هل انتصرت مسلمات فرنسا في معركة "البوركيني"؟

القضاء الفرنسي انتصر للمسلمات

القضاء الفرنسي انتصر للمسلمات

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 27-08-2016 الساعة 16:13


بخلاف دول أوروبية مثل النمسا، حيث تخصص بعض المسابح في فيينا يوماً كاملاً للسيدات المسلمات الراغبات في السباحة بـ"البوركيني"، فإنّ فرنسا التي تحكمها "علمانية متشددة" تبدي تعنتاً في موقفها بحظر ارتداء المسلمات بدلة السباحة التي تغطي كامل أجسادهن.

ويصل ذلك التصلب إلى حدّ اعتبار رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، الذي يدعم قرار حظر "البوركيني"، أن ذاك اللباس يمثل "ترجمة لمشروع سياسي ضد المجتمع"، مشدداً على ضرورة "أن تدافع الجمهورية عن نفسها في مواجهة الاستفزازات"، على حد قوله.

كما يصل إلى حد أن تنتشر الشرطة الفرنسية على شواطئ البلاد لتلاحق كل امرأة مسلمة ترتدي زيّاً كاملاً، وتحرر بحقها ضريبة مخالفة، أو تجبرها على خلع لباس البحر الذي اختارته لنفسها، أمام الناس على الملأ.

وباتت قضية "البوركيني" مثار جدل واسع في فرنسا بين أنصار تطبيق العلمانية في الفضاء العام والمدافعين عن حرية التعبير، واحتلت صدارة عناوين الصحف والجدالات السياسية والإعلامية ونقاشات الرأي العام على شبكات التواصل الاجتماعي، في بلد تقيم فيه أكبر مجموعة مسلمة في أوروبا تقدر بخمسة ملايين شخص.

ويأتي هذا بعد حظر 30 بلدية فرنسية، خلال الأسابيع الأخيرة، السباحة بـ"البوركيني"، إلا أن قراراً قضائياً بتعليق الحظر صدر الجمعة، حلحل من حدة الموقف المتوتر.

- انتهاك خطير للحريات

وأصدر القضاء الفرنسي، الجمعة، قراراً بتعليق قرار حظر البوركيني، المثير للجدل، معتبراً أن قرار المنع الذي اتخذه رئيس بلدية يشكل "انتهاكاً خطيراً للحريات".

وأكد مجلس الدولة الفرنسي، أعلى هيئة قضائية في البلاد، في قراره، أنه "في غياب مثل هذه المخاطر (على النظام العام) فإن التأثر ومظاهر القلق الناجمة عن اعتداءات إرهابية، وخصوصاً اعتداء نيس في 14 يوليو/تموز الماضي، لا تكفي لتبرير إجراء الحظر قانونياً"، وهو الإجراء الذي اتخذته بلدة فيلنوف-لوبي (جنوب شرق).

وأضاف المجلس: "أن القرار المثير للجدل شكل انتهاكاً خطيراً وغير قانوني للحريات الأساسية المتمثلة في حرية التنقل وحرية الضمير والحرية الشخصية".

- عنصرية

ويرى مسلمو فرنسا أن التدخل الحكومي في شكل لباس المرأة المسلمة يشكل سلوكاً عنصرياً بحقهن.

ونقلت وكالة فرانس برس عن فرنسية مسلمة قولها إنها غرمت وتعرضت لإهانات عنصرية لارتدائها الحجاب على ساحل مدينة كان جنوبي فرنسا.

وتقول السيدة، واسمها سيام (34 عاماً) من مدينة تولوز، إنها كانت تتمشى على ساحل البحر مع طفليها عندما أوقفها ثلاثة من رجال الشرطة الذين أخبروها بأن زيها "ليس مناسباً"، مضيفة أنه في غضون ذلك، تجمع عدد من المارة الذين صرخوا بها "اذهبي إلى بلدك"، و"نحن كاثوليك هنا".

وذكرت أن رجال الشرطة أخبروها بأنها يمكن أن تبقى على الشاطئ إذا غيرت ترتيب حجابها، بحيث يتحول إلى عصابة تربطها حول رأسها.

وقالت سيام: "كان الخطاب العنصري منفلتاً من عقاله تماماً، لقد صدمت".

- تهدئة

في الأثناء رأى ممثلو مسلمي فرنسا أن قرار مجلس الدولة الفرنسي يشكل تهدئة، وقال الأمين العام للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، عبد الله زكري: إن "هذا القرار الحكيم سيتيح حلحلة الوضع الذي أثار استياءً قوياً لدى مواطنينا المسلمين، وخصوصاً النساء".

بدوره أكد وزير الداخلية، برنار كازنوف، الجمعة، أنه "يعود لكل واحد منا أن يسعى في إطار المسؤولية للتهدئة التي تجنب وحدها الاضطراب في النظام العام، وتعزز العيش المشرك".

- المعركة مستمرة

وبالرغم من القرار، الذي صدر عن أعلى سلطة قضائية إدارية فرنسية، وسيتوجب تطبيقه في كل أنحاء البلاد، إلا أن الجدل لم يتوقف بشأن القضية، حيث أعلنت تيارات سياسية عزمها طرح مشروع قانون للتصويت على الحظر، في حين أعلنت بلديات عدم استجابتها للقرار القضائي.

