"الخليج أونلاين" يحاور مصمم استاد "الثمامة": هذا سر فوزي بتصميمه

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/PvXK2M

المهندس المعماري القطري إبراهيم محمد الجيدة

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 29-11-2021 الساعة 18:59

متى بدأ ارتباط المهندس الجيدة بالتراث؟

منذ طفولته بدعم من والده.

أين درس الهندسة؟

في الولايات المتحدة الأمريكية.

كيف تم اختيار الجيدة لتصميم ملعب الثمامة؟

بعد مشاركته في مسابقة معمارية.

ارتبط بتراث بلده منذ طفولته، ودرس الهندسة المعمارية وتشبع بالثقافات الإسلامية والغربية، وبدأ "من الصفر"، ثم توج مسيرته بتصميم إحدى العجائب المعمارية الحديثة؛ "استاد الثمامة" المونديالي، في العاصمة القطرية الدوحة. 

في هذا اللقاء الخاص يحاور "الخليج أونلاين" المهندس المعماري القطري إبراهيم محمد الجيدة، في حديث حول النشأة والشغف والإبداع.

نص الحوار:

- "الخليج أونلاين": يقال إن الإبداع يتشكل في السنوات الأولى من حياة المبدع، حدثنا عن طفولة إبراهيم الجيدة ونشأته.

شهدت في طفولتي مرحلة تحول مهمة في تاريخ دولة قطر اقتصادياً واجتماعياً، ففي بداية ستينيات القرن الماضي عاشت البلاد نمواً اقتصادياً وتحولات على مستوى البنى التحتية والتعليم والصحة، فعاصرت بذلك مرحلة انتقال ما بين مرحلتين مهمتين هما، مرحلة "ما قبل النفط" ومرحلة "ما بعد ظهور النفط".

عشت طفولتي الأولى في حي الجسرة، في قلب الدوحة، وتحديداً في المنطقة التي فيها جامع الشيوخ حالياً بالقرب من سوق واقف. وبحكم امتهان العائلة للتجارة، كنت أرافق والدي يومياً إلى متجره في سوق واقف، حيث ألعب مع الأطفال في طرقه وأزقته، ولطالما لفتت نظري تصاميمه المعمارية التراثية وارتبطت بمخيلتي منذ ذلك الزمن.

وأعتقد أن قدرتي الحالية على التصميم سببها الرئيسي تشبعي الكامل بالمعمار القطري التقليدي واستيعاب تفاصيله وتذوق جماليته.

- "الخليج أونلاين": متى اكتشفت الملامح المبكرة لموهبتك؟ وكيف كانت البداية نحو تحقيق الشغف؟

برزت موهبتي في التصميم في مرحلة مبكرة من عمري عندما كنت قادراً على تصميم بيوت ألعاب دوليز (البيوت الورقية) فقد كان باستطاعتي بناء بيوت بأشكال فنية باستخدام أدوات بسيطة مثل سحارة صندوق الفواكه.

قدرتي على بناء تلك البيوت كانت مصدر إعجاب أصدقائي وأقراني، إذ لم يكونوا بحاجة إلى شراء بيوت جاهزة ما دام بوسعي بناء وتصميم بيوت على قدر من الجودة.

ي

في مراهقتي كنت مولعاً بلعبة ليجو، حيث كنت أبني مجموعة من البيوت الضخمة وأهتم بجميع التفاصيل الداخلية سواء كانت النوافذ أو الأرضية أو خلافها، ولاحظت عائلتي اهتمامي بالتصميم، فشجعوني على الاستمرار والتخصص في هذا المجال، ووفروا لي كل المعدات اللازمة التي أحتاج إليها في التصميم وإنشاء البيوت. 

بعد نجاحي في مرحلة الثانوية اخترت الولايات المتحدة وجهة لإكمال دراستي الجامعية، تم توجيهي إلى قسم الهندسة، وبدأت وقتها دراسة الكيمياء والفيزياء وغيرها من المواد غير المفضلة، أو بالأحرى التي لا تثير مخيلتي، لذلك تحولت إلى قسم الفنون الجميلة والعمارة وبدأت مداركي تتفتح ومخيلتي تثار.

- "الخليج أونلاين": كيف أثرت مرحلة الدراسة والابتعاث خارج البلاد في موهبتك وتفكيرك؟

أثناء مكثي في الولايات المتحدة الأمريكية خرجت من محيط الأهل والأصدقاء والمعارف إلى محيط جديد، وثقافة جديدة، أسمي تلك المرحلة أولى محطات بناء الشخصية وصقل المخيلة. 

