ملايين "البدون".. محرومو الجنسية ظاهرة عالمية متزايدة

قرابة 12 مليون إنسان محروم من حقوقه بسبب عدم امتلاكه جنسية أي بلد

قرابة 12 مليون إنسان محروم من حقوقه بسبب عدم امتلاكه جنسية أي بلد

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 03-11-2015 الساعة 11:20


على الرغم من اعتراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعدم معرفة "الرقم الدقيق" لأعدادهم، فإنها تقدر عدد الأشخاص محرومي الجنسية في العالم بما بين 10 ملايين إلى 12 مليون إنسان، محرومين من كثير من الحقوق التي يتمتع بها مواطنو البلاد التي يقيمون فيها، ومن ضمنها بلدان متقدمة.

ويعتبر "البدون" في الكويت، ومسلمو الروهينغيا في بورما، والنوبيون في كينيا، أكثر المحرومين من الجنسية شهرة في العالم في الوقت الحالي.

و"البدون" هو التعبير الشائع في الكويت ومنطقة الخليج للإشارة إلى هذه الفئة، استلهم من كونهم "بدون جنسية"، وفي مناطق أخرى من العالم يطلق عليهم اسم "غير محددي الجنسية"، أو "مقيم بصورة غير شرعية"، أو حتى أسماء عنصرية في بعض المناطق، في حين تسميهم الأمم المتحدة "عديمي الجنسية"، وهو تعبير محايد، لكنه لا يضع المسؤولية على أحد ولا يحفز على التقدم خطوة للأمام لحل الأزمة.

على أن تعبير "محرومي الجنسية"، يشكل مباشرة أكثر قرباً للحالة التي تعيشها هذه الفئة، كما يتضمن تحميلاً محتملاً للمسؤولية تطال كل أو بعض الأطراف المتسببة بالمشكلة.

- في الأسباب

الحروب، التي نتج عنها حالات نزوح ولجوء إلى دول الجوار ودول أخرى، هي السبب الرئيسي في تشكل ظاهرة محرومي الجنسية، كما شكل الاستقلال ورسم الحدود الوطنية بين الدول، واحداً من تلك الأسباب كما في الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي ودول كثيرة أخرى.

وتنشأ الأزمة من عدم تبني الدولة التي هاجر منها، أو الدولة التي لجأ إليها، في حالة الحروب، أو الدول المحتلة أو الدولة الناشئة في حال الاستقلال، لأولئك الذين وجدوا أنفسهم بلا جنسية.

كما يعتبر الاستبعاد السياسي، أو الهجرة هرباً لأسباب سياسية كما حدث في العراق وسوريا في السبعينات والثمانينات، أحد أبرز الأسباب التي ينشأ عنها الحرمان من الجنسية لاحقاً.

ومع موجة نزوح ولجوء ملايين السوريين إلى دول الجوار ودول أوروبا، يتوقع أن تشهد الظاهرة تنامياً كبيراً بغضون أقل من عقد من الزمان، إذا لم تجد الدول حلاً ناجعاً لهذه القضية.

وتتنصل مختلف الدول المعنية من الاعتراف بمواطنة محرومي الجنسية، ويعد مسلمو الروهينغيا أحد أكثر الظواهر دلالة على عدم تحمل الدول لمسؤولياتها بهذا الشأن، فحكومة بورما (ميانمار) لا تكتفي بحرمانهم من حق المواطنة واعتبارهم "عديمي الجنسية" وحسب، بل تغطي على منتهكي أعمال العنف التي ترتكبها عصابات بوذية بحقهم، حتى وجدوا أنفسهم عالقين في البحار، في حين أنه لم تستقبلهم الدول التي تقول بورما إنهم جاؤوا منها، كبنغلادش والبنغال وغيرها، إلا كلاجئين في المخيمات في بعض الحالات بعد ضغط دولي.

- ظاهرة عالمية في تزايد

وكشف تقرير جديد، أصدرته الثلاثاء المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، أن كل 10 دقائق يولد طفل جديد في العالم من فئة عديمي الجنسية.

وقالت المفوضية: إن "ما لا يقل عن 70 ألف طفل عديم الجنسية يولدون سنوياً في 20 بلداً، مشيرة إلى وجود 10 ملايين شخص على الأقل في العالم لا يملكون الجنسية".

وفي تقريرها حول التأثيرات السلبية لانعدام الجنسية على الأطفال، أجرت فيه لقاءات مع أكثر من 250 طفلاً عديم الجنسية وعائلاتهم، ذكرت المفوضية أن الأطفال كافة تقريباً يشعرون بالتمييز وخيبة الأمل واليأس.

وأشار التقرير إلى أن معظم الأطفال الذين قابلتهم المفوضية في 7 بلدان، "يشعرون بأنهم بلا قيمة، غرباء، متروكين مثل كلب ضال، يعيشون تحت ظل شخص آخر".

وبيّن أن الأشخاص عديمي الجنسية يواجهون عقبات لا يمكن تجاوزها في مجالات التعليم والصحة وفرص العمل في الدول التي يقيمون فيها، لافتاً إلى أن انعدام الجنسية تسبب في دمار نفسي للأطفال والشباب والعائلات.