وأعلن اليمين وأقصى اليمين رغبتهما في التصويت على قانون لحظر البوركيني، في حين أكد عديد من رؤساء البلديات على الساحل المتوسطي، تمسكهم بحظر البوركيني وطالبوا بإقرار قانون لحظره في البلاد.

وقالت بلدية نيس: إنها "ستواصل تحرير محاضر" للنساء اللواتي يرتدين هذا اللباس ما دام لم يلغ قرارها. وقال رئيس بلدية فريجوس: "ليس هناك أي إجراء سار ضد قرارنا".

كما أبقى رئيس بلدية سيسكو (كورسيكا) الاشتراكي على قرار الحظر، الذي اتخذه إثر مشادة بين مغاربة وسكان قرويين في بلدته منتصف أغسطس/آب، واعتبر أن "هناك تهديداً جديّاً للنظام العام".

واستمر رئيس الحكومة الفرنسية في موقفه، معتبراً أن قرار مجلس الدولة "لا ينهي النقاش الذي فتح".

وأكد "أنه نقاش في العمق يأتي بعد نقاشات أخرى"، مذكراً بأن فرنسا هي أول بلد في أوروبا يحظر في 2010 الحجاب الكلي (النقاب والبرقع) في الأماكن العامة. كما منع الحجاب أو وضع رموز تدل على انتماء ديني في 2004 في المدارس الحكومية.

وفي بلد يثور فيه الجدل بانتظام حول مكان الإسلام والمسلمين في المجتمع، وقبل عشرة أشهر من الانتخابات الرئاسية، دخلت القوى الفرنسية في جدال واسع حول هذه المسألة التي يبدو أنها ستغدو جزءاً من الحملات الانتخابية.

ففي معسكر اليمين دافع أبرز مرشحين للانتخابات التمهيدية الرئاسية عن موقفين مختلفين. فأكد الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، الخميس، رفضه البوركيني واعتبره "استفزازاً"، في حين قال رئيس الوزراء الأسبق، آلان جوبيه، إنه ضد "قانون ظرفي".

وفي داخل الحكومة الاشتراكية أثارت المسألة الانقسام. فقد دان وزيران؛ هما وزيرة التربية، نجاة فالو بلقاسم، ووزيرة الصحة، ماريسول توران، قرارات رؤساء البلديات بحظر لباس البحر الخاص بالمسلمات، ما يتضارب مع موقف رئيس الحكومة، مانويل فالس، الذي أيدها باسم الحفاظ على الأمن العام.

- فضيحة

ويبدو أن الأمر الذي دفع إلى قرار إلغاء الحظر، جاء مدفوعاً بالجدال الذي امتد إلى مختلف أنحاء أوروبا والعالم؛ ما شكل فضيحة لفرنسا التي تتبجح بالحريات الفردية.

وأثار هذا الجدل الفرنسي صدمة لدى كثيرين في العالم، ونشرت صحيفة نيويورك تايمز على صفحتها الأولى صوراً لامرأة محجبة تخلع البوركيني على أحد شواطىء نيس، بعد طلب من أربعة شرطيين أحاطوا بها، ما أثار موجة من الاستنكار والغضب.

وتحدثت الصحف الألمانية من جهتها عن "حرب دينية" في فرنسا، واعتبر رئيس بلدية لندن، صديق خان، أنه "لا يحق لأحد أن يملي على النساء ما يجب أن يرتدين.. الأمر بهذه البساطة".

وفي بريطانيا، نقلت صحيفة الإندبندنت عن أحد السياسيين الفرنسيين تهديده بملاحقة من يقوم بنشر صور الشرطة وهي تقوم بانتهاك حقوق المسلمات بإجبارهن على خلع البوركيني على الشواطئ، وتداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، قائلاً: إن "رجال الشرطة كانوا يقومون بواجبهم".

وأظهرت صور، تداولها رواد شبكات التواصل، عدداً من رجال الشرطة الفرنسية الخاصة بأمن الشواطئ المدججين بالسلاح، وهم يجبرون نساء مسلمات على خلع قمصانهن أمام الناس.

واعتبر النشطاء أن الأمر لا يخلو من الاعتداء على الحرية الشخصية التي يكفلها القانون الفرنسي، كما اعتبروه نوعاً من الإسلاموفوبيا.

ونقلت الصحيفة عن إحدى الناشطات الفرنسيات على مواقع التواصل الاجتماعي قولها: "لماذا يسمح لنساء بكشف أجسادهن في حين لا يسمح لأخريات بتغطية أجسادهن في بلد يتبنى الحرية كفرنسا؟".

الإندبندنت أكدت أن "هذه الحادثة هي واحدة فقط من حوادث متكررة؛ حيث انتشر فيديو منذ فترة يُظهر 3 من الشرطة الفرنسية وهم يحررون غرامة مالية بحق امرأة ترتدي الحجاب على شاطئ البحر".

وتصل قيمة الغرامة المالية على النساء اللواتي يرتدين المايوه الإسلامي أو "البوركيني" على شواطئ فرنسا الغربية إلى 38 يورو، بعدما قررت بلديات فرنسية منعه بحجة أنه من الرموز الدينية.

مكة المكرمة