أما على المستوى الدراسي فقد كانت الدراسة في أمريكا في ذلك الوقت مختلفة تماماً عن الأنظمة الدراسية الموجودة لدينا وقتها، حيث إن النظام التعليمي المحلي كان يهتم كثيراً بالحفظ وإعادة تدوير المعلومة في عقول الطلبة من دون إضافات أو مراعاة للإبداع، هذا الأمر لم يكن موجوداً في الولايات المتحدة الأمريكية. كان النظام التعليمي لديهم يناقش الأفكار في دائرة مفتوحة.

- "الخليج أونلاين": يقال إن التفوق التعليمي ليس بالضرورة ضامناً للنجاح في الجانب العملي؛ حدثنا عن رحلة العودة وبداية ممارسة المهنة والشغف والصعوبات.

بعد عودتي من الدراسة في أمريكا قمت باستكشاف "الفرجان" والبيوت القديمة في قطر، ولاحظت أن لدينا ثراءً عمرانياً يتميز بطابع خاص، وهذا الأمر ليس مقتصراً على قطر والدول الخليجية فقط، بل هناك روح وبعد فني عميق في العمارة الإسلامية يمكن ملاحظته.

هذه الرحلة الفكرية والاستطلاعية للتراث الإسلامي توازت مع دعوة من سمو الأمير الوالد (الشيخ حمد بن خليفة) لي إلى بيته، وزودني بمجموعة من الصور التي توضح الجانب المعماري لدولة قطر، قائلاً: "يبه هذا تراثكم"، وبعدها بالفعل وقفت حياتي لتأليف كتب في العمارة التقليدية. والآن بعد مرور كل هذه السنوات بدأنا التفكير في تطوير العمارة القطرية إلى عمارة قطرية معاصرة.

ي

- "الخليج أونلاين": بعض المعماريين يتخذ من مدرسة التراث مرجعية دائمة لأعماله. كيف تنظر أنت إلى ربط التراث بالعمارة؟

استخدام التراث مرجعيةً أو خلفية للعمل المعماري هو بمنزلة إضافة الألوان للوحة الفنية، لا يكتمل جمالها ويزداد رونقها إلا بإضفاء البعد الثقافي والتراثي.

في تجاربي المعمارية الأولى كنت متشبثاً بالتراث، بحيث إن أعمالي التصميمية كانت تعكس طابع المباني القديمة حرفياً، مع أنني كنت أطورها من ناحية إضافات بسيطة تكمن في الكهرباء والتكييف وبعض الاستخدامات البسيطة.

وشيئاً فشيئاً أصبحت قادراً على استخدام التراث كروح للمباني، إلى جانب استخدم الأدوات العصرية من حيث مواد البناء والتكنولوجيا.

اليوم هناك مدرستان؛ إحداهما كلاسيكية مفرطة في التمسك بالتراث، والأخرى حداثية متصلة بالماضي، وأنا أميل إلى المدرسة الثانية التي تستفيد من التطورات التكنولوجية والعلمية في مد جسور التواصل بين الماضي والمستقبل.

وأعتقد أن أفضل جواب عن أهمية المدرسة الثانية، وسبب اختياري لها، يكمن في استاد الثمامة الدولي، الذي يعبر في الشكل الخارجي عن فكرة من صميم الثقافات المحلية، إلا أنك تدهش عند الاقتراب منه، حيث ستشاهد المواد الحديثة المستخدمة في بنائه.

التفاصيل البسيطة التي تعبر عن "القحفية" القطرية استُخدِمت في نفس الوقت لغرض تقني حداثي وهو تدوير الهواء وإخراجه من خلالها، حتى الإنشاء الذي يحافظ على الغلاف أصبح جزءاً من التصميم.

- "الخليج أونلاين": تحتضن قطر أهم استحقاق رياضي على مستوى العالم في العام المقبل 2022؛ كيف تابعت فوز قطر باستضافة مونديال كأس العالم؟ وماذا يعني لك ذلك كمعماري ساهم في منشآت هذا الحدث التاريخي؟

عندما تقدمت دولة قطر بملف استضافة كأس العالم 2022 اعتبرتْ أن هذه البطولة للعالم العربي والشرق الأوسط برمته، وقد كان ذلك في محله تماماً؛ لأن هذه البطولة علاوة على بعدها الرياضي تعكس أيضاً بعداً ثقافياً، أو بالأحرى احتفاء بالثقافة العربية، في مناسبة رياضية عملاقة مثل كأس العالم.

بالفعل سيكون عندنا احتفال للهوية بمختلف أنواعها في قطر، أثناء بطولة كأس العالم يستطيع الزائر أن يشاهد استطاعة هذه الأمة لإقامة هذا الحدث العالمي، وفي نفس الوقت احتفال هذه الأمة بتراثها.