ووفقاً للتقرير فإن الأطفال عديمي الجنسية الذين يولدون بلا شهادة ميلاد في أكثر من 30 بلداً لا يتمكنون من الحصول على الخدمات الصحية، ولا يحصلون على اللقاحات في ما لا يقل عن 20 بلداً.

- الظاهرة في الخليج

في الخليج، والكويت بشكل أوسع، يشكل "البدون" ظاهرة، حيث يبلغ عددهم في الكويت وحدها نحو 120 ألفاً، محرومين من جلّ حقوق المواطنة، فيما تبادر السلطات بين الفينة والأخرى لإصدار قرارات إما لتجنيس بعضهم أو لقبول عدد من أبنائهم في المدارس.

السلطات الكويتية ترى أن هؤلاء هم مواطنون من دول عربية أخرى قدموا إليها في نهاية الستينات والسبعينات للعمل، ثم قاموا بإخفاء جوازاتهم وهوياتهم، رغبة منهم في الاستفادة من الامتيازات.

ولهذا، قدمت الحكومة الكويتية مبادرة "للذين يخفون جنسياتهم الأصلية" عام 2011 تنص على أن كل من يكشف عن جنسيته الأصلية يحصل على مزايا الدولة، ويتم منحه حق الإقامة بشكل فوري لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد لجميع أفراد الأسرة، وفق المادة 24 "كفيل نفسه".

ويعني عدم وجود وثائق رسمية لدى محرومي الجنسية في الكويت (والإمارات والسعودية أيضاً)، حرمانهم من الاستفادة من الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية المجانية لهم ولأطفالهم، وترد الحكومة الكويتية على مطالباتهم بالجنسية بأنها تراعي الجانب الإنساني لهذه القضية، إلا أنها "لا تستطيع أن تمنح الجنسية لكل من يطلبها في هذا العالم، وأنها تتعامل مع هذه القضية بكل حالة على حدة".

وجرى في الكويت، تقسيم محرومي الجنسية إلى 3 فئات من قبل الجهاز المركزي (وهو الجهاز المنشأ من الحكومة لمعالجة أوضاعهم)، واحدة فقط تستحق الجنسية الكويتية وعددهم نحو 35 ألفاً (رسمياً) وأخرى يمكن منحها الإقامة الدائمة "شرط كشفها عن جنسيتها الأصلية"، وفئة ثالثة عليها قيود أمنية ويتعين عليها المغادرة، وفق لذلك الجهاز.

إلا أن هذا التقسيم رفضه حقوقيون ونواب في مجلس الأمة، كما رفضوا تصريحاً وصفوه بـ"العنصري"، لوكيل وزارة الداخلية المساعد لشؤون الجنسية والجوازات والإقامة الكويتي، اللواء الشيخ مازن الجراح، اقترح فيه إرسال البدون إلى جمهورية "جزر القمر" مقابل مساعدات مالية لتلك الدولة.

- جهود أممية

وأطلقت المفوضية عام 2011، حملة عالمية تهدف إلى إيجاد حل لمشكلة "انعدام الجنسية" في غضون عشر سنوات، للأشخاص الذين لا يملكون جنسية أي بلد.

ودعت المفوضية الدول إلى إجراء تعديلات قانونية من أجل منح الأطفال جنسية الدولة التي يولدون فيها، فضلاً عن صلاحية منح الأمهات جنسيتها للأطفال على غرار الآباء، كأحد الحلول للمشكلة.

وكانت الأمم المتحدة، قد أعلنت عن اتفاقية 1954 بشأن وضع الأشخاص عديمي الجنسية وحماية حقوقهم، واتفاقية 1961 بشأن خفض حالات انعدام الجنسية، وهما الاتفاقيتان الوحيدتان من نوعيهما، لكن ما تزال دول كثيرة حول العالم لم توقع عليهما.

وبلغ عدد الدول الأطراف باتفاقية 1954 بحدود 80 دولة، في حين أن عدد الدول الأطراف باتفاقية 1961 لم يزد عن 55 دولة.

- المستقبل

ربما تعوّل الحكومات على "التقادم" لحل المشكلة الأساسية لظاهرة محرومي الجنسية، إذ يعود أصل حكاية محرومي الجنسية إلى أكثر من 50 سنة، عندما أعيد رسم حدود دول العالم الوطنية، وحظيت كل دولة باستقلالها، فبدأت تفتش في هوية مواطنيها وأصولهم وفصولهم، وربما ينجح الأمر في حلّ جزئي للمشكلة، على أن تلك الحكومات لم تحل مشكلة مواليد تلك الفئة الذين وُلدوا على أراضيها وعاشوا فيها طوال حياتهم، حتى أنجبوا وصار لهم أولاد وأحفاد.

وتعيش المنطقة فترة أزمات وتحوّلات كبرى، تشهد في بعض أجزائها إعادة لرسم الحدود من جديد كما في سوريا والعراق التي مسح فيها تنظيم "الدولة" أجزاء واسعة من حدود البلدين، ما قد يعني عودة قضية محرومي الجنسية إلى نقطة الصفر، كما عاشها من قبلهم "الأكراد الفيلية" في العراق بعهد صدام حسين، وكما عاشها كذلك آلاف السوريين الذي أجبرهم عهد نظام حزب البعث على الهروب بدعوة الانتساب لجماعة الإخوان المسلمين، ليجدوا أنفسهم ومواليدهم اليوم بدون هوية.

مكة المكرمة