2020 ونمط حياتنا.. عندما اختبأ العالم كله خلف الكمامة

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Jpm4ZK

الكمامة أصبحت جزءاً من حياة الناس طوعاً أو كرهاً

Linkedin
whatsapp
الخميس، 17-12-2020 الساعة 14:47

لم يكن العالم الذي نعيش فيه اليوم كما كان قبل عام واحد من الآن، وغالباً لن يبقى هذا العالم كما هو بعد عام آخر من اليوم، ليصبح عام 2020 بمنزلة لحظة فاصلة بين حقبتين مختلفتين تماماً في تاريخ البشر.

ومما لا شك فيه أن العام 2020 سيحظى بلقب "عام الجائحة"، ذلك أن فيروس كورونا المستجد كان قد كسر أبواب العالم مطلع هذا العام بعدما طرقها طرقات خفيفة أواخر 2019.

لقد تجاهلت دول كثيرة وكبيرة طرقات كورونا الأولى، وتعاملت معه كأي فيروس يجيء ويذهب دون أن يشعر به إلا أولئك الذين ظهر بينهم، قبل أن يقتحم ذلك القادم الخفي حياة وأحاديث وسلوكيات البشر من أدنى العالم إلى أقصاه.

وقد واجه العالم أنواعاً من الفيروسات خلال العقدين الأخيرين، كان منها "سارس، وإنفلونزا الطيور، وإنفلونزا الخنازير، وإيبولا، وكورونا"، لكنها جميعاً لم تترك أثراً يذكر بعد رحيلها، بل إن هناك من لم يسمع بها حتى يومنا هذا.

في المقابل، لم يكن فيروس كورونا المستجد مرضاً عابراً، ولا مقلقاً حتى، إنما كان قاتلاً خفياً أوقع أكثر من 1.6 مليون قتيل، وأصاب أكثر من 74 مليوناً حول العالم، واستدعى مروره تغييراً كبيراً في أفكار المجتمعات وسلوكاتها، بل وفي نظرتها لنفسها وللآخرين.

لقد قال الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، عام 2001، إن العالم قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر لن يكون كما كان قبله، وهي مقولة ربما لم يكن يعنيها بوش، وإنما قالها من باب المبالغة، وقد استخدم كثيرون هذا التعبير في أكثر من مناسبة ومع أكثر من حدث، على سبيل المبالغة أيضاً.

ومع تفشي وباء كورونا، بدايات 2020، لجأ بعض المحللين إلى استخدام مقولة بوش، وأكدوا أن العالم بعد كورونا لن يكون كما كان قبله، وقد اعتبر كثيرون أن التعبير كان من باب المبالغة أيضاً، خاصة أنه كان في العالم من يعتقد أن كورونا ليس موجوداً إلى في ووهان الصينية، ووسائل الإعلام فقط.

لكن المقولة صدقت هذه المرة، بعدما أعلنت منظمة الصحة العالمية الفيروس الجديد وباءً ثم ما لبثت أن صنّفته جائحة عالمية، ليقف العالم مأخوذاً وهو يتابع دولاً مثل إيطاليا وبريطانيا وفرنسا، بل والولايات المتحدة وهي تقع فريسة للوباء.

عادات اجتماعية وصحية جديدة

في مارس 2019، لم يكن أيّ من سكان العالم يلتفت لكمامة الوجه أو معقّم اليدين، لكن في نفس الشهر من 2020 تحوّل الحصول على الكمامة أو معقم اليدين إلى حرب بمعنى الكلمة؛ بعدما أصبحا عنصرين أساسيين من عناصر الحياة في ظل كورونا.

وخلال أسابيع قليلة أصبحت الكمامة جزءاً من الحياة، وأصبح الناس في كل مكان لا يتحركون بدونها، إما خوفاً من الوباء أو خوفاً من الغرامة؛ بعدما فرضت حكومات كثيرة غرامة على عدم وضعها، ضمن محاولات الحد من انتشار الوباء.

وفي مارس الماضي، اتهمت دول أوروبية، مثل ألمانيا، الولايات المتحدة بقرصنة شحنات كمامات كانت قادمة من الصين إليها، في حين قال مسؤولون فرنسيون إن الأمريكيين يقفون في المطارات ومعهم حقائب مليئة بالدولارت لإقناع الشركات ببيع الشحنات المباعة لدول أخرى، لهم، مقابل ثمن أكبر.

الأمر نفسه حدث بالنسبة إلى معقمات اليدين ومواد التنظيف والتعقيم، التي شهدت إقبالاً لم يعرفه البشر منذ 100 عام، حتى تضاعفت أسعار هذه المواد أكثر من عشرين ضعفاً في بعض البلدان.

وللمرة الأولى، عرف الناس الطريقة الصحيحة لغسل اليدين، وبدؤوا يحرضون على غسلها مدة لا تقل عن عشرين ثانية، فضلاً عن أن زجاجة المطهّر أصبحت الصديقة التي يلجأ إليها بسرعة كلما أجبرته الظروف على مصافحة شخص ما.

ومع الوقت، بدأ الخوف من المرض يتغلب على الخجل من الآخرين، وتراجعت مظاهر التصافح والقبلات إلى حد كبير، واستعاض الناس بالسلام بالمرفقين عن الكفين، فيما فضّل آخرون تبادل التحايا عبر وضع اليد على الصدر.