كل المباني العملاقة في قطر تحكي قصة، وكل ملاعب المونديال تعبر عن بعد ثقافي للحدث الرياضي؛ هذا هو سر التميز القطري في الاستعداد لهذا المونديال. في الدول الأخرى التي استضافت هذا الحدث سابقاً كان من الممكن تصميم ملاعب رياضية جميلة، ومبانٍ ومراكز رياضية ضخمة، لكن أن تعكس تلك المنشآت قصة أمة، وتعبر عن ثقافة مجتمع، وتحكي رواية شعب، هو أمر نادر على المستوى العالمي.

ونحن في دولة قطر تبنيناه حرفياً في استاد الثمامة "القحفية" واستاد "البيت"، وباقي المباني والمنشآت المجهزة لاستضافة الحدث العالمي. حتى على مستوى الفلكلور والموسيقى الشعبية كان افتتاح استاد الثمامة متميزاً بإعادة إحياء تلك الأهازيج الشعبية المرتبطة بمخيلة القطريين والخليجيين مثل أهزوجة "طاق طاق طاقية" التي تعبر عن صميم الثقافة المحلية، وسيستمتع بها الجيل الجديد والقديم على حد سواء، وستبقى في ذهن الزائر إلى الأبد.

والقصة الأهم التي ستبقى في أذهان الزوار هي قدرة دولة قطر وشعبها على تحويل الخيمة (خيمة الشعر) كمثال إلى استاد عالمي وفق مواصفات ومعايير دولية؛ هذه الخيمة التي سكنها القطريون، وآوتهم من حر الصيف وبرد الشتاء.

ومن إيجابيات كأس العالم لدولة قطر أن الدوحة استطاعت أن تبهر العالم بحلول نوعية على مستوى التكنولوجيا الرياضية والبيئة؛ فهذه البطولة ستكون الأولى من نوعها في استخدام ملاعب عملاقة مكيفة، وهي الحلول التقنية التي عمل عليها وطورها أساتذة في جامعة قطر مدة طويلة، تحت رئاسة المهندس القطري هلال الكواري. 

- "الخليج أونلاين":  "فريد من نوعه"، "الأكثر تعبيراً عن الثقافة القطرية"، "إبداع يجسد الثقافة"، كلها عبارات قيلت في تصميم استاد الثمامة. حدثنا عن بداية الفكرة، وكيف كانت المنافسة في مسابقة اختيار التصميم؟

لقد كان تصميم استاد الثمامة عبارة عن مسابقة معمارية، كل المنافسين كانوا على درجة عالية من الخبرة المعمارية، ويمتلكون رصيداً طويلاً من التميز.

منذ أن علمت باختيار القحفية كخلفية تصميمية لاستاد الثمامة، ذهبت إلى السوق وبدأت مرحلة البحث عن القحافي، ومع أن القحفية رافقتني طوال حياتي، فإن اختيار قحفية مناسبة للتصميم كان عبارة عن اكتشاف للتراث ورحلة جديدة لم يسبق لي خوضها.

إلا أن نقطة قوتي في المنافسة كانت هي قناعتي أن المصممين غير القطريين ليست لديهم أي فكرة عن القحفية، وحتى وإن قدموا نماذج تصميمية لن يستطيعوا الحفاظ على الروح التي يعكسها هذا التراث الذي تمثله القحفية، ولن يترجموها بشكل يحافظ على شكلها وتعبيراتها الثقافية.

أخذت القرار بموجب ذلك أن شكل الملعب يجب أن يعكس القحفية مباشرة للرائي، من يشاهد المبنى يفهم أنه قحفية، مع ضمان أن ينسجم الشكل التصميمي مع المعايير الجمالية والحداثية، وهو ما جسدته في التفاصيل التصميمية لاستاد الثمامة. وأعتقد أن هذا المزج بين القحفية كخلفية ثقافية للتصميم وإخضاع تصميمها للمعايير الحداثية في الفنون المعمارية، هو ما أهلني للفوز بالمسابقة.

اخترت نوعية محددة من القحفية وهي المسماة "قحفية بنيرة"، ونيرة هي نيرة الذهب، ويتميز هذا النوع من القحافي بالمزج ما بين الخطوط المائلة والدائرية.

تقدمت للمسابقة، وعرضت التفاصيل التصميمية والفنية على فريق من الاستشاريين الذين ساعدوني في تقديم المعايير الفنية الخاصة بالاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ذات العلاقة بالتركيب والتشغيل والتنفيذ. وذهبت بعد ذلك في رحلة صيفية إلى إسبانيا، ولا أنسى الهاتف الذي جاءني من طرف المهندس هلال الكواري الذي بشرني بالفوز في المسابقة.

أتذكر تلك المكالمة إلى وقتنا هذا، لم أستطع الوقوف على قدمي بعد تلقي الاتصال، فارتحت على كرسي بجواري وأخذت نفساً عميقاً، وبعدها بدأ المشوار.

