجتماع، محسن بنزاكور، الإقبال الكثيف على خدمات هؤلاء الأشخاص، وانخداع البعض بـ"خزعبلات الدجالين منهم"، إلى "ثقافة التصديق والتسليم السائدة بالمجتمع المغربي تجاه كل ما هو ديني وميتافيزيقي"، بحسب قوله.

وأوضح بنزاكور، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، أن كثيرين ممن يلجؤون إلى ممارسي الرقى الشرعية، يُعانون في الأصل من اضطرابات أو هلوسات نفسية.

وقال: "علاج هذه الحالات يكون بالمواكبة الطبية الحديثة وليس بتناول الأعشاب، والتعرض لحصص من الضرب والتعذيب تحت دعوى صرع الجن".

مكة المكرمة