حياة جديدة

وخلال العام 2020، غابت حفلات الزواج وسرادقات العزاء وحفلات التخرج ومعارض الكتاب ومهرجانات السينما، في غالبية البلدان، بعدما فرضت الحكومات غرامات ثقيلة على مخالفة قرارات منع التجمعات.

كما أدّى المسلمون في أنحاء العالم صلاة عيد الفطر في بيوتهم، ولم يشهد شهر رمضان الماضي صلاة تراويح ولا عزائم ولا تزاوراً ولا موائد إفطار جماعية، إلا في حالات نادرة كانت تتم خفية خشية العقوبة.

وشهد النصف الأول من 2020 حالة حظر تجوال عالمية بعدما فرضت العديد من الدول حظراً جزئياً أو شاملاً على مواطنيها للحد من انتشار الوباء؛ ما خلق عادات اجتماعية جديدة لم تكن معروفة، مثل التعلم والعمل عن بعد، فضلاً عن تقارب الأسرة الواحدة بشكل أكبر.

وخلال أزمة كورونا عرف العالم العمل الافتراضي والاجتماعات الافتراضية، ووصل الأمر إلى إقامة حفلات أعياد ميلاد وزواج افتراضية، وقد حققت برامج اتصال مرئي مثل سكايب وزوم وغيرها أرباحاً خرافية بعدما تحولت إلى جزء من الحياة.

وللمرة الأولى في التاريخ الحديث خلت المطارات من المسافرين وخلت الشوارع من المارة وخلت المساجد والكنائس من المصلين ووصل الأمر إلى خلو الكعبة من الطائفين، في مشهد ربما لن يتكرر إلا بعد مئة عام أخرى.

فالمعروف أن العالم لم يشهد لحظة مماثلة لتلك التي فرضها كورونا، إلا عندما اجتاحت الإنفلونزا الإسبانية (1919) الكرة الأرضية قبل مئة عام، وكانت المشاهد التي تحملها كتب التاريخ عن تلك الفترة أقرب للخيال منها إلى الواقع، قبل أن تجبر الجائحة سكان الأرض على البقاء في منازلهم.

ورغم  الفوائد الأسرية التي حملتها تداعيات كورونا بين طياتها مثل التقارب بين أفراد الأسرة الواحدة على حساب التباعد بين أفراد العائلة الكبيرة، فإن أضراراً كبيرة أيضاً كانت موجودة بين طيّات هذه التداعيات، من بينها الطلاق والبدانة وإدمان الإنترنت.

فقد شهدت فترة الحجر المنزلي شكاوى واسعة، ولا سيما في العالم العربي ومنطقة الخليج، من زيادة البدانة؛ بالنظر إلى طول مدة البقاء في المنزل وغياب الحركة بشكل كامل، فضلاً عن زيادة معدلات تناول الطعام.

كما أدى طول المكوث في المنزل إلى نشوب خلافات أسرية كثيرة وكبيرة ربما ما كانت لتكون لولا هذا العزل الجبري.

كما احتل الإنترنت جزءاً أكبر من ساعات اليوم، وحققت شبكة "نيتفليكس" أرباحاً لم تكن في الحسبان، شأنها في ذلك شأن أمازون التي ربحت مليارات الدولارات بسبب البيع الإلكتروني مقابل إغلاق مراكز التسوق.

وبرز اهتمام الناس بالمعلومات الصحية، وزادت نسب متابعة قنوات الأخبار بشكل لافت، كما وجد العلماء والأطباء اهتماماً، وحظيت نصائحهم بمتابعات ومشاهدات ما كانت لتحصدها لولا ظروف الوباء.

نصائح

اقتصاد كورونا

وفي الوقت الذي ضربت فيه الجائحة الاقتصاد العام والخاص في مقتل فإن الحاجة إلى المال قبل الحاجة إلى العمل دفعت كثيرين للبحث عن طريقة للتعيّش خلال فترات الإغلاق الطويلة، فنشطت حركة توصيل الأغذية للمنازل، وتشير الإحصاءات إلى أن مندوبي التوصيل للمنازل في الخليج حصدوا ملايين الدولارات خلال العام الجاري.

كما ظهرت عربات بيع القهوة والشاي وغيرها من المشروبات السريعة عوضاً عن المقاهي التي أغلقت بسبب الوباء، وبالتوازي ظهر اقتصاد ربّات البيوت اللاتي بدأن يعرضن وجبات جاهزة للبيع عبر الإنترنت.

وحالياً، ومع تصاعد آمال الانتصار على ذلك العدو الخفي الذي تمكن فعلياً من سجن العالم خلف جدران الخوف، ونجح في إغلاق ملايين الأبواب على مئات الملايين من البشر الذين تحصّنوا بالمنازل والمعقّمات والكمامات من الوباء، فإن عادات صحية واجتماعية أفرزتها التجربة ستبقى بين الناس وإن انتهت الجائحة.

فعلى مدار اثني عشر شهراً، خاض البشر حرباً صامتة ضد عدو يتحرك بلا ضجيج، وقد تسلحوا في هذه الحرب الطويلة بالكمامة ومواد التعقيم، فضلاً عن إسقاط كثير من الممارسات الاجتماعية من قاموسهم اليومي، حتى إشعار آخر.

ومع بدء توزيع لقاحات "فايزر" وقريباً "مودرنا"، وغيرها من اللقاحات التي تمثل نهاية كابوس كورونا الثقيل، فإن المرض قد يرحل لكن ستظل آثاره باقية في حياة الناس اليومية، ولو لفترة على الأقل.

مكة المكرمة