شكلنا فريقاً للقيام بالمهمة المنوطة بنا، وتعلمت الكثير من هذا المشوار، الذي تعاملت فيه مع مكاتب استشارية عريقة، وتواصلت أثناء هذه الرحلة مع استشاريين وخبراء عالميين، واستفدت الكثير وتعلمت الكثير، وتطور أداؤنا ليكون قريباً من تلك المكاتب العالمية التي نتعامل معها. 

- "الخليج أونلاين": اليوم نحن على مسافة أقل من عام على استضافة قطر لمونديال 2022، وأغلب المنشآت أصبحت جاهزة لاحتضان الحدث الرياضي الأكبر؛ لكن ما هي رؤيتك لقطر ما بعد كأس العالم؟

دولة قطر في مرحلة التجهيز لإبهار العالم عبر كأس العالم، وفي هذه المرحلة وعلى مدار السنوات الماضية التي تستعد فيها قطر للبطولة، شارك الشباب القطري والعربي جنباً إلى جنب في التجهيز لهذا العرس الرياضي والثقافي الذي تحتضنه المنطقة. 

س

وهناك أمر آخر جدير بالملاحظة وهو تسمية المؤسسة التي تقوم بالإشراف على كـأس العالم باللجنة العليا للمشاريع والإرث، وفي ذلك استيعاب حقيقي لما يفترض أن تكون عليه هذه المناسبات الكروية العالمية، حيث إن إقامة مثل هذه الفعاليات يجب أن يضمن إرثاً لمصلحة الشعوب والبلدان في مختلف أنحاء العالم، لذلك أعتقد أنه من المهم أن تأخذ الفيفا معيار الإرث للدول التي تريد احتضان فعالياتها مستقبلاً.

فقد شاهدنا أن بطولة كأس العالم التي أقيمت في البرازيل وجنوب أفريقيا حدث فيها أمر معاكس؛ ففي جنوب أفريقيا كان من الأفضل اقتصادياً هدم الملاعب بدلاً من صيانتها، لذلك أصبحت منشآت كأس العالم في تلك الدول عبارة عن "فيل أبيض"؛ وهي كناية اقتصادية عن المشاريع المكلفة التي لا تحقق عوائد مجزية على أرض الواقع.

أما هنا فقد كان السؤال "ماذا بعد البطولة؟" حاضراً منذ البداية، حيث سيتم تفكيك وتحويل بعض الملاعب إلى دعم دول نامية، وسيتم تحويل البعض إلى نوادٍ وحدائق خارجية ومستشفيات ومراكز للتسوق، ومن ثم سيستفيد أفراد المجتمع في دولة قطر وخارجها من هذه المنشآت، كما ستستفيد الدول النامية من التجهيزات القطرية في دعم البنية التحتية الرياضية الخاصة بها.

- "الخليج أونلاين": قلت إن منشآت كأس العالم 2022، والفعاليات الموازية لهذا الحدث ستكون إرثاً للشعب القطري بشكل عام؛ ما الذي يعنيه لك هذا الحدث الذي تركت بصمتك فيه بشكل خاص؟

هذا الحدث منذ بدايته يشكل لي إرثاً على المستوى الشخصي كذلك، فقد واجهت في بداية تقدمي للمسابقة تساؤلات من قبل المصممين العالميين المشاركين في المسابقة، فيها نوع من التشكيك، حيث سمعت السؤال أكثر من مرة، ما الذي سيعنيه في مسيرتك تصميمك لملعب رياضي؟ وكيف ستشارك في مسابقة من هذا النوع؟

لقد برهنت لهؤلاء وغيرهم قدرتي على تصميم استاد بمواصفات عالمية وفي وقت قياسي. وبحسب الكثيرين، فإنه من الناحية الإنشائية والتنفيذ، يعد من أحسن الاستادات المونديالية لكأس العالم 2022. وأجد في هذا إرثاً حقيقياً لي. 

ي

شهدت مباراة الريان والسد افتتاح ملعب الثمامة، الذي دعيت إليه في المنصة الأميرية مع كبار الشخصيات، وكان لي شرف استقبال سمو الأمير لدى دخوله، وقد دار بيني وبين سمو الأمير تعليق جميل عند استقباله، حيث قال لي: "الملعب جميل من الخارج، أتمنى أن يكون كذلك من الداخل"، وهو تعليق لطيف ترك في نفسي أثراً طيباً.

فقد وصلت إلى الملعب قبل الافتتاح بساعتين، لأن مكانة الملعب كبيرة في قلبي، وافتتاحه كان أمراً يثلج الصدر، لذلك كنت من أول الحاضرين. استمتعت بالألعاب النارية وبالتصميم الداخلي للاستاد الذي كان محل تقدير وإشادة من الحضور.

مكة المكرمة